الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الرياضة المدرسية في الجزائر.. خزان للمواهب أم صناعة غير مكتملة؟


تحوّلت الرياضة المدرسية في الجزائر، اليوم، إلى أحد أهم الرهانات المستقبلية لتطوير الرياضة الوطنية، حيث إن هناك من يرى أنها تمثل القاعدة الأساسية لاكتشاف وصناعة النخبة الرياضية، فيما يرى آخرون أنها ما تزال في طور الدعم والتطوير ولم ترقَ بعد إلى مستوى الصناعة الرياضية المتكاملة.

وفي هذا السياق، أكد سليمان لاوسين، أستاذ جامعي في الإعلام الرياضي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الرياضة المدرسية يُمكن اعتبارها بمثابة العمود الفقري للتربية البدنية ومحركا فاعلا للنهوض بالرياضة الوطنية، مُشيرا إلى التحولات والإصلاحات الجارية، على غرار توظيف أزيد من 12 ألف أستاذ سنة 2023-2024، عزز دور المدرسة كخزان للمواهب.

فيما أوضح أحمد غولام، مستشار في الرياضة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذا القطاع لا يزال يفتقر إلى رؤية تنظيمية واستراتيجية واضحة تربطه بالأندية والاحتراف، رغم ما يملكه من مقومات تؤهله ليكون رافدا أساسيا للرياضة الوطنية.

في هذا الصدد، يرى الأستاذ لاوسين أن الرياضة المدرسية تُمثل العمود الفقري للتربية البدنية والرياضية، والمحرك الأساسي للنهوض بالمستوى الرياضي الوطني، باعتبارها إحدى أهم دعائم الحركة الرياضية، إضافة إلى كونها وسيلة تربوية وتعليمية منظمة تهدف إلى تعزيز الصحة لدى التلاميذ، وترسيخ مختلف القيم الاجتماعية، وغرس المبادئ الأخلاقية والسلوكيات الإيجابية مثل التعاون، العدل، الانضباط، وتحمل المسؤولية.

المدرسة الجزائرية خزان للمواهب الرياضية

وأوضح الأستاذ الجامعي في الإعلام الرياضي، أن الجزائر تشهد تحولا استراتيجيا لافتا في مجال الرياضة المدرسية، من خلال سلسلة من الإصلاحات العميقة التي تهدف إلى إعادة بناء هذا القطاع على أسس علمية وتنظيمية حديثة، بما يسمح بتحويل المدرسة إلى فضاء حقيقي لاكتشاف المواهب الرياضية وتوجيهها نحو التكوين النخبوي والمستوى العالي.

سليمان لاوسين، أستاذ جامعي في الإعلام الرياضي

 

وأوضح محدثنا أن من بين أبرز الخطوات التي تعكس هذا التوجه، قرار وزارة التربية الوطنية خلال الموسم الدراسي 2023-2024، والقاضي بتوظيف أكثر من 12 ألف أستاذ متخصص في التربية البدنية على المستوى الوطني، وهو ما يُمثل نقلة نوعية في مسار تدريس هذا النشاط داخل الطور الابتدائي، حيث تم الاعتماد على مختصين بدل إسناد المادة إلى معلمي مواد أخرى، بما يضمن تدريسا علميا ومؤطرا للتربية البدنية منذ المراحل الأولى.

وأضاف لاوسين أن هذا الإجراء الاستراتيجي يهدف بالأساس إلى الارتقاء بجودة التأطير الرياضي داخل المؤسسات التربوية، وضمان تنشئة بدنية وصحية سليمة للتلاميذ، إلى جانب تمكين عملية اكتشاف المواهب الرياضية في سن مبكرة، عبر بيئة مدرسية منظمة ومؤطرة، تسمح بتوجيه الطاقات الشابة نحو مسارات التميز الرياضي.

إرادة سياسية واضحة لتطوير القطاع

كما أبرز أن هذا التوجه يندرج ضمن رؤية أوسع تسعى إلى تحويل المدارس الجزائرية إلى خزانات حقيقية لصناعة الأبطال الرياضيين، من خلال بناء قاعدة صلبة من الممارسين الشباب، القادرين مستقبلًا على تمثيل الجزائر في مختلف المنافسات الوطنية والدولية، وهو ما يعكس طموحا رسميا لجعل الرياضة المدرسية رافدا أساسيا للرياضة النخبوية.

في السياق ذاته، أشار محدثنا إلى أن الجزائر، على غرار العديد من الدول، تعمل على تطوير هذا القطاع من خلال إرادة سياسية واضحة، جعلت من الرياضة المدرسية أحد الأولويات الاستراتيجية، عبر سن قوانين تنظم النشاطات البدنية داخل المؤسسات التعليمية، وتوفير دعم مادي ولوجستي معتبر، إلى جانب إطلاق مشاريع وطنية تهدف إلى تطوير البنية التنظيمية للرياضة المدرسية، وتعزيز دورها في اكتشاف وصقل المواهب.

وأفاد الأستاذ لاوسين بأن هذا المسار تعزّز أيضا من خلال تنظيم تظاهرات رياضية كبرى، على غرار الألعاب الإفريقية المدرسية، التي سمحت بإبراز قدرات التلاميذ الجزائريين على المستويين التنظيمي والتنافسي، وهو ما يعكس جاهزية البنى التحتية الوطنية وقدرتها على احتضان مثل هذه المواعيد القارية والدولية.

وفيما يتعلق بالنتائج، أكد المتحدث أن الرياضة المدرسية الجزائرية حققت قفزة نوعية ملموسة في السنوات الأخيرة، مستشهدا بـ”الإنجاز التاريخي” خلال الألعاب العالمية المدرسية التي أقيمت بالبحرين سنة 2024، إلى جانب تصدّر الجزائر الترتيب النهائي في الألعاب الإفريقية المدرسية 2025 التي احتضنتها الجزائر، بإجمالي 245 ميدالية، وهو ما يعكس وجود مخزون كبير من المواهب الشابة القادرة على المنافسة دوليا، إضافة إلى تطور ملحوظ في مستوى التأطير والتكوين.

ورغم هذه النتائج الإيجابية، شدد الأستاذ الجامعي على أن الرياضة المدرسية تظل مشروعا استراتيجيا طويل المدى، يتطلب تضافر جهود جميع الفاعلين والقطاعات المعنية، من أجل ضمان استمرارية النتائج وتثبيت هذا الزخم، وتحويله إلى منظومة رياضية متكاملة قادرة على صناعة أبطال المستقبل بشكل مستدام.

الرياضة المدرسية تملك مقومات صناعة الأبطال لكنها تفتقر إلى التنظيم

من جهته، أفاد المستشار في الرياضة، أحمد غولام، بأن الرياضة المدرسية في الجزائر ما تزال إلى اليوم في مرحلة الدعم والتطوير، ولم ترقَ بعد إلى مستوى “الصناعة الرياضية” بالمعنى الاحترافي والاقتصادي المتكامل، رغم ما تمتلكه من إمكانيات بشرية واعدة يمكن أن تجعلها، على المدى المتوسط والبعيد، إحدى أهم ركائز المنظومة الرياضية الوطنية إذا ما تم استغلالها بالشكل الصحيح.

أحمد غولام، مستشار في الرياضة 

وأوضح الأستاذ غلام، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الرياضة المدرسية تُمثل في الأصل القاعدة الأولى لاكتشاف المواهب وصناعة الرياضيين، غير أنها تعاني من غياب رؤية استراتيجية واضحة تجعلها حلقة وصل فعلية بين المؤسسات التربوية والأندية الرياضية، مُبرزا أن هذا الانفصال بين المدرسة والنوادي يضعف مسار تكوين الرياضيين ويحدّ من فرص تحويل التلاميذ الموهوبين إلى أبطال في المستقبل.

وأشار محدثنا إلى أن هذه المنظومة ما تزال تعتمد بشكل شبه كلي على الدولة من حيث التمويل والتنظيم، دون انخراط فعّال للقطاع الخاص أو تبني مقاربة اقتصادية واستثمارية قادرة على تحويل الرياضة المدرسية إلى مجال منتج وقابل للتطوير، لافتا إلى أن غياب الاحتراف في التسيير والتأطير ينعكس سلبا على جودة المنافسات وعلى عملية الانتقاء المبكر للمواهب.

وأضاف المستشار في الرياضة، أن الإشكالية الجوهرية اليوم لا تتعلق فقط بالإمكانات أو الهياكل، وإنما بكيفية تحويل الرياضة المدرسية من نشاط موازٍ داخل المؤسسات التربوية إلى منظومة متكاملة تشكل قاعدة حقيقية لصناعة الأبطال، مُنوّها بأن هذا التحول يتطلب إرادة تنظيمية قوية، وربطا فعليا بين قطاع التربية وقطاع الرياضة، إلى جانب فتح المجال أمام الشراكات والاستثمار الرياضي.

خِتاما، أكد أحمد غولام أن الرياضة المدرسية في الجزائر، رغم محدودية مردودها الحالي، تملك كل المقومات التي تؤهلها لتكون رافدا أساسيا للرياضة الوطنية، شرط إعادة هيكلتها وتثمينها ضمن رؤية شاملة تجعل منها فضاء حقيقيا لاكتشاف وصناعة أبطال المستقبل، بدل الاكتفاء بكونها نشاطا تربويا مكملا فقط.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية مهتمة بالشأن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والدولي