الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
فسيفساء

قراءة في “وشم على الريح” للأديبة إيمان عنان


إيمان عنان، قاصة وروائية، تحظى الكاتبة بحضور نقابي ومهني في الأوساط الأدبية وصناعة النشر؛ فهي عضو في اتحاد كتاب مصر، وعضو في اتحاد الناشرين المصريين، وهي مؤسس ورئيس مجلس الإدارة لـ”دار دُرة الشرق للنشر والتوزيع” التي صدرت عنها هذه الرواية.

وإلى جانب رواية “وشم على الريح” (الصادرة في طبعتها الأولى عام 2024م)، هناك أعمال وإنجازات أدبية أخرى للكاتبة حصدتْ من خلالها جوائز مرموقة، وهي:

المجموعة القصصية “كنتُ لك”: والتي توجت الكاتبة بسببها بـ جائزة “د. حسن البنداري” المقدمة من اتحاد كتاب مصر في عام 2021م.

قصة “ليل السقوط”: والتي حصلت عنها الكاتبة على جائزة الروائي الكبير “إحسان عبد القدوس” في عام 2023.

إيمان عنان، قاصة وروائية

رواية “وشم على الريح” للكاتبة “إيمان عنان”، عمل أدبي يغوص في تعقيدات العلاقات الإنسانية والذاكرة المثقلة بالفقد، وتتناول الرواية صراعات الشخصيات مع المرض النفسي، والروابط الأسرية المتوترة، وأثر الأحداث السياسية والاجتماعية على مصائر الأفراد في المجتمع المصري، وتبرز في طيات السرد شخصيات نسائية مثل “سلافة” و”أوشة”، حيث تمتزج الحكايا بين ألم الخيانة والوحدة وبين محاولات التمسك بالأمل والحب، وتعكس الرواية أيضًا قضايا واقعية من خلال دمج وقائع حقيقية ضمن نسيجها الدرامي، مما يضفي عليها طابعًا واقعيًّا نقديا.

عنوان الرواية ودلالته الرمزية

يحمل عنوان الرواية “وشم على الريح” دلالة رمزية عميقة ومفارقة بلاغية تعكس التناقض الجوهري الذي تعيشه شخصيات الرواية، ويُعد تلخيصًا مكثفًا للصراعات العاطفية والسياسية التي تدور حولها الأحداث، وتتجلى رمزيته من خلال تفكيك طرفي العنوان:

الوشم (رمز الثبات والأثر العميق): يُشير “الوشم” بطبيعته إلى الأثر الدائم الذي يُحفر في الجسد ولا يُمحى بسهولة، وهو يرمز في الرواية إلى الأشياء العميقة التي تحاول الشخصيات التمسك بها وخلقها، مثل الحب الأبدي الراسخ بين “سلافة” و”إياد”، والذكريات الثابتة، والبحث عن الاستقرار وسط فوضى الحياة.

الريح (رمز التبدل والزوال): تُمثل “الريح” حالة عدم الاستقرار، والسرعة، والتقلبات العاصفة التي تقتلع الأشياء من جذورها ولا تستقر على حال، وتعكس الريح في الرواية التغيرات السياسية العنيفة (ثورة 25 يناير وما تلاها)، وتقلبات المشاعر الإنسانية، وصدمات الفقد، والموت، والخيانة التي تعصف بحياة الأبطال.

العبثية والمفارقة في العنوان

الجمع بين الكلمتين يخلق صورة فنية قوية شبه مستحيلة؛ فمحاولة رسم “وشم” (شيء ثابت ودائم) على “الريح” (هواء عابر ومتحرك) تعبر عن الجهد الضائع والمحاولات اليائسة للحفاظ على الأحلام والعلاقات في بيئة مضطربة لا تدعم البقاء، يعكس هذا المجاز كيف تضيع آمال شخصيات الرواية وتتلاشى وسط عواصف التغيير، فتصبح محاولاتهم للنجاة كمَنْ ينقش رسمًا على الهواء.

ارتباط العنوان بأحداث وشخصيات الرواية

هشاشة المصير الفردي: يظهر هذا الصراع بوضوح في إحساس الشخصيات بالضياع أمام أقدارهم، حيث تعبر “سلافة” عن حالة التخبط والوحدة التي شعرت بها بعد سفر والدها وتشتت أسرتها واصفة نفسها بأنَّها ريشة في مهب العاصفة قائلة: “أنا في مهب الريح تطيح بي وتفعل بي ما تشاء”.

تحدي عواصف الحب والواقع: رغم قسوة الظروف، تحاول شخصيات الرواية تحدي هذا التلاشي الحتمي، فيصف السرد مشاعر العشق بمحاولة الإبحار وتحدي العواصف: “لا نخشى من بطش الموج أو عناد الريح”.

عاصفة الوطن (الثورة): تمثل ثورة 25 يناير/ جانفي ومظاهرات ميدان التحرير، وما رافقها من قمع وقطع للاتصالات وسقوط للشهداء، “الريح” العاتية التي هبتْ على المجتمع المصري، هذه الريح السياسية اقتلعتْ معها أرواحًا شابة مثل “عماد”، وغيرتْ مصائر شخصيات مثل “إياد” الذي واجه ضغوطًا قاسية كضابط شرطة، مما جعل الحب والأحلام الشخصية (الوشم) تتمزق أمام الحدث العام العاصف.

وبهذا، يختزل العنوان فلسفة الرواية المتمثلة في هشاشة الوجود الإنساني، موضحًا كيف أنَّ أقوى المشاعر وأكثرها ثباتًا قد تتبدد إذا ما وُضعتْ في مواجهة رياح الأقدار والتغيرات العاصفة.

أحداث الرواية

تدور أحداث رواية “وشم على الريح” للكاتبة إيمان عنان حول شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية والعاطفية التي تتشابك مع التغيرات السياسية والاجتماعية العميقة في مصر، وتحديدًا خلال فترة ثورة 25 يناير 2011، وتتنقل الرواية بين أصوات شخصيات متعددة، لترسم صورة مفصلة عن الحب، والخيانة، والفقد، وتأثير الوطن على مصائر أفراده.

أهم أحداث وخطوط الرواية

1 ـ قصة سلافة وإياد (صراع الحب والانقسام):

النشأة والارتباط: “سلافة” هي إحدى الشخصيات الرئيسية، تعيش مع جدتها لأمها “أوشة” بعد انفصال والديها، حيث كانت أمها عصبية المزاج بينما والدها طبيب هادئ، وترتبط سلافة بقصة حب عميقة منذ الطفولة والمراهقة بـ”إياد”، وهو شاب فقد والده المهندس “نبيل” في سن مبكرة وتعلقتْ به والدته “علياء” بشدة.

التباعد المهني والسياسي: يلتحق إياد بكلية الشرطة بناءً على رغبة والدته وتحقيقًا لطموحها، ومع اندلاع ثورة 25 يناير، يجد إياد نفسه كضابط شرطة في قلب العاصفة، حيث تتصاعد حالة الاحتقان بين الشرطة والمتظاهرين، ويتعرض لضغوط نفسية ومهنية كبيرة خوفًا من استهدافه، وفي المقابل، تتعاطف سلافة مع الثورة، مما يخلق فجوة فكرية وعاطفية بينهما، وتتصاعد الخلافات بسبب تمسك إياد بموقفه ورفضه للفوضى التي أحدثتها الثورة من وجهة نظره.

2 ـ مأساة عماد ويسرا (جيل الثورة والتضحية):

يسرا الناشطة: يسرا هي صديقة وجارة لسلافة، وتعمل كصحفية وناشطة سياسية في مجال حقوق الإنسان، وتنخرط يسرا بشدة في التظاهرات والاعتصامات في ميدان التحرير.

استشهاد عماد: “عماد” هو شاب يدرس في كلية الفنون الجميلة، ومفعم بالحياة ومحب للرسم والفن، ويرتبط بقصة حب مع زميلته “سيلفيا”، ويشارك عماد في أحداث الثورة بقوة، لكن الرواية تصل إلى منعطف مأساوي حين يُستشهد عماد إثر إصابته برصاصة في رأسه خلال المظاهرات، مما يترك جرحًا عميقًا وانهيارًا تامًّا لوالدته وصديقته سيلفيا، ويدفع يسرا إلى نوبات من البكاء والغضب العارم.

3 ـ خيانة هاشم وكفاح مديحة:

صعود مديحة: تقدم الرواية خطًّا دراميًّا آخر لامرأة تُدعى “مديحة”، التي نشأتْ في قرية بسيطة وعانتْ من اليُتم والفقر، لكنها كافحتْ حتى أسستْ ورشة لصناعة الأثاث تطورتْ لتصبح مشروعًا ضخمًا وناجحًا.

الخيانة الزوجية: تتزوج مديحة من “هاشم” (وهو مهندس ديكور)، لكنها تكتشف خياناته المتكررة، حيث يتورط هاشم في علاقة سرية مع “عزة”، زوجة صديقهما “خليل”، وتكتشف مديحة هذه الخيانة عبر تفتيش هاتف هاشم وقراءة رسائله مع عزة، ولا يتوقف هاشم عند هذا الحد، بل يدخل في علاقة أخرى مع فتاة تصغره سنًّا تُدعى “نجاة”، مما يدخل مديحة في دوامة من الألم والصراع للحفاظ على أسرتها وحقوقها.

4 ـ أسرار علياء (والدة إياد):

بعد وفاة زوجها الأول “نبيل”، تكرس علياء حياتها لابنها إياد، وترفض الزواج لفترة طويلة لتربيته، ولكن مع مرور السنوات، تتزوج علياء سرًّا من رجل يُدعى “سليم”، وتخفي هذا الزواج عن ابنها إياد خوفًا من ردة فعله، مما يجعلها تعيش في صراع نفسي مستمر ومشاعر مختلطة بالذنب.

5 ـ تقارب الدكتور شريف وسلافة:

خلال دراستها وعملها، تتقارب سلافة مع أستاذها الجامعي “الدكتور شريف”، الذي يجري عملية قلب مفتوح وتقوم بزيارته والاطمئنان عليه، وتتوطد العلاقة بينهما تدريجيًّا، ويبدأ الدكتور شريف في التلميح ثم التصريح بمشاعره تجاه سلافة، متمنيًّا أنْ يبدأ معها حياة جديدة، وهذا يضع سلافة في حيرة ومفترق طرق بين حبها القديم والمعقد لإياد، وبين مشاعر الدكتور شريف الهادئة.

تربط الرواية بين الهم العام (الثورة، والانفلات الأمني، ودماء الشهداء) والهم الخاص (الخيانة الزوجية، والحب الضائع، والأسرار العائلية)، وتُظهر كيف تكسرتْ أحلام جيل بأكمله على أرصفة السياسة وكيف تغيرتْ النفوس والمصائر بعد الأحداث العاصفة التي مرت بها مصر.

شخصيات الرواية

تزخر رواية “وشم على الريح” بمجموعة متنوعة من الشخصيات التي تعكس أطيافًا مختلفة من المجتمع المصري، وتتقاطع مصائرهم في ظل أحداث ثورة 25 يناير وما رافقها من تقلبات اجتماعية وسياسية، ويمكن تقسيم شخصيات الرواية إلى شخصيات رئيسة تلعب الدور المحوري في تحريك الأحداث، وشخصيات هامشية أو ثانوية تكمل النسيج الدرامي:

أولاً: الشخصيات الرئيسة

1 ـ سلافة: هي إحدى بطلات الرواية والراوية في العديد من فصولها، فتاة عاطفية وحساسة، عاشت طفولة مشتتة بعد انفصال والديها، وانتقلتْ للعيش مع جدتها لأمها “أوشة” منذ كانتْ في الخامسة عشرة من عمرها. ترتبط بقصة حب قوية وعميقة منذ الطفولة بـ”إياد”، وتتسم شخصيتها بالوفاء الشديد لهذا الحب رغم ما يعتريه من تقلبات وصراعات، خاصة مع اختلاف توجهاتهما إبان الثورة، وتقع في حيرة لاحقًا بين حبها القديم لإياد ومشاعر أستاذها الجامعي الدكتور شريف.

2 ـ إياد: ضابط شرطة (برتبة نقيب) وحبيب سلافة، يتيم الأب منذ صغره، وهو شاب جاد وعملي، التحق بكلية الشرطة تحقيقًا لرغبة والدته “علياء” التي تعلقتْ به بشدة، ويعاني إياد من ضغوط نفسية ومهنية هائلة خلال أحداث الثورة بسبب استهداف ضباط الشرطة، مما يجعله عصبيًّا ومحبطًا، ويخلق فجوة مؤقتة بينه وبين سلافة التي تتعاطف مع الثوار.

3 ـ علياء: والدة إياد، توفي زوجها الأول المهندس “نبيل” وهي في سن صغيرة، فكرستْ حياتها لتربية ابنها، وكانت تتدخل في خياراته لدرجة دفعه للالتحاق بكلية الشرطة، وتتسم شخصيتها بالغموض والأنانية في بعض الأحيان، حيث تكتشف الرواية لاحقًا أنها تزوجتْ سرًّا من رجل يُدعى “سليم” لسنوات طويلة وأخفتْ الأمر عن ابنها خوفًا من ردة فعله، مما وضعها في صراع نفسي مستمر.

4 ـ يسرا: صديقة سلافة وجارتها، وهي صحفية وناشطة سياسية في مجال حقوق الإنسان، شخصية قوية، متمردة، ومندفعة، تؤمن بالثورة وتشارك بقوة في اعتصامات ميدان التحرير، وتتعرض لصدمة نفسية قاسية وانهيار بعد استشهاد صديقها “عماد” في المظاهرات.

5 ـ مديحة: تمثل قصة كفاح لامرأة عصامية، نشأتْ يتيمة فقيرة في قرية بمحافظة المنيا، لكنها تمكنتْ بجهدها من تأسيس ورشة صغيرة لصناعة الأثاث، طورتها حتى أصبحتْ تمتلك معرضًا ضخمًا وناجحًا في القاهرة، ورغم نجاحها العملي، تعاني مديحة من مرض السكري والتهاب الأعصاب، وتعيش مأساة عاطفية إثر اكتشافها خيانة زوجها “هاشم” المتكررة لها.

6 ـ هاشم: زوج مديحة، يعمل مهندس ديكور. يتسم بالانتهازية ونكران الجميل، حيث استغل نجاح زوجته مديحة وأموالها، وبدلًا من دعمها في مرضها، يخونها مع أقرب صديقاتها “عزة”، ومع فتاة أخرى تصغره سناً تدعى “نجاة”.

7 ـ الدكتور شريف: أستاذ جامعي يدرّس لسلافة. رجل ناضج، هادئ، ومثقف، يخضع لعملية قلب مفتوح وتقوم سلافة بزيارته، لتنشأ بينهما علاقة إنسانية تتطور من جانبه إلى حب، وهو رجل مطلق، له ثلاثة أبناء، ويحاول التقرب من سلافة والارتباط بها، مقدمًا لها نموذجًا مختلفًا للحب الهادئ والمستقر مقارنة بعلاقتها العاصفة بإياد.

8 ـ عماد: شاب مفعم بالحياة، يدرس في كلية الفنون الجميلة ويرتبط بقصة حب مع زميلته “سيلفيا”، يمثل جيل الشباب الحالم بالتغيير، ينخرط في الثورة بحماس، لكنه يلقى مصيرًا مأساويًّا باستشهاده إثر إصابته برصاصة في الرأس، مما يشكل نقطة تحول حزينة في حياة مَنْ حوله.

ثانيا: الشخصيات الهامشية (الثانوية)

الجدة أوشة (عائشة): جدة سلافة لأمِّها، ذات أصول تركية وبشرة وردية جميلة، تتسم بالحنان والحكمة، وهي السند الحقيقي لسلافة التي ربتها واحتوتها بعد تشتتِ أسرتها.

والد ووالدة سلافة: يمثلان الجانب المفكك في حياة سلافة، والدتها امرأة عصبية المزاج ومهتمة بنفسها، تزوجتْ من رجل أعمال ثري (عصام) وتعيش في رفاهية بعيدًا عن ابنتها، أما والدها فهو طبيب هادئ الطباع، يتخلى عن مسؤولياته تجاهها بتزوجه من امرأة كندية (هيلين) وسفره للاستقرار في كندا.

سيلفيا: طالبة في الفنون الجميلة وحبيبة عماد، تنهار تمامًا بعد استشهاده.

نبيل: والد إياد الراحل، مهندس معماري وسيم توفي بأزمة قلبية في سن الخامسة والثلاثين، وظلتْ ذكراه حاضرة بقوة لدى زوجته علياء وابنه إياد.

خليل وعزة: أصدقاء مديحة وهاشم، “عزة” امرأة تهتم بمظهرها وعمليات التجميل، وهي التي تخون صديقتها مديحة وتقيم علاقة سرية مع زوجها هاشم.

سليم: الزوج السري لعلياء، والذي لجأتْ إليه ليعوضها عن وحدتها بعد وفاة زوجها الأول.

هايدي: زميلة دراسة لسلافة، تتقاطع معها صدفة، وتتسم بالميوعة والتودد المبالغ فيه لـ”إياد”، مما يثير غيرة سلافة وغضبها.

تقنيات السرد

تتميز البنية السردية في رواية “وشم على الريح” بالاعتماد على عدة تقنيات أدبية حديثة ومتنوعة لتقديم الأحداث والغوص في أعماق الشخصيات:

1 ـ تقنية تعدد الأصوات (البوليفونية): ابتعدت الرواية عن الاعتماد على “الراوي العليم” الأوحد الذي يسرد القصة من الخارج، واختارتْ بدلًا من ذلك تقنية تعدد الأصوات أو تناوب الرواة، فيُقسم السرد إلى فصول يحمل كل منها اسم الشخصية التي تتولى رواية الأحداث من منظورها ورؤيتها الخاصة، حيث نجد فصولًا معنونة بأسماء الشخصيات الرئيسية والثانوية مثل: “سلافة”، و”علياء”، و”هاشم”، و”عماد”، و”يسرا”، و”مديحة”، و”إياد”، و”خليل”، و”شريف”، ويمنح هذا التعدد القارئ فرصة ليكون مراقبًا شاملًا، حيث يرى الحدث الواحد من زوايا متباينة تعكس اختلافات الجيل والانتماءات الفكرية والاجتماعية.

2 ـ السرد بضمير المتكلم: تتكامل تقنية تعدد الأصوات مع استخدام السرد بضمير المتكلم (أنا) على لسان كل شخصية، مما يخلق حالة من البوح العاطفي المباشر، ويسمح هذا الضمير باختراق العوالم الداخلية للشخصيات، حيث تستخدمه “علياء” وهي تبوح بأسرارها لمرآتها التي تعتبرها صديقتها الوحيدة وحافظة أسرارها، كما تُعبر “سلافة” من خلاله عن حيرتها، وألمها، ووحدتها بشكل مباشر، بينما يستخدمه “هاشم” لتبرير أفعاله وموقفه من خلافاته الزوجية.

3 ـ الاسترجاع الزمني (الفلاش باك): لا يعتمد السرد على تسلسل زمني خطي، بل تكثر فيه تقنية الاسترجاع الزمني (الفلاش باك)، حيث تقطع الشخصيات لحظة الحاضر لتعود بذاكرتها إلى الماضي، ويساعد هذا الاسترجاع في بناء الخلفية النفسية والاجتماعية وتفسير مصائر الشخصيات، ومن أبرز أمثلة ذلك:

– استرجاع “مديحة” لذكريات يُتمها، وفقرها، ونشأتها في قرية “سنهوت” التابعة لمدينة منيا القمح بمحافظة الشرقية، وكيف شقتْ طريقها بإنشاء ورشة نجارة صغيرة.

– عودة “علياء” بذاكرتها إلى زواجها المبكر في سن السادسة عشرة من المهندس “نبيل”، وقصة حبهما التي انتهتْ بوفاته المفاجئة بأزمة قلبية.

– تذكُّر “سلافة” لطفولتها وانتقالها للعيش مع جدَّتها “أوشة” بعد انفصال والديها وتشتتْ أسرتها.

4 ـ المونولوج الداخلي والعمق النفسي: لجأتْ الكاتبة إلى تقنية المونولوج الداخلي (حديث النفس) لإظهار التناقضات والصراعات الداخلية التي تعتمل في نفوس الأبطال، تظهر هذه التقنية بوضوح في لحظات العزلة، كأن تتأمل “سلافة” مشاعرها أو تستعيد أفكارًا في صمتها، أو عندما تُحدث الشخصيات نفسها للتعبير عن الفقد والألم والتبرير.

5 ـ المشهدية والوصف الدقيق: تتميز الرواية باعتمادها على الوصف البصري والمكاني الدقيق الذي يضفي على السرد طابعًا سينمائيًّا مشهديًّا، فالأماكن في الرواية تتفاعل مع الأحداث وتنبض بها، ويتجلى ذلك بوضوح في النقل الحي لاحتشاد المتظاهرين، واللافتات، والمصادمات في “ميدان التحرير”، كما يبرز الوصف في رصد أجواء مستشفى الأمراض النفسية وحالة المريضات فيه، وكذلك في وصف حفلات دار الأوبرا والموسيقى وتفاصيل الحضور.

6 ـ الحوار (الداخلي والخارجي): يمثل الحوار أداة سردية حيوية تُحرك الأحداث للأمام وتبرز التباين الفكري بين الشخصيات، ويتنوع الحوار في الرواية بين الصدامات الكلامية والمواجهات العنيفة، مثل شجار “مديحة” وزوجها “هاشم”، والنقاشات السياسية الحادة التي تخوضها “يسرا” حول إسقاط النظام والمطالبة بالحقوق. وفي المقابل، نجد حوارات تتسم بالدفء والمحبة تسهم في التخفيف من حدة التوتر، كالحوارات العائلية بين “سلافة” وجدتها “أوشة”.

الزمان والمكان

يلعب الزمان والمكان دورا محوريا في رواية “وشم على الريح”، فهما ليسا مجرد إطار خلفي للأحداث، بل هما محركان أساسيان للصراع النفسي والاجتماعي الذي تعيشه الشخصيات.

أولاً: الزمان (فترة التحولات العاصفة)

تدور أحداث الرواية في فترة زمنية شديدة الدقة والتوتر من تاريخ مصر الحديث، وتحديدًا الفترة التي سبقت ورافقت ثورة 25 يناير 2011م، ويتجلى هذا الإطار الزمني بوضوح من خلال عدة إشارات وأحداث مفصلية:

الإرهاصات وبداية الغضب: ترصد الرواية الأحداث الممهدة للثورة، مثل حادثة مقتل الشاب “خالد سعيد” في منطقة سيدي جابر بالإسكندرية، والتي أثارت غضبًا واسعًا، كما تبرز حادثة “انفجار كنيسة القديسين” ليلة رأس السنة، وما خلفته من مشاهد مؤلمة وحزن عميق في الشارع المصري.

أيام الثورة (يناير 2011): تصف الرواية بوضوح انطلاق المظاهرات بالتزامن مع “عيد الشرطة”، كما توثق الرواية أحداث ما عُرف بـ “جمعة الغضب” يوم 28 يناير، حيث تتابع “سلافة” وجدتها عبر شاشات التلفاز مشاهد القمع والغاز المسيل للدموع، بالتزامن مع قطع السلطات لشبكات الإنترنت والاتصالات الخلوية.

تقنية الاسترجاع (الفلاش باك): لا تقتصر الرواية على الزمن الحاضر، بل تعود بالزمن لسنوات وعقود إلى الوراء لرسم الخلفية الدرامية للشخصيات، فنجد استرجاعًا لزمن طفولة “مديحة” وكفاحها قبل عشرين عامًا، وذكريات زواج “علياء” المبكر من والد “إياد” قبل سنوات طويلة.

ثانيا: المكان (جغرافيا التناقضات والطبقات)

تتنوع الأماكن في الرواية لتعكس التفاوت الطبقي والتنوع الثقافي، وتتركز معظم الأحداث في مصر، وتحديدًا في القاهرة، مع امتدادات لمدن ومحافظات أخرى:

1 ـ القاهرة الكبرى (مسرح الأحداث الرئيسي):

ميدان التحرير: يمثل القلب النابض للثورة والاعتصامات، حيث ترفع اللافتات وتهتف الحشود بإسقاط النظام، وتتواجد فيه شخصيات مثل “يسرا” و”عماد” و”سيلفيا”.

شارع شامبليون (وسط البلد): يقع على مقربة من ميدان التحرير، وفيه توجد البناية التي تسكن فيها “سلافة” مع جدتها “أوشة”.

حي الزمالك الراقي: يمثل هذا الحي تتويجاً لرحلة صعود “مديحة” وكفاحها، حيث تفتتح فيه معرضها الضخم للأثاث الذي يحضره صفوة المجتمع، كما تقصده سلافة وصديقاتها للجلوس في الكافيتريات.

مدينة الشيخ زايد: حيث تعيش والدة “سلافة” مع زوجها رجل الأعمال الثري في فيلا فاخرة، وهو مكان يعكس الرفاهية والعزلة عن معاناة الطبقات الأخرى.

دار الأوبرا المصرية: يمثل مساحة للرومانسية والفن بعيدًا عن صخب الشارع، حيث تحضر “سلافة” و”إياد” حفلًا غنائيًّا للفنان هاني شاكر.

المستشفيات والعيادات: تظهر المستشفيات كمحطات للألم والمواجهة؛ منها “مستشفى الشفاء التخصصي” حيث يُجري الدكتور “شريف” عملية جراحية وتزوره سلافة، وكذلك مستشفى الأمراض النفسية الذي تزوره سلافة وإياد وتصطدم فيه بقصص المريضات المأساوية، وهناك أيضًا “مستشفى السلام الدولي” بالمعادي الذي يُنقل إليه هاشم بعد تعرضه للضرب.

2 ـ الإسكندرية ومدن أخرى:

الإسكندرية: تحضر كمسرح لبعض الأحداث المهمة، مثل مقهى الإنترنت الذي ضُرب فيه “خالد سعيد”، وكنيسة القديسين التي تعرضتْ للانفجار.

الأقصر: مدينة الجذور والتاريخ، حيث يشارك الشاب “عماد” وزملاؤه من كلية الفنون الجميلة في رسم جداريات على كورنيش النيل لتجميل المدينة.

قرية “سنهوت” (منيا القمح – محافظة الشرقية): تمثل المكان القروي البسيط والمهمش، وهي القرية التي ولدتْ ونشأتْ فيها “مديحة” وسط الفقر واليتم قبل أنْ تشق طريقها نحو النجاح في العاصمة.

كما تتطرق الرواية بشكل هامشي إلى أماكن خارج مصر، مثل كندا التي يسافر إليها والد سلافة ليستقر مع زوجته الجديدة، مما يرمز إلى الهروب والتخلي عن المسؤوليات العائلية والوطنية.

اللغة والأسلوب

تتميز لغة الكاتبة “إيمان عنان” وأسلوبها في رواية “وشم على الريح” بالجمع بين الواقعية الاجتماعية والعمق النفسي، حيث اختارت قالبًا لغويا يخدم تقنية “تعدد الأصوات” (البوليفونية) التي بُنيت عليها الرواي، وهذ أبرز سمات اللغة والأسلوب في الرواية:

1 ـ لغة السرد: الفصحى الشاعرية والبوح النفسي

اعتمدت الكاتبة على اللغة العربية الفصحى كلغة سرد أساسية، وجاءتْ لغتها رصينة، وسلسة، ومفعمة بالشاعرية، وتبتعد اللغة عن التقريرية الجافة وتميل إلى التدفق العاطفي، خاصة وأنَّ السرد يعتمد على ضمير المتكلم (أنا)، مما يجعل النص يبدو وكأنه سلسلة من المذكرات أو البوح الداخلي والفضفضة.

وتتجلى هذه الشاعرية في الوصف النفسي الدقيق، مثل قول سلافة: “وسقطتْ من عيني عبرات حزينة وتملك الوجوم وجهي القمحي”، وقول علياء وهي تصف وحدتها: “تتخلل من بين أطرافي، أنا في غيابك بالية، ودونك تملؤني الثقوب”.

2 ـ الحوار: الاعتماد على الفصحى بدلًا من العامية

من الملاحظ أسلوبيًّا أنَّ الكاتبة اختارت أنْ تصوغ الحوارات بين الشخصيات باللغة الفصحى (الفصحى الميسرة والمعاصرة) بدلًا من اللهجة العامية المصرية، سواء في المواقف الرومانسية أو المشاحنات اليومية، ويظهر هذا بوضوح في حوارات الحب، مثل حوار سلافة وإياد: “- انتبهي لحالك، أحبك – وأنا أحبك يا إياد – ماذا؟ – أريد قبلة”، وكذلك في الحوارات العادية، مثل قول سلافة للطبيب: “- عظيم، حتى إنْ لم يصعب عليك ذلك فهل يحق لك أنْ تتصل بي دون استئذان مني؟”، وقول إياد مبررًا موقفه من المظاهرات: “- سآتي معكِ، من اليوم لن أفارقك، سأظل بجوارك ما حييت”، وهذا الخيار الأسلوبي يحافظ على تناغم النص وانسجامه بعيدًا عن الازدواجية اللغوية بين السرد والحوار.

3 ـ التناص الثقافي والفني (Intertextuality)

أثرت الكاتبةُ أسلوبها بتوظيف التناص الثقافي والاقتباسات التي تعكس ثقافة الشخصيات واهتماماتهم، وتضفي على النص أبعادًا جمالية وفكرية، ومن أبرزها:

تصدير الرواية: بدأت الرواية باقتباس معبر للكاتبة الإنجليزية “فرجينيا وولف” حول الجنون والنجاة والأصوات الداخلية، وهو يمهد للأجواء النفسية العميقة للرواية ولزيارة مستشفى الأمراض النفسية.

استحضار الأعمال الأدبية والفنية: تشير الكاتبة إلى الكاتبة “نوال السعداوي” وما كتبته عن المستشفيات النفسية، وتستحضر لوحات رسامين عالميين مثل “جون إيفرت ميليه” (وُصف في النص بالرسام البريطاني جون فريدريك) للتعبير عن الحب.

الموسيقى والأغاني: تندمج الموسيقى في النسيج اللغوي كأداة للتعبير العاطفي، فتستمع علياء لمطربها المفضل “ديميس روسوس” وأغنية (Away Far)، وتتذكر أغاني “عبد الحليم حافظ”، كما تحضر أغاني “هاني شاكر” بشكل مباشر في حفل الأوبرا (مثل كلمات: “وأنت معايا وأنت في حضني.. بنسى العالم وأنسى الناس”) لتعكس حالة سلافة الرومانسية.

4 ـ الصورة الفنية والمجاز (التصوير)

يعج الأسلوب بـ الاستعارات والتشبيهات الحسية التي تجسد المعنويات وتبرز قسوة الفقد أو حرارة الحب، وعنوان الرواية نفسه “وشم على الريح” هو استعارة بليغة توحي بالأثر العميق (الوشم) الذي يُرسم على شيء زائل وعاصف (الريح)، مما يعكس ضياع الأحلام وثبات الألم.

ومن أمثلة التصوير في الرواية:

وصف الفقد واليأس: “حينذاك شعرتُ كأنني سقطتُ في جب دامس سحيق”، و”غرس خنجر الحسرة في أعماق قلبي”.

وصف الحب العاصف: “صرتُ أصطحبك معي إلى سفينة الأحلام نلقي بسنارة الأمل في بحر العشق، لا نخشى من بطش الموج أو عناد الريح”.

وصف الخيانة والألم: “انفلتتْ دموعك المتمردة رغمًا عنك، فجثوت على ركبتي أمامك ندمًا وأنا أناشدكَ وأستجديك الغفران”.

5 ـ تنوع القاموس اللغوي بتنوع الشخصيات

بفضل تقنية تعدد الرواة، طوَّعتْ الكاتبة قاموسها اللغوي ليناسب طبيعة كل شخصية.

لغة “يسرا” (الناشطة): تتسم بالحدة والاندفاع واستخدام مفردات سياسية وثورية (إسقاط النظام، والكرامة، والعدالة الاجتماعية، والحقوق).

لغة “علياء”: لغة امرأة ناضجة، تحمل طابع النوستالجيا (الحنين للماضي)، وتكثر فيها مفردات الوحدة، والذكريات، والصراع الداخلي.

لغة “مديحة”: رغم صياغتها بالفصحى، إلا أنها تعكس شخصية عملية وعصامية، تستحضر قاموس الكفاح، والعمل، والمعارض، وتفاصيل الأثاث مثل (الزان، والدهانات المات).

يمتاز أسلوب الرواية بالجمع الدقيق بين التوثيق الحدثي لمرحلة ثورة 25 يناير بأماكنها وتفاصيلها، وبين البوح الوجداني الشاعري، وقد نجحت اللغة الفصحى المعبرة في الغوص في عقول الشخصيات، مما جعل النص رحلة نفسية بقدر ما هو توثيق اجتماعي وسياسي.

التصوير الفني

يحتل التصوير الفني (من تشبيهات واستعارات وكنايات ومزج حسي) مساحة بارزة في رواية “وشم على الريح” للكاتبة إيمان عنان، فلم تكتفِ الكاتبة بالسرد المباشر للأحداث، بل اعتمدت على لغة تصويرية مكثفة تعكس الدواخل النفسية المضطربة لشخصياتها وتجسد معاناتهم وأفراحهم في لوحات فنية بالكلمات، ومن أبرز ملامح وتقنيات التصوير الفني في الرواية:

1 ـ دلالة ومجاز العنوان (التناقض بين الثبات والزوال): يبدأ التصوير الفني من العتبة الأولى للنص وهو العنوان “وشم على الريح”، حيث يحمل هذا التركيب استعارة بليغة ومفارقة قوية؛ فالـ”وشم” يرمز إلى الأثر العميق، والثبات، والبقاء، بينما “الريح” ترمز إلى التبدل، والعواصف، والزوال السريع، ويعكس هذا المجاز الكلي حالة الأبطال ومحاولاتهم اليائسة للحفاظ على أحلامهم وعلاقاتهم (الحب، والاستقرار، والوطن) وسط عواصف التغيير، لتكون النتيجة كمَنْ يحاول نقش وشم دائم على هواء عابر، فيضيع ويكون عرضة للتلاشي.

2 ـ تصوير عاطفة الحب والتعلق (الطبيعة والامتزاج الحسي): برعت الكاتبة في رسم صور فنية رومانسية مبتكرة لترجمة مشاعر الحب القوية، فاستخدمت التشبيهات التي تقرب المعنى المجرد للقارئ:

الذوبان والتماهي: تصف “سلافة” حالة ذوبانها في حب “إياد” بصورة حسيَّة ذوقية قائلة: “أكاد أذوب كقطعة سكر في فنجان غرامه حين يُقبّل يدي”.

الملاذ والحياة: تُصور الحبيب كأنه مصدر الحياة والتنفس وسط الاختناق، واصفة إياه بـ “مضخة الأكسجين التي بثت في صدري الهواء”.

المغامرة البحرية وتحدي الطبيعة: تمزج الحب بالمغامرة وتحدي الصعاب من خلال استعارة ممتدة وتجسيد للريح والموج، فتقول: “أصطحبك معي إلى سفينة الأحلام نلقي بسنارة الأمل في بحر العشق، لا نخشى من بطش الموج أو عناد الريح”.

الموسيقى الباطنية: صورتْ مشاعر الحب كأنها مقطوعة موسيقية لا تُسمع بالأذن بل تنبع من الجسد: “يعزف لحنًا من ألحان الحب ينبعث من تلابيب قلبه”.

3 ـ التجسيد المادي للألم النفسي والفقد: أعطتْ الكاتبة للمشاعر المجردة كالحزن، والخيانة، والفقد أبعادًا مادية ملموسة وعنيفة، لتجعل القارئ يشارك الشخصيات قسوة معاناتهم:

أسلحة الألم: جسدتْ الحسرة كأنها سلاح مادي حاد يمزق الأحشاء، قائلة: “وقد غُرس خنجر الحسرة في أعماق قلبي”.

السقوط في الظلام: صورتْ صدمة الفقد والموت بالسقوط المادي في هاوية بلا قرار: “حينذاك شعرتُ كأنني سقطت في جُبّ دامس سحيق”.

التآكل الروحي والجسدي: عبرتْ “علياء” عن قسوة وحدتها بعد وفاة زوجها الأول وفراغ روحها بصورة بليغة قائلة: “أنا في غيابك بالية، ودونك تملؤني الثقوب”.

الحواجز الباردة: لوصف الجفاء وانقطاع الود في العلاقات، استخدمت الكاتبة صورة الجليد المادي: “شُيِّدت جدران الجليد بينهما”.

4 ـ الاستعارات والانزياحات اللغوية: اعتمدتْ الرواية على خروج الكلمات عن معناها القاموسي المباشر إلى فضاءات مجازية لتكثيف المعنى الدرامي:

استعارة الاشتعال لوصف مشاعر الغضب: “تمكنت من إشعال حطب الاستفزاز في صدري”.

تشبيه اللعنة وسوء الطالع بالظل الملازم الذي لا ينفصل عن صاحبه: “الفقد من كل شيء امتلكته في هذه الحياة، إنها اللعنة التي تلتصق بي كظلي”.

تجسيد الخلاص من الذكريات السيئة كمحو مادي تام: “وأنْ أمزق هذه الصفحة السوداء في حياتي”، وتصوير النسيان كبئر عميقة: “يُلقى في جُب النسيان”.

5 ـ التوظيف البصري والمشهدي (تقاطع الفن مع الواقع): بحكم وجود شخصيات تدرس في كلية الفنون الجميلة (مثل عماد وسيلفيا)، حضرتْ الصور البصرية القوية، بل والمنذرة بالشؤم، ويظهر ذلك بوضوح شديد حين تتساقط ألوان الرسم الحمراء على إصبع سيلفيا لتصرخ بفزع: “آه، ما هذا؟! دم؟! دم؟!”، وهي صورة بصرية حية ترمز وتتنبأ بالدماء الحقيقية التي ستُسفك لاحقًا وتودي بحياة حبيبها، كما تتجسد قوة الصورة في وصف الحزن العميق بـ “شهقة الأحزان متكدسة في صدورنا”، والبكاء المرير الذي يتحول إلى تشوه مادي: “ذرفت فيها الدمع حتى تورمت عيناي من قسوة ألم الشقاق”.

وبهذه التقنيات، استطاعت الكاتبة أنْ تجعل من المجاز والتصوير الفني جسرًا يعبر بالقارئ إلى أعماق الشخصيات، فتصبح انفعالاتهم الإنسانية مرئية ومحسوسة، وتتحول الكلمات إلى لوحات تنبض بالحياة، والعشق، والموت.

Author بسيم عبد العظيم عبد القادر
شاعر وناقد أكاديمي، قسم اللغة العربية، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر