الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

الدعم العسكري للنيجر.. كيف تكرّس الجزائر مقاربة الدفاع المتقدم لحماية أمنها الإقليمي؟


في خطوة تعكس انتقال الجزائر إلى مقاربة أكثر حضورا واستباقية في إدارة التحديات الأمنية المحيطة بها، أرسلت أربع مقاتلات من طراز “سوخوي سو-30″، مرفقة بطائرة للتزود بالوقود جوا، إلى النيجر، استجابة لطلب القيادة النيجرية ودعما لجيشها في مواجهة محاولة زعزعة استقرار البلاد.

ويأتي هذا التحرك في سياق إقليمي تتداخل فيه التهديدات الأمنية مع تداعيات الفراغ الذي تشهده منطقة الساحل، ما يضع استقرار دولها في صلب الحسابات الأمنية للجزائر.

في هذا السياق، يتفق مختصون في الشأن الأمني والاستراتيجي حاورتهم “الأيام نيوز”، على أن هذه الخطوة تجسد توجها جزائريا أكثر استباقية في التعامل مع المخاطر المحيطة، من خلال دعم استقرار دول الجوار وتعزيز قدراتها الدفاعية والتنسيق الأمني بينها، إلى جانب تكريس الردع ومنع تحوّل الاضطرابات الإقليمية إلى تهديد مباشر لأمن المنطقة.

فمن جانبه، يرى أحمد ميزاب، خبير في الشأن الأمني، أن التحرك الجزائري في النيجر لا ينبغي قراءته باعتباره دعما عسكريا ظرفيا، وإنما يأتي كخطوة استراتيجية تعكس تطورا في أدوات الجزائر لإدارة أمنها القومي ومحيطها الإقليمي، مشيرا إلى أن إرسال أربع مقاتلات من طراز “سوخوي سو-30” مرفقة بطائرة للتزود بالوقود جوا، استجابة لطلب القيادة النيجرية، يحمل دلالات عسكرية وسياسية تتجاوز طبيعة المهمة في حد ذاتها.

الجزائر تتحرك بمنطق الدفاع المتقدم لحماية أمنها الإقليمي

وأوضح ميزاب أن هناك فارقا كبيرا بين تقديم السلاح والتجهيزات، وبين نشر قدرة جوية قتالية خارج الحدود، مبرزا أن الخطوة تعكس انتقالا من بناء القدرات إلى الإسناد العملياتي، ومن التعاون العسكري التقليدي إلى توظيف القوة كأداة للردع والاستقرار الإقليمي.

وفي هذا السياق، أشار المتحدث إلى أن اختيار مقاتلات “سوخوي سو-30” ومرافقتها بطائرة للتزود بالوقود جوا يعكس حسابات مرتبطة بالمدى والجاهزية والاستمرارية والقدرة على العمل في مسرح جغرافي واسع، لافتا إلى أن الأمر يتجاوز الوجود الرمزي إلى إسناد عسكري ذي قدرة عملياتية.

إلى جانب ذلك، أفاد الخبير الأمني بأن جوهر الخطوة يرتبط بمفهوم الردع، حيث إن الجزائر لا تتحرك بالضرورة لخوض مواجهة، وإنما لإظهار قدرتها على منع أي محاولة لاستغلال الاضطرابات أو الفراغ الأمني لفرض أمر واقع جديد.

وأضاف أن الردع يقوم على إظهار القدرة والإرادة والوسائل اللازمة للرد على أي تهديد يمس أمن الدولة أو شركائها.

وأبرز ميزاب أن البعد الجغرافي يكتسي أهمية كبيرة في فهم التحرك الجزائري، باعتبار أن النيجر تمثل عمقا استراتيجيا مباشرا للأمن الجزائري، وأن أي تدهور أمني فيها يمكن أن يفتح المجال أمام الإرهاب وتهريب السلاح والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، بما قد ينعكس على أمن المنطقة ككل.

وفي هذا الإطار، أشار إلى أن الجزائر تتحرك وفق منطق “الدفاع المتقدم”، الذي يقوم على منع تشكل التهديد في البيئة الاستراتيجية المحيطة قبل وصول تداعياته إلى الحدود الوطنية، مؤكدا أن دعم استقرار النيجر يمثل في الوقت نفسه حماية للبيئة الأمنية المحيطة بالجزائر.

ومن الجانب السياسي، أوضح محدثنا أن استجابة الجزائر لطلب القيادة النيجرية تضع التحرك في إطار “الإسناد العسكري بطلب سيادي”، وليس التدخل العسكري لفرض الإرادة، مشددا على أن عنصر الموافقة من الدولة صاحبة السيادة يظل أساسيا في فهم طبيعة العملية.

كما نوّه إلى أن هذه الخطوة تحمل رسالة أوسع بشأن أمن الساحل، مفادها أن المنطقة لا ينبغي أن تتحول إلى فضاء مفتوح أمام التنظيمات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة، مضيفا أن الجزائر تتعامل مع الساحل باعتباره “مسرح أمنٍ إقليميٍ” تتداخل فيه التهديدات وتتطلب مواجهتها تنسيقا بين دول المنطقة.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أبرز ميزاب أن أهمية التحرك الجزائري لا تختزل في عدد المقاتلات المشاركة، وإنما في القرار السياسي والعسكري باستخدام قدرة جوية خارج الحدود، بناء على طلب دولة ذات سيادة، بهدف دعم استقرارها وتعزيز قدرتها على مواجهة التهديدات، مؤكدا أن هذه الخطوة تعكس توجها نحو ترسيخ الردع وحماية الأمن الإقليمي، مع الحفاظ على مبدأ احترام سيادة دول المنطقة ودعم قدرتها على الدفاع عن نفسها.

الجزائر تعزز مقاربتها الاستباقية لتحصين أمن الساحل

من جهته، أفاد مصطفى كمال دماني، باحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، بأن الخريطة الأمنية المتحركة وحالة الفراغ التي خلفها الانسحاب الفرنسي من منطقة الساحل فرضتا تداعياتهما على استقرار المنطقة والعمق الحيوي المباشر للجزائر، ما جعلها أمام تدفق متزايد للتهديدات الأمنية على حدودها، وهو ما أفرز تحولا في العقيدة العسكرية الجزائرية.

وأوضح دماني في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذا التحول جاء في أعقاب تعديل الدستور الذي أتاح للجيش الوطني الشعبي إمكانية تنفيذ مهام قتالية خارج الحدود، مشيرا إلى أن التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل، إلى جانب محاولات بعض الأطراف المعروفة بمعاداتها للمصالح الوطنية زعزعة استقرار المنطقة، تفسر طبيعة التحرك الجزائري الأخير.

كما يرى الباحث أن إرسال الجزائر مقاتلات عسكرية إلى النيجر، استجابة لطلب السلطات في نيامي، يندرج ضمن تحرك استباقي ووقائي يهدف إلى الإسهام في تكريس الاستقرار الإقليمي في منطقة الساحل، كما ينسجم مع مرتكزات الدبلوماسية الجزائرية تجاه المنطقة، التي تقوم في أحد أبعادها الأساسية على تغليب الحلول السلمية والحوار والتنسيق بين دول الإقليم.

وفي هذا السياق، أشار المتحدث إلى أن الخطوة الجزائرية الأخيرة تعكس توجها نحو تعزيز التنسيق العسكري والتعاون البيني بين دول المنطقة، مبرزا أن هذا التعاون من شأنه المساهمة في تحييد منطقة الساحل عن التجاذبات الدولية والتنافس المتزايد بين مختلف القوى على مقدراتها ومواقعها الاستراتيجية.

وأضاف دماني أن الديناميكية الأخيرة التي تشهدها الدبلوماسية الجزائرية تجاه منطقة الساحل تجسد الرؤية الجزائرية لمعالجة أزمات المنطقة، والتي تركز على البعد التنموي وتعزيز التشاور والتنسيق بين دول الإقليم باعتبارهما ركيزتين للحفاظ على الاستقرار.

ولفت إلى أن الجزائر تسعى، بالتوازي مع تحركها السياسي والأمني، إلى توفير بيئة إقليمية آمنة تسمح بتجسيد طموحاتها في مجال الطاقة، خاصة مشروع نقل الغاز النيجيري عبر النيجر وصولا إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل استقرار المنطقة أولوية استراتيجية بالنسبة إليها.

وأضاف أن المساعي الجزائرية تشمل أيضا تشبيك مالي مع المقاربة التنموية التي تطرحها الجزائر، خاصة بعد الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء المالي إلى الجزائر، إلى جانب العمل على إنعاش اتفاق السلام مع الشمال ومرافقة السلطات المالية في مواجهة مختلف التحديات الأمنية التي تواجه البلاد.

وفيما يتعلق بالتطورات الأخيرة في النيجر، ذكر دماني أن محاولات زعزعة الاستقرار وخلط الأوراق في المنطقة قد تستهدف، في جانب منها، إجهاض المساعي الجزائرية الرامية إلى تعزيز الاستقرار في الساحل، وهو ما دفع الجزائر إلى الاستجابة الفورية لطلب التعاون مع السلطات في نيامي.

ونوّه الباحث بأن هذه الخطوة تعكس، في المقابل، مستوى الثقة والارتياح الذي تبديه السلطات النيجرية تجاه المقاربة الأمنية الجزائرية، التي تقوم على الحوار والتنسيق والتنمية، خصوصا بعد إخفاق مقاربات أخرى في تحقيق الاستقرار المنشود في المنطقة.

خِتاماً، أكد دماني أن التحرك الجزائري لا ينبغي قراءته باعتباره خطوة عسكرية منفصلة، وإنما ضمن رؤية أوسع تجمع بين التعاون الأمني والدبلوماسية والتنمية، بما يعزز قدرة دول الساحل على التعامل مع التهديدات المتنامية والحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.
↑