الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الروائي والقاص مراد غزال لـ”الأيام نيوز”: منصة ”الكاتب الصغير” رهان على حماية المخيال

Author
هارون عمري 18 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في زمن تزدحم فيه الشاشات بالمنتجات الرقمية الوافدة، وتتراجع أمامه مساحات التعبير الأصيل لدى الأجيال الصاعدة، يبرز الرهان على تحصين المخيال الجمعي للناشئة كواحدة من أدق القضايا التربوية والثقافية إلحاحاً، انطلقت تجربة الكاتب والمدرب مراد غزال من الميدان لتواجه مظاهر الاغتراب الثقافي، متدرجة من ورشات الكتابة التفاعلية في ولايات الوطن إلى تأسيس منصة “الكاتب الصغير” كفضاء عربي متخصص يُعيد الاعتبار للذاكرة المحلية، ويرتقي بملكة السرد لدى الطفل.  ويناقش هذا الحوار مرتكزات مشروعه البيداغوجي، وتحديات الانتقال نحو البيئة الرقمية، وسبل حماية الهوية الوطنية عبر تمكين الأطفال من صناعة حكاياتهم الخاصة بأقلامهم.

ويُعدّ مراد غزال كاتباً وروائياً ومدرباً في تقنيات الكتابة الإبداعية والسرد الموجه للناشئة، راكم تجربة ميدانية انطلقت منذ عام 2018 من ولاية المغير لتشمل ورشاته التدريبية تسع ولايات وأكثر من 400 طفل، تُوّج مساره الميداني بإصدار عدة كتب جماعية توثق إنتاجات الورشات، قبل أن يطلق منصة “الكاتب الصغير” كأول مشروع رقمي عربي متخصص في تأطير مواهب الأطفال في فن القصة، مستنداً إلى منهج بيداغوجي وتأطير معتمد ضمن إطار المقاول الذاتي.

“الأيام نيوز”: صرّحتَ سابقاً بأن فكرة مشروع تدريب الأطفال انطلقت من قلقك تجاه ما أسميته “المخيال المعطوب والمعطل للطفل الجزائري” بفعل المنظومات الرقمية الوافدة والرسوم المتحركة البعيدة عن الهوية الوطنية، كيف تشخّص هذا العطب ميدانياً؟ وما هي الشرارة الأولى التي دفعتك لتحويل هذا القلق إلى مشروع عملي انطلق من مدينة المغير سنة 2018؟

مراد غزال: لمست ذلك المعطى ميدانياً في حالة الاغتراب الثقافي التي يعيشها الطفل، حيث بات يستورد مفرداته ورموزه وقيمه الأخلاقية من منتجات رقمية موجّهة لا تمت للمرجعية الوطنية ولا القيمية بصلة، ما أحدث حالة تلوث مفاهيمي أثرت في التنشئة الاجتماعية بمحيطه، وأدت إلى ضمور خياله المحلي وعجزه عن التعبير عن ذاته وما يحيط به.

أما الشرارة الأولى فكانت سنة 2018 بمدينة المغير، حين لاحظتُ أثناء احتكاكي بالمبدعين الصغار تفشي نمطية سردية هشة تُقلّد ما يُشاهد على الشاشات، فكان القرار بتحويل القلق إلى فعل ميداني يرمم هذا المخيال ويُعيد للطفل ثقته برصيده الحضاري والاجتماعي، وبدأت رحلة الورشات التدريبية لتتحوّل إلى هاجس معرفي يسعى لبناء قدرات الأطفال.

“الأيام نيوز”: في ورشاتك التدريبية، تشترط على الأطفال أن تنبع قصصهم من بيئتهم المحلية بالتركيز على العادات والتقاليد والذاكرة الشفهية، ما الفلسفة التربوية خلف هذا الشرط؟ وكيف توازن بين حماية عفوية قلم الطفل وتدخلك بالتنقيح والتعديل لتهيئتها للنشر؟

مراد غزال: الفلسفة التربوية من اشتراط الاستلهام من البيئة المحلية تكمن في غرس الطفل داخل تربته الثقافية، وتحويل ذاكرته الشفهية إلى أثر مكتوب يُعزز انتماءه، وينمي ملكة الحكي لديه للتعبير عن دواخله ورؤيته للأشياء من منظوره الخاص.

وبالنسبة لمسألة التوازن، فأنا أترك للطفل كامل الحرية في توليد الأفكار، ورسم الشخصيات، وصياغة الحبكة بلغته وانطباعاته الخاصة دون حجر على خياله، بينما يقتصر تدخلي كمدرب على الضبط اللغوي وتصحيح المسار السردي وتشذيب الصياغات دون المساس بروح النص أو معناه الأصيل، ليكون التعديل بمثابة صقل للموهبة وتشجيع للذات الكاتبة الصغيرة على الاحتفاء بمنجزها الإبداعي.

“الأيام نيوز”: نجحتَ في الانتقال بالمبادرة من ولاية المغير إلى أكثر من 9 ولايات وتدريب مئات الأطفال، كيف تقيّم تجربة تجسيد هذه الورشات في كتب مطبوعة؟ وما أثر رؤية اسم الطفل على غلاف كتاب في بناء شخصيته؟

مراد غزال: شكّلت تجربة تجميع أعمال الأطفال في إصدارات مطبوعة، على غرار كتب براعم المغير وبراعم مكتبة الشيخ بلحاج قشار، محطة مفصلية في هذا المسار، فرؤية الطفل لاسمه مطبوعاً على غلاف كتاب تحقق قفزة نوعية في بناء شخصيته، وتنقل موقعه من دائرة الاستهلاك السلبي للمحتوى إلى فضاء الإنتاج والإبداع، فضلاً عن تعزيز ثقته بنفسه واعتزازه بهويته ولغته، وترسيخ روح المبادرة والشعور بالمسؤولية والمواطنة الفاعلة لديه ولدى محيطه الأسري.

“الأيام نيوز”: توّجتَ هذا المسار الميداني بإطلاق منصة “الكاتب الصغير”، ما الذي أضافته البيئة الرقمية لمشروعك مقارنة بالورشات الميدانية المباشرة؟

مراد غزال: فتحت بيئة العمل الرقمية آفاقاً أوسع للمشروع، فمع الاحتفاظ بالخصوصية التربوية للورشات الميدانية التي تتيح القرب الإنساني المباشر من انفعالات الطفل تجاه الكتابة، نجحت المنصة في كسر الحواجز الجغرافية والوصول إلى أطفال المناطق البعيدة، إلى جانب إتاحة المحتوى التعليمي والتمارين في أوقات مرنة تناسب الالتزامات الدراسية، ودمج الوسائط التفاعلية والتقييمات المستمرة بما يجعل تجربة التعلم ممارسة ممتعة ومحفزة.

“الأيام نيوز”: تستهدف المنصة الفئة العمرية بين 10 و15 سنة بالاعتماد على التعليم عن بعد، كيف صمّمتَ هذا المنهج ليلائم هذه الفئة تحديداً ويضبط تقنيات السرد دون إثارة الملل؟

مراد غزال: صُمم المنهج وفق خصائص النمو النفسي والمعرفي لهذه الفئة العمرية التي تميل إلى الاستكشاف والبحث عن أسلوبها الخاص، واعتمدنا على التدرج عبر تقديم وحدات تعليمية مكثفة تركز على تقنية محددة في كل مرحلة، بدءاً من بناء الشخصية وإدارة الحوار وصولاً إلى تطوير حبكة التأزم، مدعومة بتطبيقات كتابية فورية وممتعة، إضافة إلى مرافقة التجربة بدراسات قائمة على الملاحظة بمشاركة الأولياء لتقييم تفاعل الطفل مع أدوات التعلم الإلكتروني.


“الأيام نيوز”: تتضمن آلية المنصة طباعة كراسات خاصة بالمشاركين الذين يتمون البرنامج بنجاح، ما هي معاييرك في التعامل مع هذه النصوص؟ وهل تقتصر المشاركات على الداخل الجزائري فقط؟

مراد غزال: تُطبع النصوص التي ينجزها المشاركون في كتيب جامع يوثق تجربتهم، فالهدف الأساسي ليس صناعة كتّاب محترفين في فترة وجيزة، وإنما غرس قيمة التعبير والكتابة في مخيالهم، لتكون هذه المطبوعات التذكارية حافزاً يرافق الناشئة نحو المستقبل، كما أن المنصة صُممت لتتسع لجميع المواهب في العالم العربي، سعياً لخلق مساحة تفاعلية تبني جسور التواصل وتسهم في إثراء الذاكرة الثقافية المشتركة.

يتحقق الأمن الثقافي بامتلاك الأدوات الرقمية الحديثة وحسن توجيهها

“الأيام نيوز”: تركز دائماً على مفهوم الأمن الثقافي للناشئة، كيف توظف المنصة أدوات العصر لحماية الهوية وتحصين الأطفال ضد التغريب؟

مراد غزال: يتحقق الأمن الثقافي بامتلاك الأدوات الرقمية الحديثة وحسن توجيهها، وتعمل المنصة على توظيف التكنولوجيا كجدار حماية معرفي عبر إنتاج محتوى جذاب يرسخ قيم الانتماء والأصالة من خلال القصص التي يبدعها الأطفال، وتحويل الوسائط الرقمية إلى أداة فعالة للتعبير عن الهوية والبيئة الوطنية.

“الأيام نيوز”: واجهت مشاريع أدب الطفل صعوبات تتعلق بتمويل المبادرات الثقافية، ما أبرز العقبات اللوجستية التي اعترضتك؟ وكيف تجاوزتها؟

مراد غزال: ارتبطت الصعوبات الأولى بنقص الدعم المؤسساتي والنظرة القاصرة لبعض الجهات تجاه النشاط الثقافي، وتجاوزنا تلك المرحلة بالاعتماد على الإمكانات الذاتية والمبادرات التطوعية، مع الاستفادة من دعم الفاعلين في مدينة المغير والشراكات مع قطاع الثقافة لتوفير الفضاءات، وصولاً إلى هيكلة المشروع ضمن إطار المقاول الذاتي، وهو ما منح المنصة استقلالية ونموذج عمل مستدام.

“الأيام نيوز”: ما هي رؤيتك لمستقبل “الكاتب الصغير”؟ وما رسالتك للمؤسسات المعنية بقطاعي التربية والثقافة لتبني هذه المبادرة؟

مراد غزال: تتجه الرؤية المستقبلية نحو فتح مسارات تخصصية جديدة في الكتابة الإبداعية، وتطوير برامج موجهة للمربين والمعلمين، وأؤكد هنا أن الاستثمار في مخيال الطفل يمثل ركيزة للأمن الثقافي، وتوسيع نطاق هذه البرامج عبر المدارس والمؤسسات الثقافية يعد ضرورة منهجية لتنشئة جيل قادر على امتلاك أدوات التعبير والمساهمة في بناء المشهد المعرفي بوعي واقتدار.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"