الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

الساحل وشمال إفريقيا أمام تحدي المصير المشترك.. هل يقود التقارب الليبي النيجري إلى مرحلة جديدة؟

Author
ربيعة خطاب 16 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل التحديات الأمنية والإنسانية التي تواجه منطقة الساحل وشمال إفريقيا، تكتسب الزيارة التي يقوم بها رئيس وزراء النيجر إلى ليبيا أهمية خاصة، بالنظر إلى الملفات المشتركة بين البلدين، وعلى رأسها مكافحة التهديدات الأمنية، تعزيز التعاون التنموي، والتعامل مع قضية الهجرة غير النظامية وفق مقاربة تراعي سيادة الدول وتحفظ كرامة المهاجرين.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير في الشؤون الإفريقية وليد علتم لـ”الأيام نيوز” أن هذه الزيارة تعكس إدراكا متزايدا لدى دول المنطقة بأن الأزمات المتشابكة لم تعد قابلة للحل عبر مقاربات منفردة، بل تحتاج إلى تعاون إقليمي قائم على المصالح المشتركة والسيادة وعدم التبعية.

ويرى وليد علتم أن العلاقات الليبية النيجيرية تفرضها الجغرافيا السياسية بقدر ما تحكمها المصالح الاقتصادية، إذ تشكل الحدود الصحراوية الطويلة بين البلدين مجالاً مشتركا للفرص والمخاطر. فاستقرار النيجر ينعكس مباشرة على أمن الجنوب الليبي، كما أن استعادة ليبيا لاستقرارها تمثل عنصرا أساسيا في تحقيق التوازن الأمني داخل منطقة الساحل الإفريقي.

ويشير وليد علتم إلى أن التطورات التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة، خاصة الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إلى جانب تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي وصعود فاعلين دوليين جدد، دفعت دول المنطقة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الخارجية والبحث عن صيغ جديدة للتعاون الإقليمي بعيداً عن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.

وفي الجانب الأمني، يوضح وليد علتم أن ليبيا ومنطقة الساحل أصبحتا فضاءً أمنياً مترابطاً، يصعب فيه الفصل بين أمن شمال إفريقيا وأمن دول الساحل، نتيجة اتساع الحدود الصحراوية وتداخل المسارات التجارية والبشرية. ويؤكد أن انهيار مؤسسات الدولة الليبية بعد عام 2011 ساهم في انتشار السلاح وتحرك الجماعات المسلحة نحو دول الجوار، ما أدى إلى تعقيد المشهد الأمني في الساحل وخلق بيئة ساعدت التنظيمات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة على التوسع.

ويضيف وليد علتم أن التهديدات الأمنية القادمة من دول الساحل لا تتوقف عند حدودها الوطنية، بل تمتد نحو العمق الليبي، حيث تستغل الجماعات الإرهابية وشبكات تهريب البشر والأسلحة والمخدرات المساحات الصحراوية الشاسعة وضعف الرقابة الحدودية، الأمر الذي يجعل التنسيق الأمني والاستخباراتي بين ليبيا والنيجر ضرورة استراتيجية وليس خيارا سياسيا فقط.

وعلى المستوى الاقتصادي، يعتقد وليد علتم أن استقرار ليبيا يمكن أن يفتح آفاقا واسعة أمام دول الساحل من خلال تعزيز التجارة العابرة للحدود، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل، إلى جانب الاستفادة من فرص إعادة الإعمار. وفي المقابل، فإن استمرار الاضطرابات الأمنية في الساحل يحد من فرص التكامل الاقتصادي ويؤثر على مسارات الربط بين شمال إفريقيا وعمق القارة.

وفي ما يتعلق بملف الهجرة غير النظامية، يؤكد وليد علتم أن الجزائر  والنيجر وليبيا تمثلان محورا أساسيا في إدارة أحد أكثر الملفات تعقيداً بين إفريقيا وأوروبا، باعتبار النيجر دولة عبور رئيسية للمهاجرين القادمين من غرب ووسط القارة، فيما تشكل ليبيا محطة أساسية نحو السواحل الأوروبية.

ويشدد وليد علتم على أن التعامل مع الهجرة من منظور أمني فقط أثبت محدوديته، لأن هذه الظاهرة ترتبط بأسباب هيكلية أعمق مثل الفقر والبطالة والتغيرات المناخية وضعف التنمية والصراعات المسلحة. ولذلك، فإن أي استراتيجية فعالة يجب أن تجمع بين مكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وحماية المهاجرين، وخلق فرص تنموية داخل دول المصدر والعبور.

ويؤكد وليد علتم أن نجاح التنسيق الليبي  الجزائري النيجري في هذا الملف قد يساهم في إعادة صياغة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي على أساس شراكات تنموية حقيقية، تركز على الاستثمار في التعليم والطاقة والزراعة والبنية التحتية داخل دول الساحل، بدلا من الاقتصار على السياسات الرامية إلى الحد من تدفقات الهجرة نحو أوروبا.

 

ومن الجانب الجيوسياسي، يرى وليد علتم أن منطقة الساحل أصبحت واحدة من أهم ساحات التنافس الدولي بسبب موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية، حيث تتنافس عدة قوى دولية وإقليمية على توسيع نفوذها داخل المنطقة، وهو ما يجعل بناء موقف إقليمي موحد ضرورة لحماية مصالح دول الساحل وشمال إفريقيا.

ويضيف وليد علتم أن التجارب السابقة أظهرت أن التدخلات الخارجية، رغم ما وفرته من دعم أمني وعسكري، لم تتمكن من تحقيق استقرار دائم، بل ساهمت في بعض الأحيان في تعقيد الأزمات وتعزيز مشاعر الرفض الشعبي تجاه النفوذ الأجنبي، ما يعزز الحاجة إلى حلول تنبع من داخل المنطقة نفسها.

وفي هذا الإطار، يرى وليد علتم أن المستقبل يتطلب تقوية  آلية إقليمية تضم ليبيا والجزائر ومصر والنيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا، تقوم على تنسيق الجهود في مجالات الأمن والتنمية والهجرة والطاقة والربط الاقتصادي، بما يخلق منظومة قادرة على مواجهة التحديات المشتركة.

ويؤكد وليد علتم    على أن تحقيق الاستقرار في الساحل وشمال إفريقيا لن يتحقق عبر الحلول العسكرية وحدها، كما أن التنمية بمعزل عن الأمن لن تكون كافية، بل إن المطلوب هو مقاربة شاملة تجعل من الأمن مدخلاً للتنمية، ومن التنمية ضمانة للاستقرار، ومن التكامل الإقليمي أداة لتعزيز سيادة دول المنطقة وبناء مستقبل أكثر استقراراً بعيداً عن التبعية للقوى الخارجية.