الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الراحل عبد الله بوخالفة.. حين يتحوّل القلق الوجودي إلى بيان شعري أخير

Author
هارون عمري 06 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

 رحل الشاعر عبد الله بوخالفة مبكرا، لكنه خلّف تجربة شعرية مشبعة بالقلق الوجودي والأسئلة الكبرى، إذ رسم من خلال نصوصه، ملامح حداثة موجعة، امتزج فيها الحلم بالانكسار، قبل أن تتحوّل نهايته التراجيدية، إلى لحظة فارقة كرّست حضوره في الذاكرة الشعرية الجزائرية.

يمثل استحضار سيرة الشاعر الجزائري الراحل عبد الله بوخالفة (1964-1988)، قراءة ضرورية ومستحقة في واحدة من أعقد الظواهر الأدبية في الجزائر، تتجاوز بكثير مجرد الاستذكار العابر لحادثة مأساوية.

هذا الشاب الذي كتب بمرارة “لقد وصلت إلى الجدار” قبل أن يختار وضع حد لحياته تحت عجلات قطار بمدينة قسنطينة العريقة، يوم 2 أكتوبر 1988، ترك خلفه منجزا شعريا مكثفا وعميقا، حوّله إلى “تروبادور مفجوع”، حيث امتزجت في قصائده رومانسية الحلم بعبثية النهاية المأساوية، ليؤسس بصوته المتفرد والمنكسر لمرحلة مفصلية في خارطة الشعر الحداثي الجزائري خلال حقبة الثمانينيات، تاركا بصمة لا تمحى في الذاكرة الثقافية.

الإطار الزمني والزخم الوجودي للتجربة

ظهر عبد الله بوخالفة في فترة زمنية اتسمت بالتحولات العميقة والتناقضات الصارخة في المشهد الثقافي والاجتماعي الجزائري خلال ثمانينيات القرن الماضي.

كانت كتاباته التي نُشرت بشكل دوري في الملحق الثقافي لجريدة “النصر”، والذي شكل آنذاك منصة حيوية للأصوات الشابة، تمثل صوتا مغايرا ومختلفا كليا عن السائد المألوف؛ حيث ابتعد الشاعر الشاب عن الشعارات الكبرى المستهلكة، موجها بوصلته نحو الداخل الإنساني السحيق، مستكشفا التصدع الكبير بين “الواقع” القاسي و”الممكن” الحالم.

لقد شكلت تجربته، رغم قصر مدتها الزمنية، إفاقة مبكرة وصادمة على “العراء الوجودي”، حيث حملت نصوصه ظمأً شديدا نحو امتلاء إنساني لم يجده في محيطه المباشر، ما جعل كتاباته بمثابة حراب مغروزة في جسد الثقافة آنذاك، تدعو بإلحاح إلى إعادة النظر في موقع الفرد وأحلامه وسط التحولات المجتمعية والسياسية المتعاقبة.

هندسة القصيدة: بين الرومانسية الحالمة والرمزية المتمردة

يتميز المنجز الشعري لبوخالفة بهندسة فريدة تزاوج ببراعة عالية بين العالم الرومانسي الشفيف والبعد الرمزي المكثف.

كان بوخالفة ينحت من المعاناة اليومية صورا بصرية مذهلة، متجاوزا غاية الإطراب السمعي المباشر، كما عبّر عن ذلك بوضوح في قصائده عندما قال إنه يبني “من الياسمين السلالم” ويبني “من الانتحار الندى”.

هذا المزج الدقيق بين الرؤيا والحلم والاحتجاج هو ما منح نصه خصوصية استثنائية ونكهة مريرة؛ ففي الوقت الذي كان يبحث فيه عن خلاص روحي يعيد له توازنه، كانت مفرداته تنضح برفض قاطع للقيود المفروضة على الذات.

إن استخدامه المكثف لتقنيات الانزياح اللغوي والمفارقة التصويرية جعل من قصائده مختبرات لغوية حقيقية، تعكس قدرته العالية على تطويع الحرف ليكون مرآة صقيلة تعكس انكسارات ذاته الشاعرة المتشظية وسط عوالم مضطربة.

تيمة الموت كوعاء للرفض والتحرر الفلسفي

لا يمكن قراءة نصوص عبد الله بوخالفة قراءة وافية دون التوقف طويلا عند “تيمة الموت” التي هيمنت بشكل شبه كلي وواضح على مساحاته الشعرية المختلفة.

تجاوز الموت في قاموسه مفهوم النهاية البيولوجية الحتمية، ليصبح فعلا دلاليا وانزياحيا يعبّر بصدق عن رفض الانصياع للواقع المحبط. لقد تحوّل الموت في قصائده إلى بطل رئيسي وملاذ أخير ومطلق للحرية، وكأنه من خلال استدعاء الفناء المتكرر كان يمارس نوعا من التطهير الفلسفي للذات ويحاول استباق القدر بخطوة واعية.

هذه الكثافة المتشائمة في استحضار الفناء جعلت من بوخالفة حالة إنسانية وفكرية معقدة تقارب في عمقها ومأساويتها طروحات فلاسفة العبث والوجودية، حيث أدرك مبكرا عجز اللغة أحيانا عن استيعاب حجم المأساة الفردية، فلجأ إلى ترويض فكرة النهاية وجعلها جزءا عضويا من نسيجه الجمالي والشعري.

الأبعاد التراجيدية للنهاية الصادمة

في صبيحة الثاني من أكتوبر عام 1988، وقبل ساعات قليلة من اندلاع الأحداث التاريخية الكبرى التي غيّرت وجه الجزائر الحديثة، اختار بوخالفة أن ينهي رحلته القصيرة والموجعة بإلقاء جسده الغض تحت عجلات القطار في مدينة الجسور المعلقة قسنطينة.

هذه النهاية التراجيدية القاسية، التي ذكّرت النقاد والمتابعين بنهاية الشاعر التشيكي جوزيف أتيلا، جاءت تتويجا حتميا لـ”أزمة الوعي الخائب” ومأساة الانكسار التام أمام جدار الصمت، متجاوزة كونها مجرد فعل انفعالي عابر أو لحظة يأس طارئة.

لقد منحت هذه الحادثة الصادمة نصوصه بُعدا أسطوريا خالدا، حيث أصبح القراء والنقاد يعودون إلى قصائده ليكتشفوا أنها كانت في الحقيقة “بيان استقالة” متدرج الصياغة، ومراثي جنائزية كتبها الشاعر لنفسه بوعي كامل قبل أن يسلم جسده للغياب الأبدي في محطة القطار.

الحركية النقدية وتفاعل الأجيال مع نصه

رغم الغياب المبكر والمفجع، استمر النص البوخالفي في الحياة والتمدد، وشهد حركية نقدية متزايدة من قبل أصدقائه ومحبيه الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية إنقاذ قصائده من غياهب النسيان والتهميش.

وقد تجلى ذلك بوضوح في جهود توثيقية هامة ومتواصلة، أبرزها كتاب “فجيعة التروبادور” للكاتب أحمد دلباني الذي احتفى بتجربته ورؤيته الفلسفية المتماسكة وقدمها للقارئ المعاصر، وكذلك الجهد التوثيقي للكاتب عبد الناصر خلاف في إصداره القيم “أسفار الشاعر عبد الله بوخالفة” الذي جمع شتات نصوصه المتفرقة.

لقد تحوّل بوخالفة بمرور الزمن وتوالي القراءات إلى أيقونة ثقافية خاصة في الأدب الجزائري الحديث، وأضحت قصائده مادة خصبة وثرية للدراسات الأكاديمية والرسائل الجامعية التي تتناول تيمات الاغتراب والموت، ما يؤكد بشكل قاطع أن صدق التجربة وقسوتها قادران على كسر حاجز الزمن والتواصل العميق مع وجدان الأجيال الشابة الباحثة عن المعنى.

تآلف الأضداد: جدلية الطبيعة والانكسار في الوعي البوخالفي

تتجلى في تجربة عبد الله بوخالفة قدرة فائقة على صياغة “تآلف الأضداد” في أرقى صورها الجمالية، حيث تلتقي في نسيجه الشعري مفردات الحياة والموت بانسجام مدهش يجعل من الطبيعة شريكا وجدانيا ومرآة عاكسة للاغتراب الداخلي.

إن استدعاءه المكثف لرموز الطبيعة، بدءا من جبل “بومنقوش” المطل على بسكرة وصولا إلى منحدرات قسنطينة، يمثل محاولة لإسقاط القلق الإنساني على تضاريس المكان، محوّلا الصخر والياسمين والندى إلى كائنات قادرة على البكاء والاحتجاج.

تتجلى هذه الجدلية العميقة في ذروة بوحه الشعري حين يقول بمرارة فلسفية باذخة: فتحت الرؤى وانتحرت مع ورقات الصباح/ مع النور والسحب الشجرية إني انتحرت/ ومن شفتيك تفجرت المطرات التي حملتني إلى الليل/ إني انتحرت/ وناديت في كل كهف بصوتي/ الخراب.

في هذا الفضاء الوجداني، ينجح بوخالفة في تحويل “الخراب” من مجرد دمار مادي إلى صرخة إنسانية عابرة للحدود، تلتحم بآلام المهمشين والجائعين، حيث يستطرد برؤية تنبؤية: يا رفاق الخراب اجعلوني دماً للخراب/ وارسموني على جبهة اللاجئين/ مدناً ووروداً/ كي تزول الحدود/ بين عيني والجائعين.

تبرز في نصوصه، كقصيدة “الكفن الماطر” و”شلال المغامرات”، مفارقة صارخة بين براءة الطفولة التي كان يحن إليها وقسوة الوجود التي واجهته، ما خلق صراعا دراميا بين الأمل المتلاشي والحزن المستبد.

في هذا الفضاء الوجداني، ينجح بوخالفة في تحويل الفلسفة التي درسها بوعفية إلى صور شعرية حية وقصائد تنتمي للاتجاه الوجداني الصرف، حيث تمتزج الذات الفردية بالكون الواسع في رحلة بحث محمومة عن معنى يقبع خلف “الجدار”.

إن هذا المنجز الشعري، الذي يزاوج بين السطر التفعيلي المتمرد والرمزية المبتكرة، يظل نابضا بالحياة رغم تراجيدية الرحيل، مؤكدا أن عبقرية بوخالفة تكمن في قدرته على جعل موته الخاص بداية لحياة نصوصه الخالدة، وتلك هي الفجيعة التي تحوّلت بمرور السنين إلى منارة تضيء عتمة الأسئلة الكبرى في الشعر الجزائري الحديث.

رابط دائم
https://elayem.news/47ub7
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"