الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

الزراعة الجزائرية تحقق قفزة نوعية.. الأمن الغذائي يربح جولة جديدة

Author
صبرينة عيلان 05 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تقترب الجزائر، خلال موسم 2026، من تسجيل واحدة من أبرز محطات الإنتاج الزراعي خلال السنوات الأخيرة، بعد توقعات ببلوغ محصول الحبوب نحو 4,9 ملايين طن، أي ما يقارب خمسة ملايين طن كاملة، في مستوى يتجاوز المتوسط العام بنحو 30 بالمائة، ويعد الأعلى منذ سنة 2019.

وتكشف الأرقام الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “FAO” عن قفزة لافتة في أداء القطاع، بعدما ارتفع الإنتاج المنتظر من 4,248 ملايين طن سنة 2025، إلى 4,902 ملايين طن خلال الموسم الحالي، بزيادة بلغت 15,4 بالمئة، بينما تجاوز المحصول متوسط السنوات الخمس الأخيرة بأكثر من 1,1 مليون طن.
وتعكس المعطيات المسجلة تحسنا واضحا في أداء المحاصيل الرئيسية، إذ يرتقب أن يصل إنتاج القمح إلى 3,5 ملايين طن، بزيادة 16,7 بالمئة مقارنة بالسنة الماضية، فيما ينتظر أن يبلغ إنتاج الشعير 1,3 مليون طن، بارتفاع قدره 13 بالمئة، إلى جانب تسجيل نمو في إنتاج الشوفان.

كما تشير المؤشرات إلى أن الأمطار التي عرفتها مناطق الإنتاج الرئيسية منذ نهاية 2025، ساهمت في تحسين مردودية الأراضي الزراعية ورفع مستويات المياه الموجهة للري، ما منح الموسم دفعة قوية بعد بداية اتسمت بظروف جافة وتأخر في الزراعة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن أرقام الموسم تكشف في الوقت نفسه مفارقة لافتة، فبينما يقترب الإنتاج المحلي من تسجيل أفضل نتائجه منذ سنوات، تبقى احتياجات الجزائر من واردات الحبوب خلال موسم 2026/2027 مرتفعة عند حدود 14,5 مليون طن، منها 8,5 ملايين طن من القمح و5 ملايين طن من الذرة الموجهة للأعلاف، وهي معادلة تعكس أن قضية الحبوب لم تعد مرتبطة فقط بإنتاج القمح والشعير، بل أصبحت مرتبطة بصورة أوسع بملف الأعلاف وتزايد الطلب المرتبط بالإنتاج الحيواني، ما يجعل موسم 2026 محطة مهمة لقياس قدرة القطاع الزراعي على تحويل القفزة الإنتاجية إلى مكاسب مستدامة في مجال الأمن الغذائي.


المساحات المزروعة والمرافقة التقنية.. كيف تشكلت قاعدة الإنتاج الجديدة؟

وفي الموضوع، أكد حسن كريم، رئيس المنظمة الوطنية للأمن الغذائي والخبير في الفلاحة والموارد المائية، أن بلوغ الجزائر أكبر محصول للحبوب منذ سنة 2019، وتحقيق إنتاج يقترب من خمسة ملايين طن خلال موسم 2026، لا يمكن قراءته على أنه نتيجة عامل واحد أو ظرف موسمي عابر، بل هو حصيلة تراكمات ميدانية ومؤسساتية وتقنية امتدت لعدة سنوات وبدأت تعطي نتائج ملموسة على أرض الواقع. وأوضح أن ما حدث يعكس تفاعل منظومة كاملة من العوامل، من تحسين السياسات الزراعية وتوسيع المساحات المزروعة، إلى تطوير الخدمات اللوجستية وتعزيز البحث الزراعي وتحسن الظروف المناخية.

وأضاف حسن كريم أن الحديث عن أكبر محصول للحبوب منذ سنة 2019 يحمل في حد ذاته دلالات اقتصادية واستراتيجية عميقة، لأن ملف الحبوب ظل لسنوات طويلة من أكثر الملفات ارتباطا بمفهوم الأمن الغذائي الوطني. فالجزائر، كغيرها من الدول، تواجه تحديات مرتبطة بتقلبات المناخ وارتفاع الطلب الداخلي والتذبذب المستمر في الأسواق الدولية، الأمر الذي يجعل أي تقدم في هذا القطاع لا يقتصر فقط على الجانب الزراعي، بل يمتد ليشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وحتى جيوسياسية.
وأوضح أن تحقيق محصول يقارب خمسة ملايين طن، خلال موسم واحد، يشكل مؤشرا مهما على أن المقاربة المعتمدة خلال السنوات الأخيرة بدأت تنتقل من مرحلة الإجراءات الإدارية إلى مرحلة النتائج الميدانية الفعلية، وهو ما يعطي صورة أولية عن الإمكانات التي يمكن أن يحققها القطاع إذا استمرت نفس الديناميكية وتم تدعيمها بمزيد من الإصلاحات والاستثمارات.

وأكد حسن كريم أن أول عنصر أساسي يقف وراء هذا التحسن يتمثل في الزيادة الملحوظة للمساحات المزروعة بالحبوب، موضحاً أن الفلاح الجزائري يحتاج دائماً إلى بيئة إنتاج مستقرة تمنحه الثقة وتدفعه إلى توسيع نشاطه الزراعي والاستثمار في أرضه.
وأشار إلى أن السنوات الأخيرة شهدت جملة من الإجراءات التي مست القطاع الزراعي بصورة مباشرة، من خلال توفير البذور المحسنة وبرامج الدعم والمرافقة وتسهيل بعض الإجراءات الإدارية المتعلقة بالإنتاج والتسويق، وهو ما شجع عدداً متزايداً من الفلاحين على العودة بقوة إلى زراعة الحبوب.

وأضاف أن أي زيادة في المساحات المزروعة تعني تلقائياً رفع القاعدة الكمية للإنتاج الوطني، لأن المساحة الزراعية تشكل نقطة الانطلاق لأي عملية إنتاجية. ولذلك فإن توسع زراعة القمح والشعير خلال الموسم الحالي ساهم بصورة مباشرة في رفع حجم الإنتاج الوطني.

وأوضح أن الأمر لا يتعلق فقط بتوسيع المساحات، بل أيضاً بالقدرة على إدارة هذه المساحات بكفاءة أعلى من السابق. فالمُزارع اليوم أصبح يعتمد بصورة أكبر على المكننة الزراعية والتقنيات الحديثة، وهو ما ساعد على رفع المردودية وتقليل الخسائر.

وأكد رئيس المنظمة الوطنية للأمن الغذائي أن الإجراءات المؤسساتية المصاحبة للعملية الإنتاجية كان لها دور محوري في تحقيق هذه النتائج، لأن العملية الزراعية لا تبدأ عند الزراعة ولا تنتهي عند الحصاد، بل تشمل سلسلة كاملة من التدخلات تبدأ من توفير المدخلات وتنتهي عند التخزين والتسويق.

وأوضح أن السلطات قامت خلال الموسم الحالي بتعبئة موارد إضافية للمكننة الزراعية، وإطلاق حملات ميدانية منظمة للحصاد، إلى جانب فتح مراكز جديدة للتخزين وتشغيل منصات خاصة بتنسيق الطلب على الحصادات، وهي إجراءات سمحت بتقليص الاختلالات التي كانت تظهر في مراحل الحصاد.

وأضاف أن السنوات السابقة كانت تشهد أحياناً ضياع كميات معتبرة من الإنتاج بسبب نقص المعدات أو تأخر الحصاد أو صعوبات النقل والتخزين، غير أن تحسين التنسيق الميداني ساعد هذه السنة على تقليص هذا الفاقد وتحويل جزء أكبر من الإنتاج الفعلي إلى محصول مسجل وموجه للاستهلاك.

وأشار أيضاً إلى أهمية البذور المحسنة في تحقيق هذه النتائج، موضحاً أن القضية ليست مرتبطة فقط بعدد الهكتارات المزروعة وإنما أيضاً بمردودية كل هكتار.
وأكد أن الاعتماد على أصناف جديدة ذات قدرة أعلى على مقاومة الأمراض والتكيف مع بعض الظروف المناخية الصعبة ساعد في رفع الإنتاجية في العديد من المناطق، وهو ما أدى إلى تحقيق قفزة كمية معتبرة، وأضاف أن برامج إكثار البذور بدأت تعطي نتائج فعلية على أرض الواقع، لأنها وفرت للفلاحين أصنافاً أكثر تكيّفاً مع خصوصيات البيئة الزراعية المحلية.

العامل المناخي الذي منح الإنتاج دفعة قوية

وفي حديثه عن دور الأمطار وتحسن الموارد المائية، أكد حسن كريم أن عنصر المياه يبقى المحدد الأساسي للإنتاج الزراعي في الجزائر، خاصة أن الزراعة الحقلية للحبوب تعتمد بدرجة كبيرة على التساقطات المطرية.
وأوضح أن الموسم الحالي عرف ظروفا مناخية أكثر ملاءمة مقارنة ببعض السنوات السابقة، إذ ساهمت الأمطار في توفير مخزون جيد من الرطوبة داخل التربة، وهو ما وفر الظروف المناسبة للنبات خلال المراحل الحساسة من نموه.

وأشار إلى أن أهمية الأمطار لا تتعلق فقط بالكميات المسجلة، بل كذلك بطريقة توزيعها زمنياً، لأن التساقطات المنتظمة خلال مختلف مراحل النمو تساعد على تقليل الإجهاد المائي وتحسين امتصاص العناصر الغذائية وتطوير الجذور.
وأضاف أن هذا العامل انعكس بصورة مباشرة على جودة المحصول، لأن توفر المياه خلال مرحلة تكوين السنابل يسمح بتحسين امتلاء الحبوب ورفع وزنها النوعي.
وأكد أن تحسن الموارد المائية ساهم أيضا في إعادة استغلال بعض الأراضي التي كانت تواجه صعوبات مرتبطة بندرة المياه، الأمر الذي أدى إلى توسيع المساحات المنتجة.

كما أوضح أن عدداً من المناطق استفاد كذلك من توسيع الأراضي المروية أو شبه المروية واستعمال تقنيات ري مكمّلة، وهو ما وفر دعماً إضافياً للمحصول الزراعي.
ورغم ذلك، شدد المتحدث على أن التعويل على العامل المناخي وحده يبقى خياراً غير مضمون على المدى الطويل، لأن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً يفرض نفسه في مختلف مناطق العالم.
وقال إن الموسم الجيد يجب ألا يدفع إلى الاعتقاد بأن المشكلة حُلت نهائياً، لأن الاستدامة تتطلب الاستثمار في تقنيات الحفاظ على المياه وتطوير أنظمة الري الذكي وتوسيع برامج تخزين المياه وتحسين استغلال الموارد المتاحة.

أما بخصوص ما إذا كان بلوغ مستوى خمسة ملايين طن يمثل نقطة تحول في السياسة الزراعية الجزائرية، فأكد حسن كريم أن هذا الرقم يحمل دلالات إيجابية مهمة، لكنه لا يشكل تحولاً نهائياً في حد ذاته.

وأوضح أن موسم إنتاج ناجح واحد لا يكفي للحكم على نجاح سياسة زراعية طويلة الأمد، لأن التحول الحقيقي يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل البذور والري والتخزين والتسويق والبحث العلمي.

وأضاف أن هذا الإنجاز يمنح السلطات العمومية مساحة أكبر للتفكير في تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي، لكنه في الوقت نفسه يفرض ضرورة تحويل النجاح الموسمي إلى استراتيجية دائمة.

وأشار إلى أن الجانب النفسي لهذا الإنجاز لا يقل أهمية عن الجانب التقني، لأن تحقيق نتائج ملموسة يعزز ثقة الفلاحين ويشجع المستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين على توجيه مزيد من الاهتمام للقطاع الزراعي.

وعن استمرار حاجة الجزائر إلى استيراد نحو 14,5 مليون طن من الحبوب رغم تحسن الإنتاج المحلي، أوضح حسن كريم أن هناك خلطاً يقع فيه كثيرون بين أصناف الحبوب المختلفة واستعمالاتها.

وأكد أن جزءا كبيرا من واردات الجزائر يرتبط بحبوب موجهة للأعلاف مثل الذرة، وهي تختلف عن القمح الموجه للاستهلاك البشري.
وأضاف أن النمو السكاني والتوسع المتواصل في قطاع تربية الحيوانات يؤديان إلى زيادة مستمرة في الطلب على الأعلاف، وهو ما يجعل الفجوة بين العرض المحلي والطلب الداخلي قائمة، وأشار أيضا إلى أن بعض الصناعات الغذائية والعلفية تحتاج إلى مواصفات دقيقة قد لا تتوفر حالياً في جميع الأصناف المنتجة محليا.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية، وفي عام 2022 تحصلت على جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف في فئة الإعلام الإلكتروني
↑