الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الرحلات العشوائية عبر منصات التواصل.. هل تنجح الصرامة الأمنية في إنقاذ السياحة الداخلية؟

Author
هارون عمري 04 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتسع رقعة حركة السياحة الداخلية نحو الولايات الساحلية مع بلوغ موسم الاصطياف ذروته خلال شهر أوت، حيث تتدفق آلاف الحافلات عبر شبكات الطرقات الوطنية لنقل العائلات والشباب الراغبين في الاستجمام، غير أن هذا التدفق الجماهيري المتزايد يرافقه تحول هيكلي مقلق ينزع عن السفر طابعه الترفيهي والثقافي الرصين، جراء بروز ظاهرة التنظيم العشوائي للرحلات عبر منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات الوسائط الرقمية، بعيداً عن التراخيص القانونية وعقود السفر المبرمة رسمياً، ما يضع سلامة المواطنين على المحك ويحوّل العطلات الصيفية إلى مغامرات غير محسوبة العواقب.

وفي تصريح لـ”الأيام نيوز”، أكد الخبير في السياحة الصحراوية، محمد صلاح، أن الإقبال المتزايد على الرحلات السياحية المنظمة بواسطة الحافلات يعكس تنامي الاهتمام بالوجهات السياحية، خاصة الساحلية، بفضل الدور الذي تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج للمقاصد السياحية واستقطاب المصطافين.

المخاطر الميدانية للمضاربة وتراجع السلامة على الطرقات

تتسبب الممارسات الفوضوية في نقل المصطافين عبر شبكات غير مرخصة في إحداث اختلالات أمنية وتنظيمية خطيرة على مستوى شبكة الطرقات الوطنية، حيث تلجأ بعض الجهات إلى استئجار حافلات يفتقر بعضها لوسائل الراحة والسلامة التقنية، وتكليف سائقين بالإبحار لمدد طويلة دون التزام بساعات الراحة القانونية، وتتحول بذلك الرحلة من نشاط ترويحي إلى تهديد مباشر للأرواح، لاسيما في ظل تسجيل فواجع مرورية متكررة تعيد طرح أسئلة السلامة في التنقل الجماعي.

وأوضح محمد صلاح أن هذا التوسع في تنظيم الرحلات لا يزال يفتقر في كثير من الأحيان إلى إطار قانوني وتنظيمي يضبط نشاطها ويضمن سلامة المشاركين، وهو ما ينعكس في تكرار حوادث المرور المأساوية المرتبطة ببعض الرحلات الجماعية، وبناء على ذلك، تتكشف خطورة استغلال حاجة المواطنين للترفيه من قبل سماسرة الشبكات الرقمية، إذ يتم تحييد البنود الناظمة لنقل المسافرين لحساب الربح السريع، وهو ما يسقط الحقوق التأمينية للمصطافين بمجرد وقوع أي طارئ ميداني خلال مسار الرحلة.

التحوّل التجاري غير الشرعي للأنشطة الجمعوية والتطوعية

ولا تقف هذه الظاهرة عند حدود المخالفات الفردية، لتمس بالبنية الوظيفية للعمل الجمعوي والإنساني، إذ تلجأ شبكة من مسيري الصفحات والمجموعات الافتراضية إلى استخدام لافتات جمعوية مرخصة لأغراض التضامن الاجتماعي لتنظيم رحلات سياحية مدفوعة الأجر تحت ستار النشاط الترفيهي، وتتم هذه المعاملات خارج الحسابات البنكية الرسمية ودون الخضوع للاقتطاعات الضريبية، ما ينزع عن العمل المدني شحنته الإنسانية ويحوّله إلى تجارة موازية تفتقر إلى المشروعية.

وفي هذا السياق التفتيشي، أمر والي عنابة، عبد الكريم لعموري، بتشديد الإجراءات التنظيمية والرقابية على تنظيم الرحلات لفائدة المصطافين الوافدين من مختلف ولايات الوطن، خاصة الجانب المتعلق بحيازة تراخيص الوكالات السياحية الناشطة في نقل المصطافين للشواطئ والولايات الساحلية.

وشدد لعموري، خلال اجتماع المجلس التنفيذي للولاية، على ضرورة متابعة عدد الرحلات والركاب ومدى احترام التنظيمات المعمول بها وضمان التقيد الصارم بالقوانين السارية، بما يكفل سلامة المواطنين وحسن سير النشاط السياحي، مع برمجة خرجات ميدانية تفتيشية مشتركة لمصالح مديرية السياحة والنقل بمرافقة الشرطة والدرك الوطني.

تداعيات الفواجع المرورية وضرورة التفتيش الميداني الصارم

وبناءً على هذه التطورات الميدانية، يأتي التأكيد على متابعة نشاط الرحلات السياحية المنظمة من وإلى عنابة، والتي تشهد ذروتها خلال شهر أوت المتزامن مع موسم الاصطياف، خاصة في ظل تزايد حوادث المرور المأساوية، على غرار حادث انقلاب الحافلة الأليم الذي وقع في بومرداس، والذي أودى بحياة 28 شخصاً وأسفر عن إصابة آخرين، نتيجة لانقلاب حافلة كان على متنها مصطافون قادمون من مدينة العلمة بولاية سطيف في رحلة استجمام، وهو ما استدعى زيادة الرقابة والتفتيش بهدف حماية المواطنين والأرواح.

كما تتابع مصالح مديرية السياحة بالتنسيق مع المصالح الأمنية، عمليات الترويج للرحلات السياحية عبر منصات التواصل الاجتماعي وكذا المجموعات وحتى الجمعيات، لتنظيم رحلات سياحية بطرق غير قانونية خارج الأطر التنظيمية المعمول بها في ترويج للخدمات السياحية لفائدة الجمهور وتعريض حياة المواطنين للخطر دون وجود غطاء قانوني يحميهم أثناء التنقل.

ومن هذا المنظور التنظيمي، اتخذت مديرية السياحة لولاية عنابة إجراءاتها للتبليغ عن التجاوزات التي يقوم بها الأشخاص الذين يقومون بتنظيم رحلات سياحية مدفوعة باتجاه ولاية عنابة أو الوجهات الأخرى، دون إبرام عقد سفر يضمن الحقوق والواجبات للطرفين.

ردع المخالفات القانونية وحماية مستهلكي الخدمات السياحية

ونتيجة لتزايد الخروقات التحريرية والتنفيذية، استدعت مصالح الولاية، في وقت سابق، مسيري جمعيات تعمل على تنظيم الرحلات السياحية وإرسال إعذارات تحت طائلة سحب الاعتماد ومنعهم من النشاط، وأسفرت الخرجات الميدانية التي شرعت فيها مديرية السياحة بالتنسيق مع مصالح مديرية التجارة وكذا الأمن، في الفترة الماضية، عن توقيف عدد من الحافلات على متنها أشخاص في إطار السياحة الداخلية وهم بصدد أخذ عدة وجهات دون حيازة منظمي الرحلات على أي ترخيص بالنشاط أو عقود سفر مبرمة مع الزبائن.

كما أن أغلب الرحلات المنظمة يشرف عليها مُسيرو صفحات شبكة “فايسبوك”، تروّج لوجهات سياحية مختلفة، ما أظهر احتجاج المواطنين عن بعض الرحلات لعدم التزامها بالبرامج المعلنة، بالإضافة إلى تركهم بمواقع الانطلاق أو العودة دون حضور الحافلات.

وتشير مديرية السياحة إلى تحوّل التراخيص التي تمنح للقيام برحلات سياحية مجانية تنظمها جمعيات بشكل تطوعي لفائدة منتسبيها وفئات اجتماعية مختلفة، إلى نشاط تجاري تُجنى من ورائه أموال، دون صفة قانونية.

آليات الإدماج الإداري وحماية الوكالات السياحية النظامية

وبناءً على هذه المعطيات الرقمية والرقابية، دعت المديرية منظمي الرحلات السياحية الداخلية وكذا أصحاب الصفحات الرقمية، إلى التقدم لدى مصالحها للحصول على اعتماد إنشاء وكالات سياحية وفقاً للتسهيلات الجديدة التي تسمح لهم بالعمل بشكل قانوني ومنظم، بما يخدم القطاع وكذا حماية وضماناً لراحة الزبون سواء كان سائحاً أجنبياً أو زائراً محلياً.

ومن جهتها، قدمت الوكالات السياحية عبر ممثليها شكاوى حول التجاوزات الحاصلة بتنظيم رحلات سياحية بطريقة فوضوية وغير شرعية دون وجود عقود للسفر، حيث أوضح ملاك وكالات سياحية أن نشاطهم ازداد تضرراً بسبب العمل غير القانوني لجمعيات وكذا أصحاب الصفحات الرقمية، في حين يتحملون أعباء سنوية كبيرة على عاتقهم، منها التصريح لدى صناديق الضمان الاجتماعي وغيرها من المصاريف كأجور العمال.

وأفاد صاحب الوكالة السياحية محمد صلاح بأن المرحلة الحالية تستدعي وضع خطة أمنية سياحية متكاملة، تقوم على تعزيز الرقابة على منظمي الرحلات، وتكريس ثقافة السلامة لدى مختلف المتدخلين، بما يضمن حماية المواطنين أثناء تنقلاتهم السياحية.

استراتيجيات التوازن بين القدرة الشرائية وجودة الخدمات

وتستلزم المعالجة الشاملة لخطر الأنشطة الفوضوية عدم الاكتفاء بالجانب الردعي والأمني، ولكن الامتداد لإعادة تقييم هيكلة أسعار الخدمات السياحية المقدمة من قبل الوكالات النظامية، إذ ينزع المواطن بسيط الدخل نحو الحلول الرقمية الموازية نتيجة الارتفاع القياسي لتكاليف الإقامة والنقل والإطعام بالمؤسسات الفندقية والقرى السياحية المصنفة.

ويتطلب الارتقاء بالسياحة الداخلية صياغة استراتيجية تسعيرية مرنة تشجع السياحة العائلية الجماعية، وتتيح للوكالات المعتمة تقديم عروض تنافسية تناسب القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة، ما يسحب البساط من تحت أقدام السماسرة غير الشرعيين.

ودعا الخبير محمد صلاح إلى اعتماد شعار “سياحة وسلامة” كمرجعية للعمل الميداني، بما يحقق التوازن بين تنشيط الحركة السياحية والحفاظ على أمن وسلامة السياح.

ويظل تفعيل هذا المفهوم رهيناً بتشديد الرقابة الميدانية، وتوفير البدائل التنظيمية ذات الجودة، وترسيخ الوعي لدى المواطن بأهمية التعاقد الرسمي، لضمان تحويل موسم الاصطياف إلى تجربة ترفيهية آمنة تصون الأرواح وتدعم الاقتصاد الوطني.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"