الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

الذكرى (95) لتأسيس جمعية العلماء.. ملامح المنجز التاريخي للنخب الجزائرية


هي محطات ثلاث، قادرة على كشف الكثير من المستور في جزء هام من مكونات تاريخ الجزائر الحديث، وبالذات في جمعية العلماء المسلمين، التي لا تزال تسيطر على زمام صراعات مؤلمة تنبجس في بعض المنعرجات كون استناد النقاش على تاريخ مكتوب وموثق، بعيدا عن الإيديولوجيات الصراعية، التي تساهم في تمديد عمر النقاش يجرى خارج التاريخ. الذي تكون صفته الأساسية أنه يجرى خارج التاريخ، ومتفلت من ضوابط المعرفة التاريخية.

في سنة 1913، وبالتحديد في المسجد النبوي بالمدينة المنورة، كان أول لقاء بين الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي، وهو اللقاء الذي جاء نتيجة صدفة؛ إذ لم يسبق للرجلين أن التقيا من قبل، وكان كل واحد منهما قد ذهب إلى الحجاز بقرار الهجرة وعدم العودة إلى الجزائر. وتحرص رواية تاريخية وحيدة على تصوير لقاء المسجد النبوي بين الرجلين على أنه امتد شهرا كاملا، من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، وكانت نتيجته انقلاب موقفهما من الهجرة إلى العودة إلى الجزائر، والاتفاق على العمل المشترك في المستقبل، دون تحديد هوية هذا المشروع أو طبيعته أو معالمه.

ولم يلتق ابن باديس والإبراهيمي، بعد جلسات المسجد النبوي، إلا بعد سبعة عشر عاما، خاض خلالها كل واحد منهما تجارب متنوعة وفي مواقع متباينة. ولا تسعفنا الكتابات التاريخية بالكثير من التفاصيل عن هذه المرحلة، مما يمنح هذه المرحلة قيمة معرفية خاصة، باعتبار أن استجلاء تفاصيلها من شأنه تعميق فهم التجربة التاريخية لجمعية العلماء.

وهو ما يفرض اليوم، في ذكرى تأسيسها التي يُستعاد إحياؤها، السعي الجاد إلى فك الرموز وإزالة الطلاسم، ومنح الأجيال الجديدة حقها الطبيعي في مناقشة تجربة تاريخية متميزة وتحويلها إلى تراكم نوعي تستند إليه المجموعة الوطنية في استئناف مسيرتها التاريخية، وتمتلك من خلال الاطلاع على تفاصيلها المزيد من المهارات والخبرات في التعامل مع التهديدات الكبرى التي تستهدف الذات والهوية والموقع الجيوستراتيجي للمجموعة الوطنية.

تكاليف الطريق

أهم ما يجلب الانتباه في تفاصيل تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أن الذي انتُخب رئيسا لها لم يحضر اجتماعات التأسيس، وإنما حضر بعد تأسيسها في نادي الترقي، من دون أن تظهر تاريخيا أسباب غياب ابن باديس عن الموعد. وكل ما هو متوفر لا يعدو أن يكون مجرد تبريرات لا تملك مقومات الحقيقة. فهل يُعقل أن يكون من دعا إلى تأسيس جمعية للعلماء الجزائريين غائبا عن خطوات تأسيسها وعن الاجتماع الذي أطلق هذا المشروع؟

وباستحضار أجواء الثلاثينيات من القرن الماضي، نواجه إشكالية تتعلق بمسارات الشخصيات المؤسسة للجمعية، التي لم يسبق أن التقت أو تعارفت أو شكّلت توجها معينا، لنكون أمام اتفاق غير مسبوق، على الأقل على مستوى الخطوط العريضة لمشروع الجمعية.

فالمؤسسون لم يسبق لهم أن التقوا من قبل، ولا يُعرف لهم نضال داخل هيكل تنظيمي متعارف عليه، كما لم تتوفر لديهم إمكانيات اللقاء والتواصل قبل هذا الموعد، خاصة أن الميولات الفكرية والانتماءات الإيديولوجية لهؤلاء كانت متباينة؛ فبعضهم قادم من المدارس المشرقية، وآخرون من المؤسسات التقليدية المحلية، وبعضهم من موظفي الإدارة الاستعمارية، والبعض الآخر من التيار الصوفي (الطرقي). فكيف يمكن القبول بمنطق اتفاق هؤلاء على مشروع مشترك وهم في قمة الاختلاف والتناقض الفكري والاجتماعي؟

إن هذه التجربة تحتاج اليوم إلى مزيد من التعريف بها والترويج لتفاصيل سلوك أصحابها وتفهم خلفيات المواقف التي أنتجوها، لعلها تكون نموذجا للعمل الجماعي الذي يسعى إلى تثمين المصالح العليا للمجموعة الوطنية وبذل أقصى الجهد في صناعة مشهد يقوم على قاعدة «القوة في التنوع»، بما يسمح ببناء آفاق واسعة وفضاءات رحبة يشعر فيها الجميع بالاعتراف بوجودهم وقدرتهم على المساهمة في تقديم إضافة نوعية إلى التراكم الوطني، بما تكون محصلته النهائية تلك الأريحية التي تمكّن الجميع من تقديم الخدمة التاريخية للمجموعة الوطنية.

أعوان الركب

من خلال التركيبة التأسيسية لجمعية العلماء والهيئة الأولى التي قادتها، نجد أنفسنا أمام ملاحظتين هامتين بإمكانهما صعق المتابع لحجم الغياب التاريخي. أولاهما أن جمعية العلماء ظهرت برأسين: الأول هو المجلس الإداري أو المكتب الوطني، والثاني هو اللجنة الدائمة، وهي الهيئة المسيرة. وقد تكونت القيادة من ثلاثة عشر عضوا، قُسمت المهام بينهم بين المهام القيادية، التي ضمت عبد الحميد بن باديس رئيسا، ومحمد البشير الإبراهيمي نائبا للرئيس، ومحمد الأمين العمودي كاتبا عاما، والطيب العقبي نائبا للكاتب العام، ومبارك الميلي أمينا للمال، وإبراهيم بيوض نائبا لأمين المال، والمستشارين المولود الحافظي والطيب المهاجي ومولاي بن شريف والسعيد اليجري وحسن الطرابلسي وعبد القادر القاسمي ومحمد الفضيل، والمهام التنفيذية التي ضمت عمر إسماعيل ومحمد المهدي وآيت سي أحمد عبد العزيز ومحمد الزميلي والحاج عمر العنق.

غير أن هذه الثنائية في قيادة الجمعية لا يكفي لتبريرها العامل الجغرافي المتمثل في الإقامة في العاصمة وخارجها؛ فقد تولى المقيمون بالعاصمة الإدارة الفعلية للجمعية من خلال اللجنة الدائمة، وكان أعضاؤها ينتمون إلى التيار الصوفي (الطرقي)، في حين تولى المهام العليا المقيمون خارج العاصمة، الذين لا ينتمون إلى هذا التيار. وقد تكفلت اللجنة الدائمة بالقيام بالإجراءات القانونية للتأسيس وضمان انطلاق جمعية العلماء، في الوقت الذي انصرفت فيه جماعة ابن باديس إلى مدنها، تاركة الجمعية في العاصمة بين أيدي التيار الصوفي (الطرقي).

إن العام الخامس والتسعين لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لا يتعلق فقط – كما قد يُخيّل للبعض – بتأسيس هيئة ثقافية أو فكرية، بل هو ذكرى يفترض أن يرتقي المنشغلون بإدارة الشأن العام والقائمون على رصد اتجاهات المجموعة الوطنية إلى الانتباه إلى قيمتها التاريخية، باعتبارها إنجازا تاريخيا للأمة برمتها، كونها شكلت مفصلا قويا في مسيرة المنطقة بأسرها، ولا يزال تأثيرها بارزا في تفاصيل حياة الشعوب والجماعات.

فالأمر يتعلق بدور ومكانة النخب العلمائية التي يفترض أن يناط بها إنتاج الإجابات التاريخية عن أسئلة الزمن التي ترهق الشعوب، وتضعها في موقف المنتظر لإنجاز المشاريع التي تستعيد بها الشعوب والجماعات موقعها التاريخي وترفع من منسوب مصالحها الحيوية، وتمكنها من المساهمة الجادة في المسيرة الإنسانية. ذلك أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي واحدة من تلك المشاريع الكبرى التي أنجزها الإنسان الجزائري في ظل ظروف ومعطيات استعمارية رهيبة، وكانت التحدي النوعي والجاد الذي واجهت به المجموعة الوطنية الاستراتيجيات الكولونيالية البغيضة التي صنعتها أكبر المخابر وأرقى العقول الغربية اللهثة إلى تدمير الإنسان ونهب الثروات واستغلال المقدرات، فكانت المعركة تتمثل في استعادة كرامة الإنسان وإنسانيته.