الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الدقيقة الأولى تنقذ الأرواح.. هل تمتلك الأسر الجزائرية ثقافة الإسعافات الأولية؟

Author
بثينة صايفي 22 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

قد يستغرق الأمر ثوانيَ فقط حتى يتحوّل يوم عادي داخل المنزل إلى لحظة طوارئ تقلب حياة أسرة بأكملها، طفل يلمس سلكًا كهربائيا مكشوفا، قدر ماء يغلي ينسكب على جسد صغير، تسرّب غاز، أو مُسنٌّ يختنق أثناء تناول الطعام… حوادث منزلية تتكرر يوميا، لكنها كثيرا ما تكشف غياب ثقافة الإسعافات الأولية لدى الكثير من الأسر.

ففي مثل هذه المواقف، لا تكون الدقيقة الأولى مجرد وقت يمر، بل لحظة حاسمة قد تحدد مصير المصاب، بين النجاة وتفاقم الإصابة، وربما فقدان الحياة، وبين أهمية الاستجابة السريعة، وضرورة ترسيخ ثقافة الوقاية داخل البيوت، يطرح السؤال نفسه.. إلى أي مدى تمتلك الأسر الجزائرية الوعي والمهارات اللازمة للتعامل مع الحوادث المنزلية قبل وصول فرق الإسعاف؟

 

الدقيقة الأولى… الفارق بين النجاة والمأساة

يرى المختص في علم الاجتماع، الدكتور رائد ناجي، أن أخطر ما في الحوادث المنزلية ليس وقوعها في حد ذاته، بل الكيفية التي يتصرف بها المحيطون بالمصاب خلال اللحظات الأولى، فالحوادث، كما يؤكد، لا تعلن عن قدومها، ولا تمنح الإنسان فرصة للاستعداد أو التفكير المسبق، إذ قد يتحول يوم عادي داخل المنزل في ثوانٍ معدودة إلى حالة طوارئ بسبب تماس كهربائي، أو تسرب للغاز، أو اندلاع حريق، أو سقوط طفل، أو اختناق أحد كبار السن، لتصبح الأسرة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التصرف السليم تحت ضغط الوقت.

ويشير ناجي إلى أن هذه اللحظات الأولى ليست مجرد فترة زمنية عابرة، بل هي مرحلة حاسمة قد تحدد مصير المصاب بالكامل، ففي كثير من الحالات، لا يكون وصول فرق الإسعاف هو العامل الوحيد في إنقاذ الأرواح، وإنما تؤدي الإجراءات الصحيحة التي تُتخذ قبل وصولها دورا أساسيا في الحد من المضاعفات ورفع فرص النجاة، لذلك، فإن الدقيقة الأولى قد تصنع الفارق بين إصابة بسيطة وإعاقة دائمة، أو بين إنقاذ حياة وفقدانها.

ويضيف أن التعامل الصحيح مع الحوادث المنزلية يبدأ بالهدوء وسرعة تقييم الوضع، بدل الاستسلام للذعر أو التصرف بعشوائية، لأن حالة الارتباك التي تصيب أفراد الأسرة غالبًا ما تؤدي إلى قرارات خاطئة قد تكون أخطر من الحادث نفسه، فالإنسان الذي يمتلك الحد الأدنى من معارف الإسعافات الأولية يكون أكثر قدرة على حماية المصاب، وتأمين مكان الحادث، وتقديم المساعدة المناسبة إلى غاية وصول الطواقم الطبية المختصة.

ويؤكد المختص أن تغيّر طبيعة الحياة اليومية، وتزايد المخاطر داخل المنازل، جعلا امتلاك مهارات الإسعافات الأولية ضرورة حياتية لا تقل أهمية عن أي مهارة أساسية أخرى. فالمعرفة بكيفية التصرف في الدقائق الأولى لم تعد ترفًا أو اختصاصا يقتصر على العاملين في المجال الصحي، بل أصبحت مسؤولية مجتمعية ينبغي أن يمتلكها كل فرد، لأن أي شخص قد يجد نفسه في لحظة ما أمام موقف لا يملك فيه سوى دقائق معدودة لإنقاذ حياة قريب أو فرد من أسرته.

 

البيت… ملاذ آمن يخفي مخاطر يومية

ويؤكد ناجي أن الشعور بالأمان داخل المنزل يجعل كثيرًا من الناس يغفلون عن المخاطر المحيطة بهم، فالمقابس الكهربائية، وأسطوانات الغاز، والمنظفات الكيميائية، والأدوية، والسلالم، وحتى أدوات المطبخ، قد تتحول إلى مصادر خطر إذا غاب الوعي أو أُهملت إجراءات السلامة.

ويضيف أن المنزل ليس فضاءً خاليًا من الأخطار كما يعتقد كثيرون، بل يحتاج إلى ثقافة وقائية وإدارة للسلامة شبيهة بما تعتمد عليه المؤسسات الكبرى في خطط الطوارئ، غير أن هذه الثقافة ما تزال غائبة في كثير من البيوت، حيث يُنظر إلى السلامة المنزلية باعتبارها أمرًا ثانويا لا يستحق التدريب أو التخطيط المسبق.

ويشير المختص إلى أن التحدي الحقيقي عند وقوع الحوادث المنزلية لا يكمن في تأخر وصول الإسعاف، وإنما في غياب الشخص القادر على تقديم الإسعافات الأولية الصحيحة قبل وصوله.

ويشرح أن ردود الفعل داخل الأسرة غالبًا ما يسيطر عليها الذعر، فتختلط الأصوات وتتعدد النصائح، ويلجأ البعض إلى وصفات شعبية متوارثة بدل الاعتماد على أسس علمية، ويؤكد أن المجتمع الجزائري، شأنه شأن كثير من المجتمعات العربية، ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على “ثقافة التجربة” أكثر من “ثقافة المعرفة”، وهو ما يؤدي إلى ممارسات خاطئة قد تزيد من خطورة الإصابة، مثل وضع معجون الأسنان أو القهوة أو الزبدة على الحروق، أو إجبار المختنق على شرب الماء، أو تحريك المصاب بعد سقوط عنيف، أو محاولة نزع جسم مغروس داخل الجرح.

 

الإسعافات الأولية… إدارة ذكية للوقت

ويبرز ناجي أن الطب الاستعجالي ينظر إلى الوقت بوصفه عنصرًا حاسمًا في إنقاذ الأرواح، إذ إن المصاب بالسكتة القلبية يفقد مع كل دقيقة تمر دون إنعاش جزءًا كبيرًا من فرص النجاة، كما أن المختنق قد يتعرض لأضرار دماغية دائمة خلال دقائق معدودة، بينما تحتاج الحروق إلى تبريد فوري وصحيح لتقليل آثارها، ويتطلب النزيف الحاد تدخلاً سريعًا لمنع دخول المصاب في صدمة دموية.

ومن هذا المنطلق، يوضح أن الإسعافات الأولية لا تمثل علاجًا نهائيًا، وإنما هي حلقة أساسية لإدارة الوقت بين وقوع الحادث ووصول الطاقم الطبي، بما يزيد من فرص النجاة ويحد من المضاعفات.

 

الصدمة تعطل القرار… والتدريب يصنع الفارق

ويفسر المختص أن الإنسان يتعرض عند مواجهة حادث مفاجئ لما يعرف بـ”الشلل الإدراكي”، وهي حالة يتوقف فيها الدماغ لثوانٍ عن اتخاذ القرار بسبب الصدمة، ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يكون المصاب أحد أفراد الأسرة، لأن العلاقة العاطفية ترفع مستوى التوتر وتضعف القدرة على التفكير المنطقي.

ويرى أن التدريب المسبق على الإسعافات الأولية لا يمنح الإنسان المعرفة التقنية فقط، بل يساعده أيضًا على التحكم في انفعالاته، وتحويل ردود الفعل العشوائية إلى تصرفات مدروسة، فالتدريب، بحسبه، لا يزيل الخوف، لكنه يجعل التعامل معه أكثر كفاءة.

ويؤكد ناجي أن نشر ثقافة الإسعافات الأولية ينبغي أن يبدأ من المدرسة، تمامًا كما تُدرّس القراءة والرياضيات، فالطفل الذي يعرف أرقام الطوارئ، أو يجيد طلب النجدة، أو يعرف كيف يتصرف عند اندلاع حريق، قد ينقذ أسرته يومًا ما.

ويشير إلى أن العديد من الدول جعلت الإسعافات الأولية جزءًا من المناهج التعليمية، باعتبارها مهارة حياتية أساسية، وليست معرفة اختيارية، داعيًا إلى إدراجها ضمن البرامج التربوية لبناء مجتمع أكثر استعدادًا لمواجهة الطوارئ.

ويشدد المختص على أن كل أسرة مطالبة ببناء ثقافة خاصة بالطوارئ داخل المنزل، دون الحاجة إلى تحويله إلى مستشفى، وإنما إلى بيئة مستعدة للتعامل مع الحوادث.

ويقترح في هذا السياق توفير حقيبة إسعافات أولية في مكان معلوم للجميع، وحفظ أرقام الطوارئ، وتعليم الأطفال كيفية طلب النجدة، ووضع خطة لإخلاء المنزل عند الحرائق، إضافة إلى الفحص الدوري لشبكات الغاز والكهرباء، مؤكدًا أن هذه الإجراءات البسيطة قد تصنع الفارق في اللحظات الحرجة.

ويرى ناجي أن وسائل الإعلام مطالبة بالانتقال من الاكتفاء بتغطية الحوادث بعد وقوعها إلى أداء دور استباقي في نشر ثقافة الوقاية، مؤكدا أن البرامج التوعوية يجب ألا تكون مرتبطة بالمناسبات فقط، بل تتحوّل إلى مشروع إعلامي مستمر، يقدم محتوى مبسطًا حول كيفية التعامل مع الحروق والاختناق والنزيف والصدمات الكهربائية.

ويعتبر أن نشر المعرفة الوقائية أكثر جدوى وأقل تكلفة من معالجة نتائج الحوادث بعد وقوعها، لأنها تسهم في حماية الأرواح قبل وقوع الخطر.

 

ترسيخ ثقافة الإسعافات… مسؤولية الجميع

ويختتم الدكتور رائد ناجي بالتأكيد على أن نشر ثقافة الإسعافات الأولية مسؤولية جماعية لا تقع على عاتق الحماية المدنية أو القطاع الصحي فقط، وإنما تشترك فيها الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، والجمعيات، ومؤسسات العمل.

ويؤكد أن المجتمع الذي يمتلك المعرفة اللازمة للتصرف في الدقيقة الأولى هو مجتمع أكثر قدرة على تقليل الخسائر، ورفع فرص النجاة، وتحويل المواطن من مجرد شاهد على الحادث إلى عنصر فاعل في إنقاذ الأرواح، لأن سلامة البيوت، في النهاية، لا تتحقق بكثرة الجدران، وإنما بانتشار الوعي بين أفرادها.