الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

الدفع الإلكتروني في الجزائر.. الأرقام تحكي نصف القصة فقط

Author
الأيام نيوز 08 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتسارع وتيرة التحول نحو الدفع الإلكتروني في الجزائر، مع ارتفاع قيمة المعاملات وتوسع استخدام البطاقات والإنترنت والهاتف النقال، ودخول قطاعات جديدة، بينها الخدمات الإدارية والتأمينات والتحصيل الجبائي، إلى منظومة الدفع الرقمي. وسجلت المدفوعات الإلكترونية خلال 2025 نحو 939 مليار دينار، قبل أن تحقق خلال السداسي الأول من 2026 نموا لافتا، بالتوازي مع ارتفاع عدد عمليات الدفع عبر الإنترنت وأجهزة الدفع والهاتف النقال وتوسع شبكة التجار. وفي مقابل هذا التطور، تظل السيولة النقدية حاضرة بقوة، ما يجعل تغيير عادات الدفع وتوسيع نقاط القبول وتعزيز الثقة والأمان أبرز التحديات أمام المرحلة المقبلة. ويأتي إطلاق الدفع الإلكتروني للضرائب والرسوم عبر منصة «جبايتك» ليضيف بعدا جديدا إلى هذا المسار، من خلال نقل الرقمنة من الخدمات المالية والتجارية إلى إدارة التحصيل الجبائي، مع وضع ضوابط مصرفية وتقنية تحدد شروط نجاح العمليات وأسباب رفضها.

ويشير الدكتور خثير شين، أستاذ محاضر ومدير معهد العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير بالمركز الجامعي بإيليزي، إلى أن قراءة هذه القفزة تحتاج إلى التمييز بين أثر العمليات ذات القيمة المالية المرتفعة وبين التحول التدريجي في سلوك المستخدمين. وأوضح في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن تسديد أقساط برنامج “عدل 3” ورسوم الحج واقتناء أضاحي عيد الأضحى ساهم في رفع القيمة الإجمالية للمعاملات، غير أن ارتفاع عدد العمليات عبر الإنترنت وأجهزة الدفع الإلكتروني يؤكد وجود توسع فعلي في استخدام الوسائل الرقمية.

الدكتور خثير شين، خبير اقتصادي

وتدعم الأرقام هذا الاتجاه، إذ تجاوز عدد عمليات الدفع عبر الإنترنت 15.4 مليون معاملة خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، بزيادة بلغت 52 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بينما تخطى عدد العمليات عبر أجهزة الدفع الإلكتروني 8 ملايين عملية، بارتفاع قدره 81 بالمائة، وبقيمة تجاوزت 82 مليار دينار، بنمو بلغ 106 بالمائة. وتظهر هذه المؤشرات أن الدفع الرقمي يدخل تدريجيا في تفاصيل الحياة الاقتصادية اليومية، بالتوازي مع توسع الخدمات العمومية الإلكترونية وارتفاع عدد التجار والمؤسسات التي تعتمد القنوات الرقمية.

بنية رقمية تتوسع وقنوات دفع أكثر تنوعا

ويأتي هذا التحول بعد سنوات من تطوير البنية التحتية للدفع الإلكتروني، وارتفاع عدد البطاقات وأجهزة الدفع، وتطور الخدمات المصرفية عبر الإنترنت والهاتف النقال. وبلغ عدد بطاقات الدفع المتداولة نحو 21.9 مليون بطاقة خلال سنة 2025، بينما ارتفع عدد التجار ومقدمي الخدمات المدمجين في منظومة الدفع عبر الإنترنت إلى 644 متعاملا بنهاية السنة، بزيادة قدرها 134 متعاملا خلال عام واحد.

وسجل الدفع عبر الإنترنت خلال 2025 أسرع معدلات النمو بين قنوات الدفع الإلكتروني، بعدما ارتفعت قيمته بنسبة 179 بالمائة إلى نحو 145 مليار دينار، مع تنفيذ أكثر من 27 مليون معاملة. وبلغ النشاط ذروته في ديسمبر، حين سجلت المنصات 3.6 ملايين معاملة بقيمة 65.27 مليار دينار، مدفوعة بتوسع تسديد الفواتير والخدمات العمومية والرسوم عبر المنصات الرقمية.

وترافق هذا النمو مع توسع استخدام الهاتف النقال، إذ بلغت التحويلات بين الأفراد داخل المؤسسة المالية الواحدة 47.5 مليون عملية خلال 2025، بقيمة إجمالية وصلت إلى 647.4 مليار دينار، بينما بلغ عدد عمليات الدفع عبر رمز الاستجابة السريعة “QR” نحو 69.3 مليون عملية، بقيمة 57.3 مليار دينار.

وشهدت المنظومة أيضا إطلاق خدمة “DZ Mob Pay” للدفع المحمول بين البنوك، التي سجلت خلال عامها الأول 95,014 حسابا فرديا و14,283 حسابا تجاريا، إلى جانب 12,682 عملية دفع عبر “QR” و44,369 تحويلا مباشرا بين الأفراد. ويمنح التشغيل البيني بين البنوك لهذه الخدمة مجالا أوسع لتسهيل التحويلات والدفع، خصوصا مع اتساع استخدام الهاتف في مختلف جوانب الحياة اليومية.

من البطاقة إلى الهاتف.. تغير تدريجي في عادات الدفع

ويرى الدكتور خثير شين أن هذا التوسع يشير إلى تغير تدريجي في السلوك المالي للمواطن الجزائري، بعد سنوات ظل فيها النقد الوسيلة الأكثر انتشارا بسبب العادات ومحدودية شبكة قبول البطاقات والخدمات الرقمية. ويمنح انتشار أجهزة الدفع والخدمات الإلكترونية المستخدم خيارات أوسع لتسديد الفواتير والرسوم وشراء المنتجات ودفع مقابل الخدمات دون الاعتماد الدائم على السيولة.

وتبرز معاملات الدفع الجواري أهمية هذا التحول، إذ تجاوزت 8 ملايين عملية خلال السداسي الأول من 2026. ويعتبر الخبير أن الاستخدام المتكرر للبطاقات في عمليات الشراء والدفع يمثل مؤشرا أكثر أهمية من عدد البطاقات الموجودة في السوق، لأن نجاح المنظومة يرتبط بقدرة المستخدم على إدماجها في معاملاته اليومية.

وتؤكد طبيعة القطاعات التي تستقبل المدفوعات الرقمية هذا التنوع، إذ ارتفع نشاط الخدمات الإدارية بأكثر من 155 بالمائة خلال السداسي الأول من 2026، وأصبح يمثل 19 بالمائة من إجمالي معاملات الدفع عبر الإنترنت. وفي المقابل، تراجعت حصة قطاع الاتصالات إلى 46 بالمائة، مقابل 92 بالمائة من إجمالي العمليات سنة 2020، ما يدل على اتساع المجالات التي يلجأ فيها المواطن إلى الدفع الإلكتروني.

عبد الحفيظ مسعودي، خبير مالي ومدير وكالة بنكية بالعاصمة

ويشير الخبير المالي ومدير وكالة بنكية بالعاصمة، عبد الحفيظ مسعودي، إلى أن نمو المدفوعات الإلكترونية يرتبط بتراكم إصلاحات تقنية وتنظيمية وسلوكية، شملت تطوير البنية التحتية، وارتفاع عدد البطاقات، وانتشار أجهزة الدفع لدى التجار، وتطور الخدمات عبر الإنترنت والهاتف النقال. ويربط هذا المسار أيضا بانتشار الهواتف الذكية ورقمنة الخدمات العمومية، ما رفع الطلب على وسائل مالية أسرع وأكثر مرونة.

التأمينات تعزز التحول الرقمي

وشهد قطاع التأمينات خلال السداسي الأول من 2026 قفزة كبيرة في عدد المعاملات، بعدما ارتفع بنسبة 1307 بالمائة، منتقلا من نحو 40 ألف عملية إلى 567 ألف عملية. ويربط الدكتور شين هذا النمو بالتدابير التي حدت من استخدام الدفع النقدي في القطاع، ما دفع المؤسسات والمتعاملين إلى اعتماد القنوات الإلكترونية بدرجة أكبر.

ويعتبر الخبير أن هذه التجربة تبرز أهمية الجمع بين التنظيم وتطوير الخدمات الرقمية، لأن الإجراءات وحدها تحتاج إلى بدائل عملية حتى يواصل المستخدمون والمؤسسات معاملاتهم بسهولة. وتساعد الخدمات الآمنة والبسيطة وذات التكلفة المناسبة على تسريع انتقال النشاط من النقد إلى الوسائل الإلكترونية.

ويعطي توسع الدفع في الخدمات الإدارية والتأمينات وغيرها من القطاعات مؤشرا على اتساع قاعدة الاستخدام، بعد مرحلة ارتبط فيها الدفع الإلكتروني بعدد محدود من الخدمات. ويمنح هذا التنوع المنظومة قاعدة أكبر للنمو، ويقلل اعتمادها على نشاط واحد أو مجموعة محدودة من المعاملات.

الهاتف النقال يفتح المجال أمام مرحلة جديدة

ويبرز الدفع عبر الهاتف النقال ضمن أبرز القنوات التي يمكن أن تدعم المرحلة المقبلة، إذ ارتفعت قيمة المعاملات الداخلية عبر رمز الاستجابة السريعة بنسبة 32 بالمائة لتصل إلى 32 مليار دينار، بينما بلغت تحويلات الحساب إلى الحساب 397 مليار دينار، بزيادة نسبتها 32 بالمائة.

ويعتبر الدكتور شين الهاتف النقال أداة رئيسية في توسيع الدفع الرقمي، بالنظر إلى الانتشار الواسع للهواتف. ويتيح ربط الخدمات المالية بالهاتف للمستخدم تنفيذ عمليات الدفع والتحويل والشراء دون الحاجة إلى تجهيزات متعددة، وهو ما يمكن أن يرفع وتيرة الاستخدام ويقرب الخدمات المصرفية من الحياة اليومية.

وشهد الدفع عبر الهاتف النقال بين البنوك نموا قويا، إذ ارتفعت معاملات رمز الاستجابة السريعة بنسبة 1200 بالمائة، بينما زادت التحويلات البنكية بنسبة 490 بالمائة. ويربط الخبير هذا التطور بخدمة “DZ Mob Pay”، التي تمنح المستخدم مرونة أكبر في التعامل بين البنوك وتوسع خيارات إرسال الأموال واستقبالها والدفع لدى التجار.

ويشير شين إلى أن قابلية التشغيل البيني تمثل عنصرا مهما في انتشار الخدمات الرقمية، لأن المستخدم يحتاج إلى منظومة تسمح له بإجراء المعاملة دون عوائق مرتبطة بالبنك الذي ينتمي إليه الطرف الآخر. ويتيح هذا التطور الانتقال تدريجيا من الاعتماد على البطاقة وحدها إلى توسيع استخدام الهاتف في مختلف العمليات المالية.

اللجنة الوطنية للدفع لتنظيم مسار الإصلاح

وترافق نمو الاستخدام مع إجراءات مؤسساتية جديدة، من أبرزها إصدار بنك الجزائر النظام رقم 26-01 المؤرخ في 31 ماي 2026، المتعلق بتنظيم اللجنة الوطنية للدفع وكيفيات سيرها، وفق أحكام القانون النقدي والمصرفي رقم 23-09.

ويمنح هذا التنظيم اللجنة إطارا لتطوير الاستراتيجية الوطنية الخاصة بوسائل الدفع الكتابية والإلكترونية، ومتابعة تنفيذها، واقتراح الإصلاحات القانونية والتقنية، وإعداد تقرير سنوي حول تطور المنظومة ومدى تقدم الجزائر في تقليص استعمال السيولة النقدية. وتضم اللجنة بنك الجزائر والبنوك والمؤسسات المالية وبريد الجزائر، إلى جانب قطاعات وزارية وهيئات متخصصة.

ويرى مسعودي أن اللجنة تستطيع لعب دور مهم في تنسيق السياسات وتحديد الأولويات، خصوصا مع تعدد الأطراف المشاركة في منظومة الدفع. ويضع الخبير توسيع شبكة التجار ضمن أهم الملفات التي تحتاج إلى معالجة، لأن المواطن يحتاج إلى إمكانية استخدام البطاقة أو الهاتف في أكبر عدد ممكن من معاملاته اليومية.

ويحتاج هذا التوسع، وفق الخبير، إلى تحفيز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتجار على اعتماد الدفع الإلكتروني، وتسهيل إجراءات الانضمام إلى شبكات القبول، وتقليص التكاليف المرتبطة بها. ويحتاج المستخدم بدوره إلى خدمات مستقرة وسريعة وآمنة، مع حماية البيانات الشخصية ورفع قدرات مكافحة الاحتيال الإلكتروني وتطوير آليات فعالة لمعالجة الشكاوى.

أكثر من ألف تاجر في منصة الدفع الإلكتروني

وتجاوز عدد التجار المنخرطين في منصة الدفع عبر الإنترنت ألف تاجر بنهاية جوان 2026، وهو ما يوسع شبكة القبول ويمنح المستخدم فرصا أكبر لتوظيف الخدمات الرقمية في معاملاته. ويرى الدكتور شين أن هذا الرقم يمثل تقدما مهما، لكنه يحتاج إلى توسع أكبر حتى تشمل الخدمة مختلف الأنشطة التجارية والخدمات المحلية والمهن الحرة.

ويشرح الخبير أن تغيير السلوك المالي يحتاج إلى توفر الدفع الإلكتروني في أكبر عدد ممكن من نقاط البيع. فإذا وجد المواطن الخدمة في بعض الأماكن فقط، سيظل النقد خيارا عمليا في جزء كبير من معاملاته. لذلك، يرتبط انتشار الدفع الرقمي بتوسيع شبكة التجار، وتحسين استقرار الخدمات، وتسهيل التطبيقات وأجهزة الدفع، وضمان حماية المعاملات.

وتمنح قابلية التشغيل البيني بين البنوك خدمة “DZ Mob Pay” دعما إضافيا في هذا المجال، لأن قدرة المواطن على التحويل والدفع دون الانشغال بالبنك الذي يتعامل معه الطرف الآخر تزيد مرونة المنظومة. ويستطيع هذا التطور دعم الاستخدام المتكرر للهاتف في المعاملات اليومية، خصوصا مع توسع قاعدة التجار والخدمات الرقمية.

4397 مليار دينار في السحب النقدي

ورغم النمو المتسارع للمدفوعات الإلكترونية، تظل السيولة النقدية حاضرة بقوة في الاقتصاد الجزائري. فقد تجاوزت قيمة الأموال المسحوبة من الموزعات الآلية خلال سنة 2025 نحو 4397 مليار دينار، وهو رقم يبرز الفارق بين توسع أدوات الدفع الحديثة وبين حجم استخدامها لتسوية المشتريات والخدمات.

ويرى مسعودي أن بلوغ المدفوعات الإلكترونية 939 مليار دينار خلال 2025 يمثل نتيجة مهمة، لكن وضعها ضمن حجم الاقتصاد الوطني يمنح صورة أدق عن مستوى الانتشار. ويقدر الناتج الداخلي الخام الجزائري بنحو 260 مليار دولار خلال 2025، أي قرابة 35 ألف مليار دينار وفق سعر الصرف الرسمي، بينما تعادل قيمة المدفوعات الإلكترونية نحو 2.7 بالمائة من الناتج الداخلي الخام.

ويعني ذلك أن الجزائر قطعت شوطا مهما في بناء البنية الأساسية للدفع الإلكتروني، لكنها تحتاج إلى رفع الاستخدام الفعلي للوسائل الرقمية حتى تصبح جزءا رئيسيا من النشاط الاقتصادي. ويربط مسعودي هذا الهدف بمعالجة أسباب استمرار تفضيل النقد، ومنها العادات الاستهلاكية، ومحدودية قبول الدفع الإلكتروني لدى بعض التجار، والمخاوف المرتبطة بالأمان والخصوصية.

التجارب الإقليمية تبرز أهمية الانتشار

ويشير مسعودي إلى أن التجارب الإقليمية تظهر أهمية الجمع بين البنية التقنية وانتشار نقاط قبول الدفع وتعدد الاستخدامات اليومية. ففي تونس، بلغت قيمة عمليات الدفع بواسطة البطاقات نحو 27.8 مليار دينار تونسي خلال 2024، مع تنفيذ حوالي 163 مليون عملية، بالتزامن مع انتشار أكثر من 3300 جهاز للدفع والسحب الآلي وأكثر من خمسة ملايين عملية دفع بواسطة الهاتف المحمول.

وفي مصر، تجاوز عدد البطاقات المصرفية 70 مليون بطاقة، بينما تخطى عدد المحافظ الإلكترونية للهاتف المحمول 40 مليون محفظة، بالتوازي مع توسع منظومة الدفع الفوري “إنستاباي” وشبكة نقاط البيع الإلكترونية. وساهم هذا التوسع في إدماج شرائح واسعة من المواطنين والمؤسسات الصغيرة داخل النظام المالي الرسمي.

أما ليبيا، فيعمل مصرف ليبيا المركزي على تطوير الدفع الإلكتروني عبر إصدار بطاقات الدفع ودعم المحافظ الإلكترونية وتشجيع الدفع بواسطة الهاتف المحمول وتحديث البنية الرقمية، بينما يظل الاقتصاد الليبي أكثر اعتمادا على النقد بفعل طبيعة الاقتصاد والتحديات المرتبطة بالتحول الرقمي.

ويرى مسعودي أن الجزائر تستطيع الاستفادة من هذه التجارب مع مراعاة خصوصية سوقها وهيكلة نشاطها التجاري، خصوصا في ما يتعلق بتوسيع نقاط القبول وتوفير حوافز للتجار والمستهلكين وتعزيز حماية المستخدم.

الرهان الحقيقي.. تغيير السلوك المالي

وتضع هذه المعطيات الجزائر أمام مرحلة جديدة في مسار الرقمنة المالية، إذ أصبح لديها بنية دفع أكثر تنوعا تشمل الإنترنت والبطاقات وأجهزة الدفع والهاتف النقال والتحويلات بين البنوك، إلى جانب إطار مؤسساتي يسعى إلى تنسيق جهود مختلف المتدخلين. ويرى الدكتور شين أن نجاح هذه المنظومة يرتبط بقدرتها على دخول تفاصيل الحياة الاقتصادية اليومية بصورة أوسع.

ويحمل تقليص الاعتماد على النقد فوائد تتصل بتتبع حركة الأموال، والحد من الاقتصاد غير الرسمي، ودعم الشفافية، وتسهيل تحصيل الضرائب، وخفض تكاليف تداول السيولة وتأمينها ونقلها. ويرى شين أن هذه النتائج تحتاج إلى توسع مستمر في الخدمات الرقمية، بينما يركز مسعودي على ضرورة إدماج التجار والمؤسسات الصغيرة وتوفير بيئة أكثر أمانا ومرونة للمستخدمين.

ويظل الهدف الواقعي تقليص وزن النقد تدريجيا داخل الاقتصاد الرسمي، وليس اختفاء السيولة من التعاملات خلال فترة قصيرة. وتحتاج الجزائر لتحقيق ذلك إلى رفع عدد نقاط قبول الدفع، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الثقة والأمان، وتوسيع استخدام الهاتف، وتشجيع المؤسسات والتجار على اعتماد القنوات الرقمية.

وتمنح الأرقام المسجلة خلال 2025 والسداسي الأول من 2026 قاعدة قوية لمواصلة هذا المسار، لكنها تضع في الوقت نفسه تحديا يتعلق بتحويل النمو في قيمة المعاملات إلى استخدام يومي واسع. ويحتاج هذا التحول إلى انتقال المواطن من امتلاك البطاقة أو الحساب الرقمي إلى استعمالهما بصورة منتظمة في الشراء والدفع والتحويل، وإلى انتقال التاجر من قبول النقد وحده إلى توفير خيارات دفع متعددة.

وتتجه جهود توسيع استخدام الدفع الإلكتروني إلى مختلف الخدمات العمومية، بما يفتح مجالات جديدة أمام المواطن والمؤسسة لتسوية معاملاتهما عن بعد. ويبرز القطاع الجبائي ضمن هذه المجالات، مع انتقال الإدارة من رقمنة التصريحات إلى إدراج تسديد الضرائب والرسوم ضمن القنوات الإلكترونية، بما يدعم سرعة التحصيل ويمنح المكلف إمكانية متابعة معاملته ووثائقها رقميا.

“جبايتك”.. 17 سببا قد يوقف عملية الدفع الإلكتروني

كشفت المديرية العامة للضرائب، في دليل عملي جديد صدر خلال أوت 2026، عن 17 سببا قد يؤدي إلى رفض عمليات دفع الضرائب والرسوم إلكترونيا عبر منصة «جبايتك». ويوضح الدليل الحالات المرتبطة بالحساب البنكي والرصيد والبيانات المدخلة، إلى جانب الموانع القانونية والمصرفية التي تحول دون تنفيذ أوامر الدفع.

ويقدم الدليل شرحا لمختلف مراحل الدفع الإلكتروني، بدءا من شروط الاستفادة من الخدمة والضرائب والرسوم المعنية، وصولا إلى وسائل الدفع المتاحة، وهي البطاقة الذهبية وبطاقة «CIB» والتحويل البنكي. ويتناول أيضا كيفية متابعة العملية واستخراج وصل إلكتروني فوري يحمل رمز «QR»، إلى جانب الإجراءات التي يتعين اتباعها عند رفض الدفع وقواعد حماية الحسابات والبيانات الشخصية.

ويأتي هذا الدليل بعد إطلاق المديرية العامة للضرائب، في 25 جويلية 2026، خدمة الدفع الإلكتروني للحقوق والرسوم عبر بوابة التصريح والدفع عن بعد «جبايتك». وتوسع الخدمة نطاق الرقمنة الجبائية من إيداع التصريحات عن بعد إلى تسديد المستحقات ومتابعة العمليات إلكترونيا، بما يرفع سرعة معالجة المدفوعات ويحسن الخدمات المقدمة للمكلفين بالضريبة.

وتنبه المديرية إلى أن رفض عملية الدفع قد يفرض على المكلف استكمال الإجراءات حضوريا لدى قباضة الضرائب المختصة، إذ لا تتيح المنصة إعادة محاولة العملية تلقائيا بعد رفضها. ولهذا تدعو إلى التأكد مسبقا من صحة البيانات البنكية وتوفر الرصيد الكافي، وعدم تأجيل الدفع إلى الأيام الأخيرة من الآجال القانونية، تفاديا لأي تأخر قد يرتب غرامات أو زيادات.

نطاق الخدمة يتوسع تدريجيا

توضح المديرية العامة للضرائب أن خدمة الدفع الإلكتروني تشمل حاليا الضرائب والرسوم الناتجة عن التصريحات الجبائية التي يودعها المكلف إلكترونيا عبر «جبايتك». ولا تشمل الخدمة في مرحلتها الحالية الديون الجبائية السابقة، أو المبالغ قيد التحصيل، أو المستحقات التي دخلت مسارات التسوية والمتابعة لدى قباضات الضرائب، إذ تظل هذه الملفات خاضعة للإجراءات المعمول بها لدى المصالح المختصة.

وتتيح المنصة في المقابل تسديد الغرامات المرتبطة بالتصريحات الجبائية «الصفرية» التي يودعها المكلف بعد انقضاء الآجال القانونية. وتفرض هذه الغرامات بسبب التأخر في التصريح، حتى عند عدم وجود مبلغ ضريبي مستحق، لذلك تدخل ضمن العمليات التي يمكن تسويتها إلكترونيا.

وتفرق المديرية بين إلزامية التصريح الإلكتروني وإلزامية الدفع الإلكتروني. وتنص المادة 111 من قانون المالية لسنة 2026 على إلزام المكلفين الخاضعين لنظام الربح الحقيقي ونظام الربح الحقيقي المبسط، التابعين للمصالح الجبائية المجهزة بمنصة «جبايتك»، بإيداع تصريحاتهم عن بعد منذ الفاتح جانفي 2026.

أما الدفع الإلكتروني، فيلزم المكلفين التابعين لمديرية كبريات المؤسسات، بينما يبقى اختياريا للمكلفين الخاضعين للنظام الحقيقي أو النظام الحقيقي المبسط، وللمكلفين الخاضعين للضريبة الجزافية الوحيدة، التابعين لمراكز الضرائب والمراكز الجوارية والمفتشيات الجبائية المعنية.

وتصدر المنصة وصلا إلكترونيا مباشرة بعد نجاح الدفع بالبطاقة، يتضمن تفاصيل العملية ورمز «QR» للتحقق من صحة الوثيقة. ويمكن للمكلف تحميل الوصل وحفظه أو طباعته وإدراجه ضمن ملفاته المحاسبية والجبائية.

أما عند الدفع عن طريق التحويل البنكي، فيظهر الوصل النهائي بعد معالجة البنك للعملية وانتقال حالتها من «قيد التنفيذ» إلى «مدفوع». ويستطيع المكلف متابعة العملية من حسابه على المنصة، ثم استخراج وصل التحصيل بعد تسجيل المبلغ نهائيا لدى الإدارة الجبائية. ويمنح هذا المسار المكلفين إمكانية متابعة عملياتهم بصورة أوضح، ويقلل الاعتماد على الوثائق الورقية، ويوفر وسيلة رقمية للتحقق من عمليات التسديد والوثائق المرتبطة بها.

من رقمنة الدفع إلى إدارة التحصيل

وفي هذا الإطار، يرى الخبير في الرقمنة ونظم تنظيم الذكاء الاصطناعي، صهيب بولعراق، أن إطلاق الدفع الإلكتروني عبر «جبايتك» يمثل مرحلة مهمة في تحديث الإدارة الجبائية، لأنه ينقل الرقمنة من واجهة التصريح إلى مختلف مراحل العلاقة بين المكلف والإدارة، بدءا من التصريح ووصولا إلى الدفع والتوثيق والمتابعة.

صهيب بولعراق، خبير في رقمنة ونظم تنظيم الذكاء الاصطناعي

وأوضح بولعراق، في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أن الرقمنة الفعلية تتطلب إعادة تنظيم مسار الخدمة وفق معايير الكفاءة والشفافية وإدارة المخاطر، وليس الاكتفاء بتحويل الوثائق والإجراءات الورقية إلى صيغة إلكترونية. ويرى أن «جبايتك» تتيح للإدارة الانتقال نحو إدارة أكثر اعتمادا على الأتمتة والبيانات الرقمية، وتقلل التدخلات اليدوية التي قد تسبب الأخطاء أو تؤخر معالجة الملفات.

ويشير الخبير إلى أن هذا التحول يغير أيضا طريقة التعامل مع الرقابة الجبائية، من خلال إدراج عمليات تحقق آلية قبل تنفيذ المعاملة. وتعمل المنظومة، وفق هذا التصور، على فحص مجموعة من الشروط والمعطيات قبل تمرير عملية الدفع، بما يساعد على تفادي الأخطاء ومعالجة أسباب الرفض في مراحل مبكرة.

ويعتبر بولعراق أن الدليل الذي حدد 17 سببا لرفض الدفع يمثل أداة لتوضيح قواعد العمل داخل المنصة، إذ يمنح المكلف صورة أدق عن الحالات التي تمنع تنفيذ العملية، ويساعد على توحيد معالجة المعاملات بين مختلف المتدخلين. ويرى أن وضوح أسباب الرفض يمكن أن يقلل النزاعات المرتبطة بالتحصيل ويعزز الثقة في الخدمة الإلكترونية.

الحماية الرقمية في صلب العملية

ويلفت الخبير إلى أهمية الوصل الإلكتروني الموثق برمز «QR»، الذي يمنح المكلف وسيلة للتحقق من عملية التسديد والاحتفاظ بوثيقة رقمية يمكن الرجوع إليها عند الحاجة. ويساهم تحديث حالة العملية بعد نجاح المعالجة البنكية في تسريع تسجيل الدفع وتقليص المدة التي تفصل بين التسديد وتحيين الوضعية الجبائية.

ويقسم بولعراق أسباب الرفض السبعة عشر إلى ثلاثة محاور رئيسية. يرتبط المحور الأول بالوضعية المالية، ومن بين حالاته عدم كفاية الرصيد، أو تجاوز سقف السحب على المكشوف، أو انتهاء صلاحية التسهيلات البنكية، أو محاولة الدفع بعملة غير الدينار الجزائري.

ويتعلق المحور الثاني بالموانع القانونية والمصرفية، مثل غلق الحساب أو عدم وجوده أو تجميده بقرار قضائي، والحجز على الأموال، والمعارضة المصرفية، والتصفية أو الإفلاس، والمنع المصرفي. وتشمل هذه الفئة أيضا حالات وفاة صاحب الحساب بالنسبة للمؤسسات الفردية وغيرها من الوضعيات التي تمنع قانونا تنفيذ الحركة المالية.

أما المحور الثالث فيرتبط بالجوانب التقنية والإجرائية، ومنها إدخال بيانات مصرفية غير صحيحة أو إرسال أمر التحويل مرتين خلال فترة زمنية قصيرة. وتتدخل المنظومة في الحالة الأخيرة لمنع تكرار العملية وحماية المكلف من احتمال الاقتطاع المزدوج.

ويؤكد بولعراق أن هذه الضوابط تؤدي وظيفة حمائية داخل المنظومة الرقمية، لأنها تقلل الأخطاء وتمنع بعض العمليات غير السليمة قبل تنفيذها. ويرى أن معرفة المكلف بأسباب الرفض تساعده على تفادي المشكلات قبل حدوثها.

وتتوقف عملية الدفع عند رفض الأمر، ولا تتيح المنصة إعادة المحاولة تلقائيا بعد معالجة سبب الرفض. ويضطر المكلف في هذه الحالة إلى مراجعة قباضة الضرائب المختصة لتسوية وضعيته أو إعادة إطلاق العملية وفق الإجراءات المعمول بها.

ويرى الخبير أن هذه الوضعية تجعل التخطيط المسبق للدفع أمرا ضروريا، خصوصا بالنسبة للمؤسسات والمتعاملين الاقتصاديين الذين قد يواجهون عراقيل مصرفية أو تقنية في نهاية الآجال. ويشدد على ضرورة عدم انتظار آخر يوم لتسديد المستحقات، لأن أي تأخر قد يرتب غرامات إضافية.

ثقافة رقمية لمواكبة الخدمة

ويربط بولعراق نجاح الخدمة الجديدة بمدى قدرة المكلفين على اكتساب عادات جديدة في التعامل مع الخدمات الرقمية. ويشمل ذلك التأكد من توفر الرصيد، ومراجعة سقف السحب، والتحقق من صحة رقم الحساب البنكي «RIB» والبيانات المدخلة، مع تجنب إرسال أوامر دفع متكررة.

ويشدد كذلك على حماية بيانات الدخول إلى المنصة وعدم مشاركتها مع أشخاص غير مخولين، إلى جانب تسجيل الخروج بعد انتهاء الجلسة والاحتفاظ بالإيصالات الإلكترونية ضمن السجلات المحاسبية. ويشير إلى أهمية استكمال المحاسبين ومحافظي الحسابات إجراءات الوكالات القانونية وربط حسابات موكليهم بالإدارة الجبائية، حتى تتم العمليات وفق الصلاحيات المحددة.

وتشمل الخدمة في مرحلتها الحالية الضرائب والرسوم الناتجة عن التصريحات الجبائية المودعة عبر «جبايتك»، سواء تعلق الأمر بالتصريحات الدورية أو السنوية الخاصة بالنظام الحقيقي والنظام الحقيقي المبسط والضريبة الجزافية الوحيدة، إلى جانب الغرامات المرتبطة بالتصريحات الصفرية المتأخرة.

وتبقى الديون الجبائية المتراكمة عن سنوات سابقة، والملفات الخاضعة للجدولة أو المنازعات، خارج نطاق الخدمة الحالية. ويرى بولعراق أن هذا التدرج يسمح للإدارة بتطوير المنظومة على مراحل، قبل توسيع نطاقها ليشمل أنواعا أخرى من المستحقات.

وتتيح «جبايتك» للمكلف متابعة وضعية عملية الدفع، من «قيد التنفيذ» إلى «مدفوع» عند نجاح المعالجة البنكية، أو إلى «مرفوض» عند وجود مانع قانوني أو تقني. ويرى الخبير أن هذه الخاصية تمنح المكلف رؤية أوضح حول وضعية معاملته وتقلل حالات الغموض التي كانت ترافق إجراءات التحصيل التقليدية.

ويخلص بولعراق إلى أن نجاح الدفع الإلكتروني لا يرتبط بعدد العمليات المنجزة عبر المنصة فقط، بل بقدرته على رفع الامتثال الطوعي وتقليص المنازعات وتحسين مردودية التحصيل. ويتطلب ذلك تنسيقا مستمرا بين الإدارة الجبائية والقطاع المصرفي، إلى جانب رفع مستوى الثقافة الرقمية لدى المؤسسات والتجار وأصحاب المهن، حتى تتحول الرقمنة إلى أسلوب عمل مستقر داخل المنظومة الجبائية.