الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم مستقبل التدوير في الجزائر

Author
صبرينة عيلان 16 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشهد قطاع إعادة التدوير عبر العالم تحولا جذريا، تقوده تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي والتعلّم العميق والروبوتات الذكية، التي أعادت رسم طرق فرز النفايات وتثمينها.

فبعد سنوات طويلة من الاعتماد على الأساليب اليدوية والميكانيكية التقليدية، أصبحت مراكز الفرز الحديثة تعتمد على أنظمة ذكية قادرة على التحليل والتعرّف واتخاذ القرار في الوقت الحقيقي، بما يسمح بتحسين جودة المواد المسترجعة ورفع مردودية عمليات التدوير.

وبالنسبة للجزائر، يكتسي هذا التحوّل أهمية في ظل تزايد أحجام النفايات الحضرية والصناعية، والحاجة إلى الانتقال من منطق الردم إلى منطق التثمين والاقتصاد الدائري.

كما يوفّر القانون 25-02 إطارا مناسبا لدعم هذا التوجه، من خلال تعزيز الوقاية والفرز والتتبع والمسؤولية البيئية، وتبرز التكنولوجيات الذكية كأداة عملية لتحديث تسيير النفايات، وتحويلها من عبء بيئي متزايد إلى مورد اقتصادي واعد قادر على خلق القيمة وفرص الاستثمار والابتكار.

ومن هذا المنظور، أكد المدير العام السابق للوكالة الوطنية للنفايات، الدكتور كريم ومان، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن قطاع تسيير النفايات في الجزائر يواجه اليوم لحظة الحقيقة الرقمية. فبعد عقود ظل فيها الفرز حبيس العمليات اليدوية أو الميكانيكية التقليدية التي استنزفت الجهد والمال دون بلوغ المردودية المنشودة، يرى الدكتور ومان أننا نقتحم اليوم عصر الأنظمة المعرفية، حيث لم يعد المركز مجرد مساحة للفصل، بل كيانا ذكيا قادرا على الملاحظة، التحليل، والتعلّم، والتدخل في الوقت الحقيقي لتصحيح المسارات الصناعية.

ويوضح الدكتور ومان أن هذا الانتقال من الفرز التقليدي إلى الفرز المتصل والموجه بالبيانات يمثل قفزة نوعية في دقة الأداء. فلم تعد مراكز الفرز الحديثة تكتفي بعزل المواد، بل أصبحت تعمل كمختبرات رقمية تحدد بدقة متناهية تركيبة التدفقات، وتكتشف الأخطاء البشرية أو الآلية لحظة وقوعها، ما يرفع من جودة المواد المسترجعة إلى مستويات قياسية، ويمنحنا تتبعا رقميا شفافا لكل غرام من النفايات.

إعادة التدوير الذكي مورد اقتصادي جديد للجزائر

أكد الدكتور كريم ومان، المدير العام السابق للوكالة الوطنية لتسيير النفايات، أن قطاع إعادة التدوير يشهد اليوم تحوّلا عميقا بفضل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي والتعلّم العميق والروبوتات الصناعية والمستشعرات الذكية، معتبرا أن هذه التكنولوجيات تمثل فرصة استراتيجية للجزائر لتحديث منظومة تسيير النفايات والانتقال نحو اقتصاد دائري حقيقي وأكثر مردودية.

وأوضح الدكتور كريم ومان أن عمليات فرز النفايات لم تعد تعتمد فقط على الطرق اليدوية أو الميكانيكية التقليدية، بل أصبحت ترتكز على أنظمة ذكية قادرة على الملاحظة والتحليل والتعلّم والتدخل في الوقت الحقيقي، ما يسمح بتحقيق مستويات عالية من الدقة والفعالية في معالجة النفايات واسترجاع المواد القابلة للتثمين.
وأشار المتحدث إلى أن مراكز الفرز الحديثة لم تعد تقتصر على فصل النفايات، بل أصبحت تعتمد على منظومات رقمية متكاملة قادرة على تحديد تركيبة التدفقات، واكتشاف الأخطاء، وقياس جودة المواد المسترجعة، وإنتاج مؤشرات أداء دقيقة تساعد على تحسين التسيير وتعزيز التتبع والرقابة البيئية.

وأضاف أن هذا التحوّل يكتسي أهمية خاصة بالنسبة للجزائر في ظل أحكام القانون 25-02، الذي يشجع على الوقاية من النفايات، والفرز، والتثمين، وتعزيز المسؤولية البيئية، مؤكدا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوّل إلى أداة عملية لتجسيد أهداف هذا القانون على أرض الواقع.

تكنولوجيات متطورة لرفع جودة التدوير

وفي شرحه للتطورات التكنولوجية الجديدة، أوضح الدكتور كريم ومان أن الأجيال الحديثة من مراكز الفرز تعتمد على مستشعرات بصرية عالية الدقة، وكاميرات بالأشعة تحت الحمراء، وتقنيات التصوير فائق الطيف، إضافة إلى خوارزميات التعرف على الصور وروبوتات الفرز المؤتمتة ومنصات تحليل البيانات في الوقت الحقيقي.

وأكد أن هذه التقنيات تتيح التعرف على أنواع متعددة من المواد، مثل البلاستيك والورق والكرتون والزجاج والألمنيوم والنحاس والفولاذ، كما تسمح بالتمييز بين أصناف البلاستيك المختلفة، بما فيها عبوات PET والبلاستيك الصلب والأغشية البلاستيكية والبوليمرات المعقدة، ما يسهم في تحسين جودة المواد المسترجعة ورفع قيمتها الصناعية.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على الكشف فقط، بل أصبح قادرا على تفسير البيانات ورصد الاختلالات وتحسين خطوط المعالجة ومساعدة المستغلين على اتخاذ قرارات أكثر فعالية، موضحا أن كل نفاية أصبحت تمثل مصدرا للمعلومة، سواء تعلق الأمر بطبيعة المادة أو مستوى التلوث أو القيمة الاقتصادية المحتملة.

الجزائر أمام ضرورة تغيير نموذج التسيير
وفي حديثه عن واقع القطاع في الجزائر، أشار الدكتور كريم ومان إلى أن البلاد تواجه نموا متواصلا في أحجام النفايات الحضرية والصناعية والتجارية نتيجة التمدن السريع وتغيّر أنماط الاستهلاك وارتفاع حجم التغليف، ما أدى إلى زيادة الضغط على مراكز الردم التقني.

وأوضح أن النموذج التقليدي القائم أساسا على الجمع والردم لم يعد قادرا على مواكبة التحديات الحالية، لأنه يؤدي إلى فقدان كميات معتبرة من المواد القابلة للتثمين، إضافة إلى ارتفاع التكاليف البيئية والمالية على الجماعات المحلية.

وأكد أن إدماج الذكاء الاصطناعي في تسيير النفايات يمكن أن يسمح بتحسين معدلات إعادة التدوير وتقليص الكميات الموجهة للردم وتعزيز جودة المواد المسترجعة، بما يفتح المجال أمام تطوير شعب صناعية جديدة وتقليص الاعتماد على استيراد بعض المواد الأولية.

وشدد المدير العام السابق للوكالة الوطنية لتسيير النفايات على أهمية إشراك الجامعة الجزائرية في هذا التحوّل، من خلال دعم البحث التطبيقي وتطوير خوارزميات تتلاءم مع خصوصية النفايات الجزائرية، وإنشاء قواعد بيانات وطنية وتكوين كفاءات متخصصة في إعادة التدوير الذكي.

وأضاف أن مشاريع التخرج وأطروحات الدكتوراه والحاضنات الجامعية يمكن أن تتحوّل إلى فضاءات حقيقية للابتكار في هذا المجال، خاصة مع تزايد الحاجة إلى حلول محلية تتكيف مع خصوصيات النفايات في الجزائر.

كما أبرز الدور الذي يمكن أن تلعبه الشركات الناشئة الجزائرية عبر تطوير تطبيقات للفرز من المصدر ومنصات رقمية للجمع الانتقائي وتتبع النفايات، إضافة إلى تصميم مستشعرات ذكية للحاويات وبرمجيات لتسيير مراكز الفرز وأسواق إلكترونية للمواد المعاد تدويرها.

نحو منظومة وطنية لإعادة التدوير الذكي

وأكد الدكتور كريم ومان أن نجاح هذا التحوّل يتطلب بناء منظومة وطنية متكاملة تجمع الدولة والجماعات المحلية والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية والشركات الناشئة والمواطنين، مع ضرورة توفير شراكات فعالة بين القطاعين العام والخاص وحوافز اقتصادية وتشريعات محفزة للاستثمار.

وأكد ومان أن ترقية إعادة التدوير الذكي لا تمثل مجرد تحديث تقني، بل خيارا اقتصاديا واستراتيجيا بالنسبة للجزائر، لأنه يسمح بتحويل النفايات من عبء بيئي مكلف إلى مصدر حقيقي للقيمة والثروة وخلق مناصب الشغل، مضيفا أن الجزائر تمتلك الإمكانات البشرية والسوق الكافية لتطوير قطاع وطني مبتكر في مجال إعادة التدوير والاقتصاد الدائري.