2025.01.13
\ سياسة

" الدعم السريع" في السودان..سجل الجرائم الممنهجة وتهديد الأمن المدني والدول


ربيعة خطاب
26 نوفمبر 2025

تستمر دائرة الصراع في السودان في توسيع أبعادها الإنسانية والقانونية، بعد أن وثقت منظمة العفو الدولية سلسلة من الجرائم المروعة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر بولاية دارفور، ما يضع البلاد أمام أزمة حقوقية غير مسبوقة. وأكدت المنظمة في تقرير حديث لها أن هذه القوات ارتكبت جرائم حرب واسعة النطاق تستهدف المدنيين مباشرة، بما في ذلك حالات قتل وإعدامات ميدانية بحق أشخاص غير مسلحين، إلى جانب هجمات متعمدة على المنشآت المدنية الحيوية، مثل المستشفيات والمرافق الصحية، ما زاد من معاناة السكان وأشعل تحذيرات دولية حول تفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة.

وجاء في التقرير أن "قوات الدعم السريع" لم تكتفِ باستخدام القوة العسكرية ضد أي وجود مسلح محتمل، بل امتدت هجماتها لتشمل المدنيين العزّل، مع ما تضمنه ذلك من انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك التعذيب والإخفاء القسري والتهجير القسري لسكان كاملين. وأكدت الأمينة العامة للمنظمة، أنياس كالامار، على ضرورة عدم غض الطرف عن هذه الانتهاكات المتكررة، مشددة على أن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك الفوري لمحاسبة المسؤولين وضمان حماية المدنيين. وأضافت أن التقرير يشكل دليلاً دامغاً على حجم الانتهاكات الممنهجة التي طالت السكان المدنيين في دارفور، وأن استمرار الصمت الدولي سيؤدي إلى تفاقم مأساة المنطقة.

وفي تصريح للأيام نيوز أوضح المختص في القانون الدولي ماهر ميخائيل أن "ما وثقته منظمة العفو الدولية لا يندرج في نطاق العنف العسكري التقليدي، بل هو انتهاك صارخ للاتفاقيات الدولية التي تحمي المدنيين أثناء النزاعات المسلحة". وأضاف ميخائيل: "الحالات الموثقة من قتل وإعدامات ميدانية وهجمات على منشآت مدنية تمثل جرائم حرب واضحة، ويجب أن تُحاسب الجهات المسؤولة عنها على المستوى الدولي. القانون الدولي لا يترك أي هامش لتبرير استهداف المدنيين أو تعطيل الخدمات الأساسية، وهذا التقرير يشكل دعوة عاجلة لمجلس الأمن والأطراف الدولية المعنية للتحرك بشكل جاد."

انتهاكات قوات الدعم السريع في دارفور.. جرائم حرب ومساءلة دولية عاجلة

تواصل ولاية دارفور في السودان أن تكون مسرحاً لانتهاكات جسيمة ضد المدنيين، في ظل تصاعد الهجمات التي تنفذها قوات الدعم السريع، خصوصاً في مدينة الفاشر. وأكدت منظمة العفو الدولية في تقرير حديث أن هذه القوات ارتكبت جرائم حرب واسعة النطاق، تتضمن قتل المدنيين وإعدامهم ميدانياً، إضافة إلى هجمات متعمدة على المنشآت المدنية الحيوية، بما في ذلك المستشفيات والمرافق الصحية، ما أسفر عن تفاقم الأوضاع الإنسانية في المنطقة. هذه الوقائع تشير إلى نمط ممنهج، وليس مجرد حوادث فردية، ما يضع السودان أمام اختبار قانوني دولي صارم.

وفي هذا الإطار، يوضح الباحث والمختص في القانون الدولي، ماهر ميخائيل للأيام ، أن الانتهاكات الموثقة تمثل خرقاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني. ويؤكد ميخائيل لصحيفة الأيام نيوز: "ما وثقته منظمة العفو الدولية يندرج تحت جرائم الحرب التي لا يبررها أي مبرر عسكري. استهداف المدنيين والهجمات على المنشآت المدنية أمر محظور تماماً وفق القانون الدولي الإنساني، وهو جريمة تُحاسب عليها المحاكم الدولية. هناك دلائل واضحة على أن هذه الانتهاكات تمثل سياسة ممنهجة، وليست مجرد تصرفات فردية."

الدكتور ميخائيل ماهر مختص في القانون الدولي / امريكا _مصر 

ويضيف ميخائيل أن الإفلات من العقاب يشكل تهديداً إضافياً، لأنه يشجع على تكرار الجرائم ويزيد من معاناة المدنيين. ويوضح في هذا السياق: "الاستمرار في ارتكاب هذه الانتهاكات دون محاسبة يبعث برسالة خطيرة: أن الإفلات من العقاب ممكن. وهذا يشكل تهديداً مباشراً للقانون الدولي، ويعطي الضوء الأخضر لتكرار الجرائم بحق المدنيين في أي منطقة نزاع أخرى بالسودان."

كما يشدد ميخائيل على ضرورة تحرك المجتمع الدولي لتوثيق الجرائم وملاحقة المسؤولين الكبار قانونياً، مؤكداً أن الوضع لم يعد قابلاً للاختزال في نطاق محلي محدود. ويقول: "القانون الدولي واضح: استهداف المدنيين، الإعدامات الميدانية، والتهجير القسري، كلها جرائم حرب وجريمة ضد الإنسانية. هناك ضرورة عاجلة لتوثيق الأدلة والشهادات، حتى لا يُغلق الملف في محاكم محلية عاجزة أو متواطئة، ولضمان محاسبة المسؤولين الكبار عن هذه الجرائم."

وفيما يتعلق بالصمت الرسمي السوداني حيال هذه الانتهاكات، يحذر ميخائيل من أن تقاعس السلطات المحلية يشجع على استمرار الأعمال العدائية ضد المدنيين: "عدم التحقيق أو مساءلة القيادات الميدانية يترجم فعلياً تواطؤاً ضمنياً، ويضع المدنيين في دائرة استهداف مستمرة. المجتمع الدولي لم يعد أمام خيار سوى التدخل القضائي المباشر، لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب."

ويختم ميخائيل تحليله بتأكيد أن أي محاولة لتبرير هذه الانتهاكات باسم الأمن أو الحرب غير مقبولة على الإطلاق: "القانون الدولي واضح ولا يحتمل التأويل. المدنيون محميون، والمستشفيات والمرافق الحيوية مصونة. أي تجاوز لهذه القواعد هو جريمة تتطلب تحقيقاً دولياً ومحاسبة رادعة، لأن المراوغة المحلية لن توقف ملاحقة المجرمين على الصعيد الدولي."

ويبرز هذا التحليل القانوني أن الوضع في دارفور تجاوز حدود النزاع المحلي، ليصبح قضية دولية عاجلة تتعلق بحماية المدنيين وتطبيق القانون الدولي بشكل صارم. وتوضح تصريحات الباحث ميخائيل أن كل يوم يمر دون مساءلة يزيد من حجم الكارثة الإنسانية، ويهدد ثقة المجتمع الدولي في قدرة السودان على حماية أبنائه، مما يجعل التدخل الدولي القضائي أمراً لا مفر منه إذا أراد العالم وقف هذه الانتهاكات.

ميليشيات الدعم السريع في السودان .. سجل جرائم دامغ ودعم متواصل

تتواصل التوترات في السودان مع تفاقم أعمال ميليشيات الدعم السريع التي تتصدر المشهد الأمني والعسكري في عدة ولايات، خصوصاً دارفور وكردفان. هذه القوات، التي تشكل جزءاً من هيكل الدولة الأمني بعد دمجها سابقاً ضمن الجيش النظامي، أثبتت مراراً أنها تعمل خارج أي ضوابط قانونية، مستهدفة المدنيين بجرائم موثقة ومتنوعة، تشمل القتل الميداني، الإعدامات، التهجير القسري، الاعتقالات التعسفية، الهجمات على المرافق المدنية، ونهب الممتلكات الخاصة والعامة.

ففي دارفور، سجلت تقارير منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان العديد من الانتهاكات ضد المدنيين، حيث استهدفت ميليشيات الدعم السريع القرى والمدن الصغيرة في هجمات متعمدة، أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى، إلى جانب موجات نزوح جماعية للسكان الفارين من مناطق القتال. ولم تقتصر الجرائم على العنف المباشر، بل شملت تدمير المدارس والمستشفيات والأسواق، ما أدى إلى أزمة إنسانية متعددة الأبعاد، بين فقدان الأمن الغذائي والرعاية الصحية والتعليمية.

ويشير المحلل السوداني عبد الناصر سلم حامد، مدير برنامج السودان وشرق إفريقيا في مركز فوكس للأبحاث بالسويد، إلى أن ما يحدث يعكس سياسة ممنهجة لدعم النفوذ العسكري على حساب المدنيين:

"ميليشيات الدعم السريع لم تعد مجرد قوة شبه عسكرية، بل أصبحت أداة للضغط السياسي والاقتصادي على السكان. جرائم القتل والتهجير ونهب الممتلكات ليست حوادث عرضية، بل جزء من استراتيجية لتوطيد السيطرة على المناطق الغنية بالموارد وإخضاع السكان المحليين."

ويضيف سلم حامد أن الدعم المستمر لهذه الميليشيات من قبل أطراف سياسية داخل السودان وخارجها، يزيد من خطورة الوضع ويجعل الإفلات من العقاب أمراً شبه مضمون:

"الدعم السياسي والمالي المستمر لقوات الدعم السريع يعطيها شعوراً بأنها فوق القانون، وأن أي مساءلة ستكون ضعيفة أو مؤجلة. هذا النمط من الحماية يتيح لها الاستمرار في الانتهاكات دون رادع، ويجعل المدنيين الحلقة الأضعف في أي صراع."

من الناحية الأمنية، يشدد المحلل على أن أنشطة الدعم السريع لم تقتصر على العنف المحلي فقط، بل شملت تهريب الأسلحة، تأمين طرق غير رسمية للتهريب، وتوسيع نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بها، ما يهدد استقرار السودان كدولة ويجعل أي جهود للإصلاح العسكري أو المدني معرضة للفشل. ويقول سلم حامد:

"الدعم السريع اليوم يتحكم في مفاصل الأمن في دارفور وكردفان، وهو ما يخلق حالة من التواطؤ الضمني بين السلطات الرسمية والميليشيات المسلحة. أي محاولة لتطبيق القانون أو فرض المساءلة تصطدم بمقاومة هذه القوات المدعومة سياسياً، مما يزيد من معاناة المدنيين ويعقد جهود السلام."

ويشير الباحث إلى أن الأبعاد الدولية لهذه الانتهاكات باتت واضحة، خصوصاً مع تدخل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في مراقبة الوضع الإنساني، مؤكداً أن المجتمع الدولي لا يمكنه تجاهل الجرائم المتكررة:

"كل هجوم على المدنيين وكل نهب لممتلكاتهم يُسجَّل في تقارير حقوق الإنسان الدولية، وما لم تتحرك آليات القانون الدولي، ستستمر هذه الجرائم وستتفاقم. الدعم الخارجي أو المحلي لا يمكن أن يغطي الانتهاكات إلى الأبد."

ويخلص المحلل إلى أن الوضع الراهن يتطلب مزيجاً من الإجراءات المحلية والدولية لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم، ووضع حد لهيمنة ميليشيات الدعم السريع على الحياة المدنية في السودان:

"الحل لا يقتصر على تعزيز المراقبة الدولية أو الإغاثة الإنسانية، بل يشمل فرض مساءلة قانونية صارمة، وتفكيك النفوذ العسكري غير القانوني، وتمكين مؤسسات الدولة الحقيقية من حماية المدنيين."

حسب المحلل السوداني عبد الناصر يبقى سجل ميليشيات الدعم السريع في السودان بمثابة قائمة سوداء من الانتهاكات الممنهجة، تؤكد أن استمرار الدعم لها يمثل خطراً مزدوجاً: على المدنيين وعلى استقرار الدولة نفسها، مما يحتم على المجتمع الدولي التدخل بشكل عاجل وفعال لضمان احترام القانون الدولي الإنساني ومنع المزيد من الجرائم.