الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الذكاء الاصطناعي في المجال السياحي.. التقنية تخطط والخبرة تصنع الرحلة 

Author
هارون عمري 31 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يفرض تسارع التحول الرقمي إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي كركيزة لتحديث الصناعة السياحية، والارتقاء بجودة الخدمات والتسويق، وإعداد المسارات والبرامج الاستكشافية بكفاءة عالية، حيث تتيح النماذج التوليدية أدوات متقدمة لتنظيم الجولات وتحليل البيانات والتواصل متعدد اللغات، بينما تظل التجربة الميدانية للمرشد ووكيل السفر هي الضامن لواقعية هذه المخططات وملاءمتها للخصوصيات الثقافية والجغرافية لكل وجهة. 

ويرى الخبير والاستشاري في السياحة، زهير مقداد، أن الذكاء الاصطناعي أصبح متاحًا للمرشدين ووكلاء السفر ومسؤولي التسويق ومديري الفنادق، ويوفر لهم أدوات لإعداد البرامج وصياغة العروض وتحليل المعلومات وتصميم المواد البصرية وترجمة المراسلات، ويؤكد أن امتلاك هذه التطبيقات لا يكفي دون تعلم استخدامها بفعالية، لأن جودة البرنامج تبدأ بدقة البيانات والتعليمات، ثم تخضع مخرجاته لمراجعة المهني الذي يعرف واقع الوجهة وظروف النقل والإقامة وسلامة المسارات واحتياجات السائح. 

أدوات رقمية تعيد تنظيم العمل السياحي 

انتقل الذكاء الاصطناعي في السياحة من الاستخدامات التجريبية إلى تطبيقات عملية تشمل التخطيط والتسويق وخدمة الزبائن وتحليل الطلب وإدارة الوجهات، وقد خصصت منظمة الأمم المتحدة للسياحة تقريرًا صدر سنة 2025 لدراسة تبني هذه التقنيات، وعرض حالات استخدام وتوصيات موجهة إلى المتدخلين في سلسلة الخدمات السياحية، كما أطلقت تحديًا دوليًا لدعم الحلول التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في الترويج للوجهات وتحسين تجربة الزائر والكفاءة التشغيلية. 

في تصريح لـ”الأيام نيوز”، قال الخبير والاستشاري في السياحة، زهير مقداد، إن استخدام الذكاء الاصطناعي لم يعد حكرًا على الشركات الكبرى، بل أصبح في متناول كل مرشد سياحي ووكيل سفر ومسؤول تسويق ومدير فندق، موضحًا أن اختيار الأداة المناسبة يوفر الوقت ويحسن جودة العمل ويرفع مستوى الخدمات المقدمة إلى العملاء. 

وحدد مقداد مجموعة من الأدوات التي يمكن للمهنيين الاستفادة منها، ومنها ChatGPT لإعداد البرامج السياحية وصياغة العروض وكتابة المحتوى التسويقي والإجابة عن استفسارات العملاء وترجمة النصوص، وGemini للبحث وتحليل المعلومات والمساعدة في إعداد الدراسات والتقارير والعروض التقديمية. 

كما أشار إلى Canva AI لتصميم المنشورات والملصقات والإعلانات والعروض البصرية الجذابة دون اشتراط خبرة متقدمة في التصميم، وإلى Google Translate وDeepL لترجمة المراسلات والبرامج السياحية، بما يسهل التواصل مع السياح من جنسيات مختلفة ويمنح المؤسسات قدرة أكبر على تقديم خدماتها بلغات متعددة. 

وتسمح هذه الأدوات بتقليص الوقت الذي تستغرقه المهام المتكررة، مثل إعداد النسخة الأولى من برنامج الرحلة، أو تلخيص استبيانات رضا الزبائن، أو تحويل عرض طويل إلى منشورات تسويقية متعددة، أو صياغة ردود أولية عن الأسئلة الشائعة المتعلقة بالإقامة والنقل والأنشطة. 

ويتيح هذا الاختصار للمرشد ووكيل السفر توجيه وقت أكبر إلى المهام التي تحتاج إلى معرفة ميدانية واتصال مباشر، ومنها التفاوض مع مقدمي الخدمات ومتابعة الحجوزات وتقييم حالة المسارات ومعالجة المشكلات الطارئة، وتبقى القيمة الحقيقية للأداة مرتبطة بدمجها في سير عمل واضح، تحدد فيه المهمة والبيانات المستخدمة والشخص المسؤول عن مراجعة النتائج قبل اعتمادها. 

 

برنامج الرحلة يبدأ ببيانات دقيقة 

يعد إعداد البرنامج السياحي من أهم مهام وكيل السفر والمرشد، لأنه يجمع بين الوجهة ومدة الإقامة والنقل والميزانية والأنشطة وتوقيت الزيارات واحتياجات المسافرين، ويؤدي الخطأ في أحد هذه العناصر إلى تعطيل الرحلة أو زيادة تكلفتها أو تقديم تجربة لا تتناسب مع توقعات العميل. 

وأوضح مقداد أن الذكاء الاصطناعي يستطيع المساعدة في إعداد برنامج سياحي خلال وقت قصير عندما يزود ببيانات واضحة، تشمل وجهة السفر ومدة الرحلة وعدد المسافرين والميزانية المتاحة واهتمامات السائح، سواء كانت ثقافية أو صحراوية أو دينية أو ترفيهية أو رياضية، إلى جانب وسيلة النقل المفضلة ومستوى الإقامة المطلوب. 

وبناء على هذه المعطيات، يمكن للأداة اقتراح برنامج متكامل ومنظم، واختيار المزارات والأنشطة الملائمة، وتوزيع الرحلة اليومية بصورة متوازنة، وتقديم بدائل عند تغير الظروف أو الميزانية، ثم صياغة العرض بلغة مهنية جذابة تساعد الوكالة على تقديمه إلى العميل. 

ويستطيع وكيل السفر، على سبيل المثال، طلب برنامج لمدة خمسة أيام في جانت لفائدة مجموعة مهتمة بالنقوش الصخرية والمناظر الصحراوية، مع تحديد مستوى الإقامة والقدرة البدنية والميزانية واللغة، فتحصل الوكالة على تصور أولي يجمع المواقع والأنشطة والتوقيت، ثم تبدأ مرحلة التحقق الميداني والحجز والتنسيق. 

وتوفر الرقمنة للسائح معلومات متكاملة عن الخرائط والخدمات والفعاليات والبنية المتاحة ومستويات السلامة، كما تساعد الجهات المسيرة للوجهات على متابعة التدفقات الموسمية وقياس الاتجاهات وتوزيع الزوار بصورة أكثر استدامة، خاصة في المناطق الريفية والبعيدة. 

المرشد يصحح ما لا تراه الخوارزمية 

شدد مقداد على أن الذكاء الاصطناعي لا يعرف الواقع الميداني كما يعرفه المهنيون في القطاع، ولذلك تبقى مهمة وكيل السفر أو المرشد مراجعة البرنامج والتأكد من دقة معلوماته وتكييفه مع احتياجات العميل والظروف الفعلية. 

وتتعلق هذه المراجعة بأوقات فتح المواقع، وحالة الطرق، وتوافر النقل والإقامة، وطبيعة المناخ، ومستوى صعوبة المسار، والمسافات الحقيقية بين المحطات، وقدرة الأطفال وكبار السن على إنجاز الأنشطة المقترحة، كما تشمل حساسية بعض المواقع ثقافيا أو بيئيا، والتقاليد المحلية التي لا تظهر دائما في قواعد البيانات المتاحة للنموذج. 

وقد تقترح الأداة زيارة مواقع متباعدة في يوم واحد، أو تعتمد معلومات قديمة عن فندق أو مطعم أو رحلة جوية، أو تقدم مسارا غير مناسب خلال فترة الحرارة أو الأمطار، وقد تخلط بين أسماء أماكن متشابهة، ويصبح اعتماد البرنامج دون التحقق مخاطرة تمس جودة الخدمة وسمعة المؤسسة، وقد تمس سلامة السائح في الرحلات الصحراوية والجبلية والاستكشافية. 

ويملك المرشد معرفة تتكون بالممارسة، تشمل إيقاع المجموعة وحالة الطريق والوقت الذي يحتاجه الزائر داخل الموقع وطريقة التواصل مع السكان وأفضل لحظة لمشاهدة المكان، كما يستطيع تعديل المسار عند تغيّر الطقس أو ظهور تعب لدى أحد المشاركين، وهي قرارات تحتاج إلى حضور وملاحظة ومسؤولية مباشرة. 

ويلخص مقداد هذه العلاقة في قاعدة مفادها أن الذكاء الاصطناعي يسرّع العمل، بينما تمنحه الخبرة البشرية الجودة والواقعية، فالمخرج الآلي يمثل مسودة قابلة للتطوير، ويظل المهني مسؤولا عن تدقيقها واعتمادها وشرحها للعميل ومتابعة تنفيذها. 

الهندسة التوجيهية ترفع جودة النتائج 

يرى مقداد أن نجاح استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على قوة الأداة وحدها، وإنما يتحدد أيضا بطريقة طرح السؤال، فكلما كان الطلب واضحا ودقيقا، جاءت النتيجة أكثر تنظيما وفائدة وملاءمة للحاجة المهنية. 

وتعرف مهارة صياغة التعليمات باسم الهندسة التوجيهية، وتعتمد على تحديد المهمة والسياق والجمهور والمدة والميزانية ونمط الإخراج والقيود المطلوب احترامها، فالطلب العام الذي يقتصر على عبارة “اكتب برنامجا سياحيا” يمنح الأداة مساحة واسعة لافتراض البيانات، وقد ينتج عرضا عاما يصعب تطبيقه. 

ويقترح مقداد عوض ذلك كتابة طلب مفصل من قبيل إعداد برنامج سياحي لمدة خمسة أيام في ولاية جانت، موجه إلى سياح أوروبيين، يشمل الإقامة ووسائل النقل والأنشطة الصحراوية، ويراعي السياحة المستدامة، ويصاغ بأسلوب تسويقي احترافي. 

ويستطيع المهني إضافة مستوى اللياقة البدنية للمجموعة، واللغات المستخدمة، والنظام الغذائي، والحد الأعلى للإنفاق، ومواقيت الوصول والمغادرة، والحاجة إلى مرشد متخصص، ثم مطالبة الأداة بإظهار المعلومات التي تحتاج إلى تحقق بشري وعدم افتراض أسعار أو مواعيد غير متوافرة. 

ويمكن توظيف الهندسة التوجيهية لإعداد البرامج والعروض التسويقية لوكالات السفر، وتصميم خطط الترويج للوجهات، وإنتاج الحقائب التدريبية، وصياغة المراسلات المهنية، وتحليل آراء السياح واقتراح مجالات تحسين الخدمة، وتظل القاعدة، بحسب مقداد، أن الذكاء الاصطناعي يجيب وفق السؤال الذي يطرحه المستخدم، وأن جودة النتائج تبدأ بجودة التعليمات. 

التسويق الذكي يحتاج إلى هوية حقيقية 

تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي تحليل تعليقات السياح وتصنيف اهتماماتهم واقتراح رسائل موجهة لكل فئة، وإعداد نسخ متعددة من المحتوى بلغات مختلفة، واختبار العناوين والصور وصيغ الإعلان، بما يساعد الوكالات والفنادق والهيئات السياحية على تحسين استهداف الجمهور وقياس أداء الحملات. 

وتستطيع بعض أدوات الذكاء الاصطناعي جمع خلاصات العملاء من مصادر متعددة، والمساعدة في بناء استراتيجية تسويقية، وتطوير محتوى الحملة ومتابعة التفاعل وتعديل الرسائل وفق النتائج، بينما تبقى المؤسسة مسؤولة عن صحة المعلومات واتساقها مع هويتها وخدماتها الفعلية. 

ويحتاج تسويق الوجهة الجزائرية إلى مادة موثقة حول المواقع والمسارات والإقامة والنقل والمواسم والأسعار، وإلى صور أصلية ولغة تحترم خصوصية المنطقة، لأن سرعة إنتاج المنشورات لا تعوّض نقص المعلومة، كما ينبغي تجنب المحتوى المتشابه الذي تقدمه الأدوات عند استخدام تعليمات عامة، وإبراز معرفة المرشدين والحرفيين والسكان المحليين. 

وتظهر القيمة الحقيقية للتقنية عندما تساعد على تعريف السائح بتجربة موجودة وقابلة للحجز والتنفيذ، وتربطه بوكالة أو مرشد أو فندق أو صاحب إقامة، بدلا من إنتاج صور جذابة ووعود لا تتطابق مع مستوى الخدمة الميدانية. 

 

حوكمة البيانات تحمي السائح والمهني 

يتطلب الاستخدام المهني للذكاء الاصطناعي قواعد واضحة لحماية بيانات المسافرين، خاصة المعلومات المتعلقة بالهوية والحجوزات وجوازات السفر وطرق الدفع والحالة الصحية والتفضيلات الشخصية، ويجب الامتناع عن إدخال الوثائق الحساسة في أدوات عامة، وتحديد الأشخاص المخولين بالوصول إلى البيانات ومراجعة شروط المنصات المستخدمة. 

وتحتاج المؤسسات السياحية الجزائرية إلى تدريب عملي يبدأ بالمهام البسيطة، مثل الصياغة والترجمة وتنظيم الملفات، ثم ينتقل إلى تحليل البيانات وخدمة الزبائن وتخطيط الحملات، مع وضع إجراءات لمراجعة المخرجات وتحديد المسؤولية عن اعتمادها. 

يختصر الذكاء الاصطناعي زمن إعداد المسودة ويمنح المهني بدائل أوسع في التخطيط والتسويق والتواصل، فيما تمنح الخبرة الميدانية البرنامج دقته وأصالته وقابليته للتنفيذ، وعندما تجتمع جودة التعليمات مع البيانات الموثوقة ومراجعة المرشد أو وكيل السفر، تتحول التقنية إلى أداة ترفع كفاءة الخدمة، ويحافظ الإنسان على مسؤوليته بوصفه الضامن الحقيقي لجودة الرحلة. 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"