الإثنين، 20 يوليو 2026 — 3 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

الزّرّ النوويّ الرّوسيّ وأزمة أوكرانيا.. يدٌ على الزّناد !


يرتعب العالم خيفة من إمكانيّة استخدام السّلاح النّوويّ في الحرب الدّائرة رحاها بين روسيا وأوكرانيا المدعومة من الإتحاد الأوروبيّ وبريطانيا وتركيا والولايات المتّحدة، ولئن فَقَدَتْ أوكرانيا السّلاح النّووي، عام 1994 حين انضمّت إلى معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النوّوية، فإنّ انخراط حلفائها “النّووييّن” في الحرب بأشكال متعدّدة، سيزيد المخاوف من احتمال حدوث “صدام نّووي”، خصوصا مع قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وضْعَ قوّات الرّدع  النّووي الرّوسيّ في حالة تأهب قصوى، دون أن يستثير هذا القرار الرّوسيّ مواقف الدّول “المعادية” لموسكو، وعلى رأسها الولايات المتّحدة الّتي اكتفت بـ”تهدئة النّفوس”، فما هي حدود الحديث عن السّلاح النّوويّ في الأزمة الأوكرانيّة ؟

مع تصاعد الإنخراط الغربيّ في الحرب الدّائرة بأوكرانيا، واتّساع حِزمة العقوبات متعدّدة الأوجه ضدّ روسيا من قبل دول الإتحاد الأوروبيّ و بريطانيا وأمريكا، اتّضح أنّ الأمر أكبر من أزمة إقليمي دونيتسك ولوغانسك الّذين أُعلنا  جمهوريّتان مستقّلتان عن أوكرانيا.

اتسّع الحديث في الدّوائر السياسيّة الروسيّة والغربيّة عن قرب “صدام” لا بدّ منه لـ”تتويج” حرب النّفوذ الّتي تشتعل ضدّ القوى الصاعدة في العالم، ويمكن القول إنّ “الإختيار” وقع على أوكرانيا كساحة “أولى” لـ”حسم” الصّراع العالمي حول “جدوى” النّظام العالمي الحالي الذي تقوده الولايات المتّحدة.

وكعادة الحروب الكبيرة التي عاشها العالم مذ تمّ اكتشاف وتفعيل السّلاح النّووي عام في 6 أغسطس/آب 1945 على يد الولايات المتّحدة الأمريكيّة، حين نفّذت أبشع جريمة في حقّ المدنييّن على مدينة هيروشيما اليابانية، يَحضُرُ بقوّة الحديثُ على السّلاح النّووي في الأزمة الأوكرانيّة.

ومع تصاعد الخطاب العدائي الغربيّ ضدّ روسيا وبدء تشكيل لواء دوليّ من المرتزقة وعصابات المجرمين ودواعش الشّرق الأوسط، لإقحامهم في حرب شوارع منتظرة في أوكرانيا، استشعرت موسكو الخطر، و”استلّت” سلاح الرّدع النّووي.

على الفور تحرك وزير الدّفاع الروسي سيرغي شويغو لتنفيذ أوامر الرئيس فلاديمير بوتين بتجهيز أسلحة الرّدع النووي، وبدأت مراكز التحكم التابعة لقوات الصواريخ الإستراتيجية والأسطول الشمالي وأسطول المحيط الهادئ وقيادة الطيران بعيد المدى، بالمناوبات القتالية بطواقم معززة.

الثّالوث يتأهّب

ويعد “الثالوث النووي” الرّوسي القوّة الإستراتيجية من الصواريخ بعيدة المدى وعالية الدقة، وتحمل رؤوساً نووية ومهماتها الردع الاستراتيجي الشامل.

وبحلول الستينيات، كان “السّوفييت” قد طوَّروا ثالوثا من القوات النووية مثل الولايات المتحدة الأميركية، بما معناه أنّهم امتلكوا كلّا من : الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBMs)، والصواريخ البالستية التي تُطلَق من الغواصات (SLBMs)​​، والقاذفات الثقيلة المجهزة بأسلحة نووية، و يطلق على هذه القائمة الحربيّة بالأسلحة النووية الإستراتيجية، أي تلك التي تتمكَّن من ضرب عدو يبتعد عن الدولة مسافة كبيرة.

ولطالما أولى بوتين أهمية كبيرة للثّالوث النووي في الحفاظ على معادلات الردع في العالم، حيث أشار في اجتماع موسع لوزارة الدفاع الروسية في عام 2018، إلى أن حصة الأسلحة الحديثة في «الثالوث النووي» وصلت إلى 82 %، بارتفاع من نحو 37% في 2012.

وعلى الرغم من الغموض بشأن أرقام تسليح الجيش الروسي، إلا أن بعض وسائل الإعلام الروسية ذكرت في عام 2018 أن عدد الصواريخ المجنّحة في الجيش الروسي تضاعف 30 مرة، وأنه حدثت قفزة كبيرة في مجال تزويد القوات المسلحة بأسلحة دقيقة بعيدة المدى.

وارتفع العدد الإجمالي للرؤوس الحربية النووية المنتشرة عبر العالم، بمقدار 105عن العام 2020، ليصل إلى 3825، منها نحو ألفين في حالة تأهب قصوى، وجميعها تقريباً تابعة لروسيا والولايات المتحدة، بحسب تقرير صادر عن معهد استكهولوم لبحوث السلام في عام 2021.

لكنّ وثيقة رسميّة نشرتها الحكومة الروسية في 2 يونيو/حزيران عام 2020 تُحدِّد منظورها بشأن الردع النووي، وعنوانها الرسمي “المبادئ الأساسية لسياسة الدولة للاتحاد الروسي بشأن الردع النووي”، وفيها يُعَدُّ التهديد الروسي بالتصعيد النووي أو الاستخدام الفعلي الأول للأسلحة النووية، سلوكا من شأنه أن يؤدي إلى “خفض تصعيد” النزاعات.

ويعني هذا أنّ الحكومة الروسيّة تنظر إلى أسلحتها النووية، كوسيلة ردع ، وتضع مجموعة من الشّروط التي توضِّح تلك النقطة، فيكون الحق في استخدام الأسلحة النووية ردا على استخدام الأسلحة النووية أو أنواع أخرى من أسلحة الدمار الشامل ضدها أو ضد حلفائها، أو استجابة لهجوم من قِبَل الخصوم على المواقع الحكومية أو العسكرية الحساسة في الاتحاد الروسي، الذي من شأنه أن يُقوِّض أعمال الردع النووي، أو ردا على عدوان واسع على الاتحاد الروسي باستخدام الأسلحة التقليدية يمكنه أن يُعرِّض وجود الدولة نفسه للخطر.

ترسانة خياليّة

بالعودة إلى المسار التّاريخي فقد أجرى الاتحاد السّوفياتي أول تجربة تفجيرية نووية في 29 أغسطس/آب 1949، أي بعد أربع سنوات من استخدام الولايات المتحدة للقنبلة الذرية ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية.

واختبر الاتحاد السوفيتي نسخته الأولى من القنبلة النووية الحرارية عام 1953، ومنذ ذلك الحين نما المخزون السوفييتي من الرؤوس الحربية النووية بسرعة، خاصة خلال الستينيّات والسبعينيّات، وبلغ ذروته عام 1986 بنحو 40 ألف رأس حربي نووي.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2020، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّ الأسلحة والمعدّات الحديثة تُشكِّل الآن 86% من الثالوث النووي لروسيا، مقارنة بنسبة 82% في العام السابق، وأشار إلى أنه يتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 88.3% خلال عام واحد، بما يعني التّحديث المستمرّ لهذه الأسلحة.

كما تعمل الصّناعة العسكريّة  في روسيا على استخلاف الصواريخ المتنقلة من طراز “توبول” (Topol) ، بالصواريخ الباليستيّة العابرة للقارّات من النوع “يارس” أو “RS-24″.

واختُبر يارس لأوّل مرة عام 2007، واعتُمد من قِبَل قوات الصواريخ الإستراتيجية الروسية عام 2010، وبدأ إنتاجه خلال العام نفسه، لتصل الترسانة الروسيّة الآن إلى ما يزيد عن 147 صاروخا من هذا النوع، منها 135 يمكن أن تُطلق من منصة متحركة (عربة لها 16 عجلة) و12 فقط تحتاج إلى منصات إطلاق ثابتة.

وتعتمد موسكو أيضا على أضخم سلاح نووّي لديها وهو طوربيد طويل المدى يعمل بالطاقة النووية، وقد وصفته وثيقة حكومية روسية بأنه يهدف إلى إنشاء “مناطق التلوّث الإشعاعي الواسع، التي قد تكون غير مناسبة للنشاط العسكري أو الإقتصادي أو أيّ نشاط آخر لفترات طويلة من الزمن”.

وجرى تصميم هذا السّلاح لاستهداف الموانئ والمدن لإحداث أضرار واسعة النطاق، حيث تصل قوة هذا السلاح المحتملة إلى 100 ميغا طن، وهذا يساوي ضِعْف قدرة أكبر تفجير نووي.

كما يعتمد الجيش الرّوسيّ على قاذفات القنابل الإستراتيجية فوق الصوتية ذات الأجنحة متعددة الأوضاع “توبوليف تي يو-160″، الّتي يمكن لكل طائرة من هذا الطراز حمل ما يصل إلى 40 طنا من الذخائر، بما في ذلك 12 صاروخ كروز نووي تُطلَق من الجو.

ومن بين مخزون الرؤوس الحربية النووية الروسية الحالي، هناك ما يقرب من 1600 رأس حربي إستراتيجي جاهز للضرب، نحو 800 رأس منها على الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، ونحو 624 على الصواريخ الباليستيّة التي تُطلَق من الغواصات، ونحو 200 في قاذفات القنابل الإستراتيجية. إلى جانب ذلك يوجد نحو 985 رأسا حربيا إستراتيجيا آخر في المخزن، إلى جانب نحو 1912 رأسا حربيا غير إستراتيجي.

رعبٌ غربيّ  

وتأتي فرنسا في طليعة الدّول “المرتعبة” من “استلال” روسيا لسلاح الرّدع النّووي بحسب ما كشفته تقارير إعلاميّة فرنسيّة.

ويأتي هذا التخوّف الفرنسي على خلفيّة فشل الرئيس إيمانويل ماكرون في التأثير على نظيره الرّوسي بشأن إلغاء العمليّة العسكريّة الروسيّة في أوكرانيا.

من جانبها قالت وزيرة الدفاع السويسرية فيولا أمهيرد إن تقييماً لمسؤولين سويسريين خلص إلى استبعاد استخدام روسيا أسلحتها النووية ضد الغرب.

وقالت الوزيرة السويسرية، التي كانت تتحدث بعد أن انضمت بلدها إلى الغرب في عقوباته ضد روسيا وتخلت عن الحياد، في مؤتمر صحفي في بيرن: “بالطبع نحن ندرس جميع السيناريوهات، لكن تحقيقاتنا تشير إلى أن احتمال استخدام الأسلحة النووية ضعيف”.

أما الرئيس الأمريكي جو بايدن فقد بدا واثقاً تماماً أن نظيره الروسي لن يقدم على الضغط على الزر النووي”، وقال بايدن إنه ينبغي ألا يشعر الأمريكيون بالقلق من اندلاع حرب نووية.

والإثنين قال البيت الأبيض إن الولايات المتحدة “لا ترى داعياً لتغيير” مستويات التأهب النووي لديها في الوقت الحالي،

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي في مقابلة مع شبكة “إم.إس.إن.بي.سي”: “لم نغير مستويات تأهبنا، ولم نغير تقييمنا في ذلك الصدد، لكن ينبغي أيضاً ألا تساورنا أوهام إزاء استخدامه للتهديدات”.

ووصفت صحيفة “لوفيغارو” (Le Figaro) الفرنسية خطوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوضع قوات الردع النووي الروسي في حالة تأهب، بأنّه “ابتزاز نووي من أجل الحصول على هدف سياسي بالقوة والتهديد” وفق تعبيرها.

ونقلت الصّحيفة عن إيغور ديلانوي نائب مدير المرصد الفرنسي الروسي في موسكو، إن هذا الاستنفار يمكن أن يكون ردا على حدثين، “العقوبات المدمرة التي اتّخذها الغربيون”، و”المساعدة العسكرية المباشرة التي قدموها”، معتبرا أنها “شكل من أشكال العداء المشترك”.

ويطرح ديلانوي الخبير المتخصص في الجغرافيا السياسية الروسية -حسب الصحيفة- فرضية ثالثة، وهي أن “بوتين، من خلال هذه التصريحات، يسعى للقيام بعمليات عسكرية واسعة النطاق في الساعات القادمة تتضمن هجوما على كييف، ولذلك فهو “يذكّر بلغة التهديد الواضح بأنه يمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم ويؤكد أنه مستعد لاستخدامها إذا كان الغرب سيحبط خططه”.

وقالت الصّحيفة الفرنسيّة إنّ الترسانة النّووية الروسيّة الضخمة “التي تصل إلى 6 آلاف رأس نووي، تجعلها القوة الرائدة في العالم في هذا المجال قبل الولايات المتحدة”.

وتضيف الصّحيفة أنّ “قوة الردع” الروسية التي ذكرها بوتين تأخذ في الحسبان أيضا الردع التقليدي بصواريخ كروز بعيدة المدى بقدرة هجومية دقيقة للغاية، ويؤكد ديلانوي للصحيفة  أن “هذه الترسانة مستخدمة منذ بداية” العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

ونقلت صحيفة كومسومولسكايا برافدا الروّسية عن الجنرال بوريس سولوفيوف، الذي خدم في القوات الصاروخية الإستراتيجية الروسية وفي هيئة الأركان العامة  إن هذا هو “أعلى مستوى من الاستعداد القتالي، والمستوى التالي هو مستوى التأهب الكامل”، الذي يعني احتمال تفعيل “الزر الأحمر” في أي وقت، مشيرا إلى أن “الحقيبة النووية” متاحة فقط لثلاثة أشخاص، هم الرئيس ووزير الدفاع وقائد هيئة الأركان العامة.