الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الدعم الاجتماعي في الجزائر.. بين إرث الدولة الاجتماعية ورهان الإصلاح الذكي

Author
سارة حمدون 07 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

شكل الدعم الاجتماعي في الجزائر منذ الاستقلال أحد أهم أعمدة النموذج الاقتصادي والاجتماعي للدولة، حيث ارتبطت فلسفة بناء الدولة الوطنية بمبدأ العدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين من خلال تدخل مباشر ومستمر في أسعار المواد الأساسية والخدمات العمومية. وقد سمح هذا التوجه بتشييد منظومة دعم واسعة شملت الغذاء والطاقة والسكن والتعليم والصحة والنقل، وهو ما جعل الجزائر من بين الدول التي تعتمد مستويات مرتفعة من التحويلات الاجتماعية مقارنة بعدد من الاقتصادات النامية.

غير أن هذا النموذج، رغم نجاحه في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والحد من الفوارق، أصبح اليوم موضوع مراجعة عميقة في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، وتزايد الضغوط على المالية العمومية، واستمرار ارتباط الاقتصاد الوطني بعائدات المحروقات، إضافة إلى توسع الاقتصاد الموازي وتغير أنماط الاستهلاك داخل المجتمع الجزائري.

وتشير تقارير البنك الدولي حول الوضع الاقتصادي في الجزائر إلى أن سياسة الدعم الاجتماعي ساهمت في تعزيز مؤشرات التنمية البشرية وتحسين القدرة الشرائية للفئات الواسعة من المجتمع، غير أنها في المقابل تفرض تحديات متزايدة تتعلق بكفاءة الإنفاق العمومي وضرورة تحسين استهداف الإعانات لضمان استدامة المالية العمومية على المدى المتوسط والطويل.

إرث الدولة الاجتماعية في الجزائر بين الحماية والاستقرار

 منذ الاستقلال، تبنت الجزائر خيار الدولة الاجتماعية باعتباره إحدى ركائز بناء الدولة الحديثة، حيث اُعتُبرت العدالة الاجتماعية ليست مجرد سياسة اقتصادية ظرفية، بل جزءا من العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. وقد تجسد هذا الخيار في مجانية التعليم في مختلف الأطوار، وضمان العلاج في المؤسسات الصحية العمومية، ودعم واسع لبرامج السكن، إلى جانب دعم أسعار المواد الغذائية الأساسية والطاقة والنقل العمومي.

كما تطور هذا النظام ليشمل أدوات حماية اجتماعية جديدة مثل منحة البطالة والتقاعد والضمان الاجتماعي، وهو ما ساهم في تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي خاصة خلال فترات الأزمات الاقتصادية وانخفاض أسعار النفط، حيث شكلت التحويلات الاجتماعية صمام أمان حقيقيا ساعد على امتصاص الصدمات والحفاظ على الاستقرار.

وتشير بيانات الديوان الوطني للإحصائيات إلى أن التحويلات الاجتماعية تمثل جزءا معتبرا من النفقات العمومية، وهو ما يعكس حجم الالتزام المستمر للدولة الجزائرية بالحفاظ على الطابع الاجتماعي لسياساتها الاقتصادية، رغم التحديات المالية المتزايدة.

وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور الهواري تيغرسي أن قوة النموذج الاجتماعي الجزائري لا تكمن فقط في حجم الإنفاق، بل في فلسفة الدولة التي جعلت من الحماية الاجتماعية جزءا من هوية الدولة، وليس مجرد برنامج اقتصادي. غير أنه يشير في المقابل إلى أن استمرار نفس آليات الدعم دون تطوير يجعل من الضروري إعادة النظر في طرق التوزيع، مع الحفاظ على جوهر الدولة الاجتماعية وعدم المساس بمبدأ التضامن الوطني.

تحولات اقتصادية وضغوط على منظومة الدعم

رغم أهمية هذا النموذج في تحقيق الاستقرار، إلا أن استمراره بنفس الصيغة الحالية أصبح يطرح تحديات اقتصادية ومالية متزايدة. ففاتورة الدعم الاجتماعي ارتفعت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، نتيجة النمو السكاني، وتوسع الطلب على الخدمات الأساسية، وارتفاع تكاليف المعيشة، في وقت تعتمد فيه الميزانية العامة إلى حد بعيد على إيرادات قطاع المحروقات.

وتؤكد تقارير وزارة المالية في قوانين المالية المتعاقبة أن التحويلات الاجتماعية تمثل أحد أكبر بنود الإنفاق العمومي، ما يجعل السياسة الاجتماعية مرتبطة على نحو مباشر بتقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية، وبالتالي عرضة لأي صدمات خارجية قد تؤثر في التوازنات المالية للدولة.

كما أن طبيعة نظام الدعم القائم على دعم الأسعار بدل دعم الأفراد تؤدي إلى استفادة غير متكافئة بين مختلف الفئات الاجتماعية، حيث يستفيد جميع المواطنين من نفس أسعار المواد المدعمة بغض النظر عن مستويات دخلهم، وهو ما يخلق نوعا من التوزيع غير الدقيق للموارد العمومية، ويؤدي في بعض الحالات إلى استفادة فئات لا تحتاج فعليا إلى هذا الدعم.

وفي هذا الإطار، يشير الدكتور الهواري تيغرسي إلى أن الإشكال الحقيقي في منظومة الدعم لا يرتبط فقط بحجم الإنفاق، بل بكيفية توجيهه، موضحا أن “العدالة الاجتماعية لا تقاس بحجم الدعم الموزع، بل بمدى دقة استهدافه للفئات التي تحتاجه فعلا، لأن الهدف ليس تقليص الدعم، بل تحسين فعاليته الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد”.

وتؤكد دراسات علمية منشورة على منصة ASJP أن أنظمة الدعم الشامل، رغم دورها في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، قد تؤدي إلى اختلالات في التوزيع في غياب قواعد بيانات دقيقة تسمح بتحديد مستويات الدخل بشكل واضح، وهو ما يضعف فعالية السياسات العمومية على المدى الطويل.

من دعم السلع إلى دعم المواطن.. تحول في الفلسفة الاقتصادية 

يتجه النقاش في الجزائر بشكل متزايد نحو فكرة الانتقال من دعم السلع والخدمات إلى دعم المواطن مباشرة، من خلال تحويلات مالية موجهة حسب الوضع الاجتماعي لكل أسرة. ويعتبر هذا التحول أحد أهم التحولات المفاهيمية في السياسات الاجتماعية الحديثة، حيث يتم الانتقال من دعم غير مباشر إلى دعم مباشر أكثر شفافية وفعالية.

ويهدف هذا النموذج إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية، تتمثل في تعزيز العدالة الاجتماعية، وتقليص الهدر في الموارد العمومية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي، مع الحفاظ على الحماية الاجتماعية للفئات الهشة التي تحتاج فعلا إلى دعم الدولة.

وتشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حول إصلاح أنظمة الدعم في عدد من الدول إلى أن نجاح هذا النوع من التحول يتطلب مقاربة تدريجية، تقوم على التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية، مع توفير شبكات أمان قوية لتفادي أي انعكاسات سلبية على القدرة الشرائية للفئات الضعيفة.

الرقمنة كمدخل استراتيجي لإعادة بناء منظومة الدعم

يرتبط نجاح أي إصلاح في منظومة الدعم في الجزائر بشكل وثيق بمدى تقدم مشروع الرقمنة، خاصة من خلال السجل الاجتماعي الوطني الذي يفترض أن يشكل قاعدة بيانات موحدة تدمج مختلف المعلومات المتعلقة بالمواطنين.

هذا السجل يعتمد على ربط قواعد بيانات متعددة تشمل الضرائب، والضمان الاجتماعي، والحالة المدنية، والسجل التجاري، والبنوك، بهدف تكوين صورة دقيقة حول الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسر. ومن شأن هذا الربط أن يسمح بتحديد أكثر دقة للفئات المستحقة للدعم، وتحسين فعالية توزيع الموارد العمومية.

غير أن هذا التحول الرقمي يبقى مرتبطا بجودة البيانات وتحيينها المستمر، إضافة إلى قدرة المؤسسات على التنسيق فيما بينها، وهو ما يجعل الرقمنةليست مجرد مشروع تقني، بل إصلاحا مؤسساتيا عميقا.

الاقتصاد الموازي والشمول المالي كعقبة هيكلية 

يشكل الاقتصاد الموازي أحد أكبر التحديات التي تواجه أي إصلاح في منظومة الدعم الاجتماعي، حيث يؤدي توسع النشاط غير الرسمي وصعوبة التصريح الحقيقي بالمداخيل إلى تعقيد عملية تحديد الفئات المستحقة للدعم.

كما أن ضعف الشمول المالي، وعدم تعميم استخدام الوسائل البنكية والدفع الإلكتروني، يحد من إمكانية تطبيق التحويلات النقدية المباشرة بشكل فعال وشفاف، وهو ما يجعل أي انتقال نحو الدعم الذكي مرتبطا أيضا بإصلاحات مالية ومؤسساتية موازية تهدف إلى إدماج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيا في الدورة الاقتصادية الرسمية.

سيناريوهات مستقبل الدعم الاجتماعي في الجزائر

يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل منظومة الدعم الاجتماعي في الجزائر. يتمثل السيناريو الأول في استمرار الوضع الحالي دون تغيير جذري، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الضغط على الميزانية العمومية وتزايد اختلالات الاستهداف.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على إصلاح سريع وغير تدريجي، وهو خيار يحمل مخاطر اجتماعية واقتصادية قد تنعكس على القدرة الشرائية، وتخلق اضطرابات اجتماعية.

في حين يبدو السيناريو الثالث، القائم على الإصلاح التدريجي الذكي، هو السيناريو الأكثر واقعية، لأنه يجمع بين الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة من جهة، واعتماد الرقمنة كأداة لتحسين الاستهداف من جهة أخرى، مع تطوير نظام تحويلات نقدية مباشر يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

نحو إعادة تعريف الدولة الاجتماعية في الجزائر

لا يتعلق مستقبل الدعم الاجتماعي في الجزائر بمجرد تعديل تقني في آليات التوزيع، بل يعكس تحولا عميقا في فلسفة الدولة الاقتصادية والاجتماعية. فالدولة التي نجحت منذ الاستقلال في بناء نموذج اجتماعي قائم على الحماية والدعم الواسع تجد نفسها اليوم أمام مرحلة جديدة تتطلب الموازنة بين استدامة المالية العمومية من جهة، والحفاظ على العدالة الاجتماعية من جهة أخرى.

وبين هذين البعدين، يبرز التحدي الحقيقي في بناء منظومة دعم أكثر دقة وشفافية وفعالية، دون المساس بجوهر الدولة الاجتماعية التي شكلت أحد أهم ركائز الاستقرار في الجزائر منذ 1962.

أن هذا التحول، إذا ما تم بشكل تدريجي ومدروس، يمكن أن يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس أكثر عدالة وكفاءة، ويجعل من الدعم الاجتماعي ليس عبئا على الاقتصاد، بل أداة استراتيجية لتوجيه الموارد نحو التنمية والاندماج الاجتماعي.

 

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي