الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الدورات الصيفية للأطفال.. استثمار في المستقبل أم ضغط إضافي؟


يتجه العديد من الأولياء إلى استغلال العطلة الصيفية في تنمية مهارات أبنائهم، من خلال إلحاقهم بدورات لتعلم اللغات الأجنبية واكتساب المهارات الرقمية، انطلاقا من قناعة بأن هذه المعارف أصبحت من متطلبات النجاح الدراسي والمهني في عالم سريع التحول، لم تعد فيه الشهادات وحدها كافية لمواكبة المنافسة، بل أضحت الكفاءات اللغوية والرقمية من أبرز عوامل التميز وفتح آفاق أوسع أمام الأجيال الصاعدة.

ويحرص كثير من الآباء على أن تكون العطلة الصيفية فرصة لاكتساب معارف جديدة وصقل القدرات الشخصية، بدل أن تقتصر على الراحة والترفيه، معتبرين أن استثمار هذا الوقت من شأنه أن يمنح أبناءهم أفضلية في مسارهم الدراسي والمهني مستقبلا، ويعزز قدرتهم على التكيف مع متطلبات العصر الذي تفرضه الثورة الرقمية والتطور التكنولوجي المتسارع.

غير أن هذا التوجه يطرح في المقابل نقاشا حول مدى تأثيره في حق الطفل في الراحة والاستمتاع بعطلته، وما إذا كان يشكل استثمارا حقيقيا في مستقبله أم يضيف إليه ضغوطا جديدة بعد عام دراسي طويل.

في هذا الصدد، أفاد أحمد جعدي، مختص تربوي، بأن العطلة الصيفية لم تعد، كما كانت في السابق، فترة مخصصة للراحة والترفيه فقط، حيث تحولت لدى الكثير من الأسر إلى فرصة لاستثمار وقت الأبناء في تعلم اللغات الأجنبية واكتساب المهارات الرقمية وغيرها، استعدادا لمتطلبات الدراسة والحياة المهنية مستقبلا، غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات حول مدى حفاظه على التوازن النفسي للطفل وحقه في الاستمتاع بعطلته.

الإفراط في الدورات الصيفية قد يحوّل التعلم إلى عبء نفسي

وأوضح جعدي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن استثمار العطلة الصيفية في التعلم يمكن أن يكون خيارا موفقا إذا تم بطريقة مدروسة، مشيرا إلى أن هذه الفترة تمثل فرصة مناسبة للتعلم الحر، بعيدا عن ضغوط الامتحانات والواجبات المدرسية والسعي وراء العلامات، وهو ما يسمح للأطفال باكتساب معارف جديدة في أجواء أكثر راحة وانفتاحا.

وأشار إلى أن تعلّم اللغات الأجنبية والمهارات الرقمية، مثل البرمجة والتصميم والذكاء الاصطناعي، لم يعد من الكماليات، إنما أصبح من الضروريات التي تفرضها التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، مؤكدا أن امتلاك هذه المهارات يعزز فرص الطفل مستقبلا، ويمكّنه من مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية والاستعداد المبكر لمتطلبات سوق العمل.

وأضاف المتحدث أن إقبال الأولياء على تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة أو الدورات التكوينية الصيفية يعكس وعيا متزايدا بأهمية الاستثمار في رأس المال البشري، لافتا إلى أن التعلم خلال الصيف يكون أكثر سلاسة إذا قدم في إطار تفاعلي بعيد عن أجواء الاختبارات والخوف من الرسوب أو ضغط المعدلات، الأمر الذي يجعل الطفل أكثر تقبلا واستيعابا للمعلومات.

كما أبرز أن استغلال وقت الفراغ في أنشطة تعليمية هادفة يسهم أيضا في الحد من الآثار السلبية للاستعمال المفرط للهواتف الذكية والشاشات، من خلال توجيه الأطفال إلى استخدام التكنولوجيا بصورة إيجابية ومنتجة، بدل الاكتفاء بالاستهلاك السلبي للمحتوى الرقمي.

وفي المقابل، أكد جعدي أن هذا التوجه قد يتحوّل إلى عبء على الطفل إذا بالغ الأولياء في ملء برنامجه الصيفي بالدورات والأنشطة التعليمية، معتبرا أن الطفل يحتاج، بعد موسم دراسي طويل، إلى فترة راحة بيولوجية ونفسية حقيقية، يستعيد خلالها نشاطه الذهني والجسدي، حتى يتمكن من العودة إلى الدراسة بحيوية ودافعية أكبر.

وأوضح أن غياب فترات الراحة قد يؤدي إلى الإرهاق والملل، وربما إلى النفور من التعلّم، مشددا على أن العطلة الصيفية ليست فقط مناسبة لاكتساب المعارف، وإنما تعد فضاء لتنمية الجوانب الاجتماعية والوجدانية للطفل من خلال اللعب الحر، وممارسة الرياضة، والسفر، والتفاعل مع الأسرة والأقارب والأصدقاء، وهي تجارب تسهم في بناء شخصيته وتعزيز ثقته بنفسه وتنمية ذكائه العاطفي ومهاراته التواصلية.

وأشار محدثنا إلى أن بعض الأولياء يحمّلون أبناءهم برامج تعليمية مكثفة بدافع طموحاتهم الشخصية أو خوفهم من تخلف أطفالهم عن أقرانهم، أو مسايرة للمظاهر الاجتماعية، في حين أن الطفل قد لا يكون راغبا في ذلك، مؤكدا أن نجاح أي برنامج صيفي يظل مرتبطا بمراعاة ميول الطفل ورغباته، وعدم فرض أنشطة لا تنسجم مع احتياجاته.

واعتبر جعدي أن الاستثمار الحقيقي في العطلة الصيفية لا يكون بتحويلها إلى امتداد للسنة الدراسية، وإنما بتحقيق التوازن بين التعلم والراحة، من خلال تخصيص الحيز الأكبر من الوقت للترفيه والسفر والهوايات والأنشطة الرياضية، مقابل تخصيص جزء محدود لتطوير اللغات والمهارات الرقمية عبر أساليب ممتعة قائمة على اللعب والتفاعل.

خِتاماً، أكد جعدي على ضرورة منح الطفل فترة راحة كاملة بعد نهاية الامتحانات، وأخرى قبل انطلاق الموسم الدراسي الجديد، حتى يستعيد نشاطه ويعود إلى مقاعد الدراسة بذهن صاف وطاقة متجددة، مشددا على أن الاستثمار الأمثل في الأبناء هو الذي ينمي مهاراتهم اللغوية والرقمية دون أن يحرمهم من طفولتهم أو يؤثر في صحتهم النفسية، وأن حسن مرافقة الأولياء وإدارتهم المتوازنة لوقت أبنائهم يبقى العامل الحاسم في تحقيق هذه المعادلة.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.