الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الرقمنة الدوائية في الجزائر.. نظام ذكي لتعزيز الأمن الصحي وضبط السوق الوطنية

Author
إيمان عبروس 13 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تخوض الرقمنة الدوائية في الجزائر خلال السنوات الأخيرة تسارعًا ملحوظًا في وتيرة التحول نحو الإدارة الرقمية داخل القطاعات الحيوية، في إطار رؤية حكومية ترمي إلى إرساء منظومة تسيير أكثر دقة وشفافية ونجاعة. ويُعدّ قطاع الصناعة الصيدلانية من أبرز المجالات التي باشرت السلطات العمومية إعادة هيكلتها رقمياً، من خلال إطلاق مشروع نظام معلوماتي متكامل لمتابعة تموين السوق الوطنية بالأدوية، تنفيذًا لتوجيهات الوزير الأول الهادفة إلى تعزيز مراقبة المخزونات وضمان وفرة المنتجات الصيدلانية عبر كامل التراب الوطني.

ويأتي هذا المشروع في ظرف يشهد فيه السوق الدوائي الجزائري توسعا متواصلا، مع ارتفاع حجم الطلب الداخلي وتزايد الحاجة إلى آليات استباقية تمنع الاختلالات المرتبطة بالندرة أو سوء التوزيع أو المضاربة. كما يعكس التوجه الجديد انتقال الدولة نحو نموذج يعتمد على البيانات الدقيقة في صناعة القرار، خاصة في القطاعات المرتبطة بالأمن الصحي والسيادة الوطنية.

بنية رقمية جديدة لمراقبة سلسلة الدواء

أكد البروفيسور حسن دراري، الخبير في مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعي وأستاذ بالمدرسة العليا للماناجمنت، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن المشروع يمثل خطوة استراتيجية في مسار تحديث آليات الحوكمة داخل القطاع الصيدلاني، باعتباره يؤسس لنظام وطني قادر على تتبع مسار الدواء منذ مرحلة الإنتاج أو الاستيراد وصولا إلى المستهلك النهائي.

وأوضح الخبير أن الجزائر أصبحت تمتلك اليوم أرضية تقنية تسمح ببناء منظومة مراقبة فعالة، خاصة بعد إطلاق عدد من المشاريع المهيكلة التي أشرفت عليها المحافظة السامية للرقمنة، وفي مقدمتها مركز البيانات الحكومي الذي يوفر بيئة موحدة وآمنة لمعالجة المعطيات الوطنية، إضافة إلى شبكة الربط البيني التي تضمن تدفق المعلومات بين مختلف الهيئات والمؤسسات المعنية، من وزارات ومخابر ومستشفيات وصيدليات.

ويرى حسن دراري أن نجاح أي نظام معلوماتي وطني يرتبط بمدى قدرة المؤسسات على تبادل البيانات وفق معايير موحدة، وهو ما يعرف بالتشغيل البيني، معتبرا أن توحيد لغة البيانات بين القطاعات المختلفة يمنح الإدارة قدرة أكبر على التتبع والتحليل واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

سوق دوائي متنامٍ وحاجة متزايدة للرقابة الذكية

بحسب المعطيات التي استند إليها البروفيسور حسن دراري، فإن سوق توزيع الأدوية في الجزائر قُدّر بأكثر من 159 مليون دولار خلال سنة 2024، مع توقعات بتجاوزه 324 مليون دولار بحلول 2032، بمعدل نمو سنوي يصل إلى 8,66 بالمائة، وهو ما يفرض تطوير أدوات مراقبة أكثر دقة لمتابعة حركة المنتجات الصيدلانية وضبط التموين.

وفي هذا الإطار، أشار إلى أن النظام الجديد يسمح بتوفير قراءة آنية لحركة المخزونات، ويساعد السلطات العمومية على التدخل السريع عند تسجيل أي اضطراب في التموين، خاصة مع اعتماد التصريح الدوري بالمخزونات وإدماج مختلف المتدخلين ضمن منصة موحدة.

كما شدد على أن فعالية هذه المنظومة تبقى مرتبطة بجودة البيانات المصرح بها، لأن أي خلل في إدخال المعطيات ينعكس مباشرة على دقة التحليل ونجاعة القرارات المتخذة على أساسها.

الجيل الخامس واتصالات أسرع لتتبع فوري

وفي الجانب المتعلق بالبنية التحتية للاتصالات، أوضح الخبير أن نجاح المنصة الرقمية يتطلب شبكة اتصال مستقرة وعالية السرعة تسمح بإرسال البيانات بشكل متواصل من الصيدليات والمخازن والمستشفيات نحو النظام المركزي.

وأشار إلى أن الجهود التي تبذلها وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية لتوسيع تغطية الألياف البصرية وتحسين جودة الإنترنت، توفر بيئة ملائمة لتشغيل هذه المنظومة بكفاءة أكبر، خاصة مع اقتراب إطلاق شبكة الجيل الخامس في الجزائر.

ويرى دراري أن تكنولوجيا 5G ستمنح المشروع بعدا أكثر تطورا، من خلال تقليص زمن الاستجابة وإتاحة التتبع الفوري لشحنات الأدوية، بما يسمح بمراقبة حركة المنتجات الصيدلانية بشكل لحظي عبر مختلف مراحل التوزيع.

الأمن السيبراني وجودة البيانات.. التحدي الحقيقي

من جانبه، أكد جلال بو عبد الله، الخبير في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن إنشاء منصة رقمية يمثل خطوة مهمة ضمن مشروع الحوكمة الحديثة، غير أن فعالية أي منظومة تعتمد أساسا على جودة البيانات وكيفية إدارتها وحمايتها.

وأوضح الخبير أن الحوكمة الرقمية تشمل تحديد المسؤوليات المتعلقة بإنتاج المعطيات وتحيينها واستعمالها، إلى جانب وضع آليات واضحة للمساءلة عند تسجيل أخطاء أو معلومات غير دقيقة، معتبرا أن نجاح المشروع يرتبط بالانتقال من مجرد جمع البيانات إلى بناء منظومة متكاملة لصناعة القرار.

وأضاف أن المشروع الحالي يتميز بإشراك عدة مؤسسات وهيئات ضمن الاجتماع التنسيقي، على غرار وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية والديوان الوطني للإحصائيات ومصالح الأمن، وهو ما يعكس توجها نحو إدماج البعد السيبراني والإحصائي منذ مرحلة التصميم.

تجارب سابقة ودروس مطروحة

وأشار الخبير في الأمن السيبراني إلى أن القطاع الصيدلاني عرف، خلال السنوات الماضية، عددا من المنصات الرقمية الخاصة بالتصريح والتتبع، غير أن استمرار اضطرابات التموين كشف عن وجود نقائص مرتبطة أساسا بضعف الربط بين المنظومات المختلفة وتفاوت جودة البيانات وغياب آليات صارمة للمراقبة والمتابعة.

وفي هذا السياق، شدد بوعبد الله على أهمية اعتماد معايير مفتوحة للتشغيل البيني تسمح بربط مختلف الأنظمة الموجودة حاليا، سواء التابعة للصيدلية المركزية للمستشفيات أو الوكالة الوطنية للمواد الصيدلانية أو هيئات الضمان الاجتماعي، بما يضمن تدفقا موحدا للمعطيات دون عراقيل تقنية.

كما دعا إلى تطوير النظام تدريجيا نحو نماذج تعتمد على التدفق الآلي للبيانات مباشرة من وحدات الإنتاج والاستيراد، بهدف الوصول إلى مراقبة آنية حقيقية بعيدا عن التصريحات اليدوية الدورية.

إطار قانوني جديد لحماية البيانات الصحية

وفي الجانب التشريعي، أوضح المتحدث أن القانون 25-11 المعدل والمتمم للقانون 18-07 وضع مجموعة من الالتزامات الجديدة المتعلقة بحماية البيانات الشخصية، من بينها تعيين مفوض لحماية المعطيات وإعداد سجل للمراجعة والتصريح بأي اختراق خلال آجال محددة.

ويرى المتحدث أن البيانات المرتبطة بالأدوية تتقاطع بشكل مباشر مع المعطيات الصحية الحساسة، ما يفرض تنسيقا دائما مع السلطة الوطنية لحماية المعطيات وضمان احترام المعايير القانونية المتعلقة بسرية المعلومات.

كما شدد على أهمية نشر مؤشرات دورية لقياس أداء المنصة وإخضاعها لرقابة مؤسساتية ومجتمعية، بما يعزز الثقة في المنظومة ويرفع من مستوى الشفافية.

نحو نموذج جزائري للحوكمة الصحية الرقمية

يتجه مشروع الرقمنة الدوائية في الجزائر إلى أداء دور محوري في تعزيز الأمن الصحي وتحسين مراقبة السوق الوطنية، خاصة في ظل ارتفاع قدرات الإنتاج المحلي وتوسع الاستثمارات في الصناعة الصيدلانية، حيث تجاوزت نسبة تغطية الاحتياجات الوطنية 80 بالمائة بفضل نشاط أكثر من 230 مؤسسة منتجة.

وتؤكد المعطيات التي قدمها الخبراء أن نجاح هذا المسار يرتبط بتكامل عدة عناصر، تشمل البنية التحتية الرقمية، وجودة الاتصالات، والأمن السيبراني، والتشغيل البيني، إضافة إلى توفر كفاءات بشرية قادرة على إدارة المنظومة ومرافقتها ميدانيا.

وفي حال استكمال هذه الشروط، يمكن للجزائر أن تؤسس لنموذج إقليمي متقدم في حوكمة القطاع الصحي رقميا، عبر منظومة تضمن تتبع مسار الدواء بدقة، وتعزز قدرة الدولة على التدخل السريع، وتدعم استقرار السوق الوطنية على المدى الطويل.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.