الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

السلام في الخطاب والتسلح في الواقع.. كيف تعيد القوى الكبرى رسم موازين الردع النووي؟

Author
بثينة صايفي 09 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية وتعزيز ثقافة السلام والأمن الجماعي، تكشف المعطيات الحديثة عن اتجاه معاكس تمامًا، فقد سجل الإنفاق العالمي على الأسلحة النووية خلال عام 2025 قفزة غير مسبوقة، ما يعكس تنامي الرهان على القوة العسكرية كوسيلة لحماية المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى.

وبحسب تقرير الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية (ICAN)، ارتفع إنفاق الدول التسع المالكة للسلاح النووي إلى 119 مليار دولار خلال سنة 2025، بزيادة بلغت 19 بالمائة مقارنة بعام 2024، ويعد هذا الرقم الأعلى منذ بدء رصد هذه النفقات بشكل منتظم عام 2020، وهو ما يشير إلى مرحلة جديدة من التنافس العسكري بين القوى الدولية الكبرى.

ولا تعكس هذه الزيادة مجرد ارتفاع عادي في الموازنات الدفاعية، بل تكشف عن تحولات أعمق مرتبطة بطبيعة النظام الدولي الحالي، حيث أصبحت اعتبارات الأمن القومي والتوازنات الجيوسياسية تحتل موقعًا متقدمًا في أولويات الحكومات.

 

التوترات الدولية تدفع نحو تعزيز الردع النووي

يرى مراقبون أن الارتفاع المتواصل في الإنفاق النووي يرتبط بشكل مباشر بحالة عدم الاستقرار التي يشهدها العالم في السنوات الأخيرة، فالحرب الروسية الأوكرانية، والتنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، والأزمات الأمنية المتكررة في مناطق عدة من العالم، دفعت الدول الكبرى إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية.

وفي ظل هذه البيئة الدولية المضطربة، باتت الأسلحة النووية يُنظر إليها من قبل العديد من الدول باعتبارها الضمانة القصوى للردع وحماية المصالح الاستراتيجية، لذلك لم تعد الترسانات النووية مجرد أدوات دفاعية، بل تحولت إلى أوراق نفوذ سياسي وعسكري تستخدم في رسم موازين القوى الدولية.

 

الولايات المتحدة.. إنفاق يفوق الجميع مجتمعين

تواصل الولايات المتحدة ترسيخ موقعها كأكبر قوة إنفاقًا على الأسلحة النووية في العالم، فقد خصصت واشنطن خلال عام 2025 ما يقارب 69,2 مليار دولار لتطوير وصيانة وتحديث ترسانتها النووية، وهو مبلغ يفوق مجموع ما أنفقته بقية الدول النووية مجتمعة.

كما سجلت الولايات المتحدة أكبر زيادة سنوية بين الدول التسع بنسبة بلغت 22 بالمائة، وهو ما يعكس استمرار السياسة الأمريكية القائمة على تحديث أنظمة الردع الاستراتيجي، وتعزيز قدراتها العسكرية في مواجهة التحديات العالمية المتزايدة.

ويأتي هذا التوجه في سياق استراتيجية أمريكية أوسع تقوم على الحفاظ على التفوق العسكري العالمي، خاصة في ظل صعود منافسين دوليين يمتلكون قدرات عسكرية متنامية، وفي مقدمتهم الصين.

كما احتلت الصين المرتبة الثانية عالميًا من حيث الإنفاق النووي بعدما رفعت مخصصاتها إلى 13,5 مليار دولار، بزيادة بلغت 7 بالمائة مقارنة بالسنة السابقة.

ويعكس هذا الارتفاع رغبة بكين في مواكبة صعودها الاقتصادي بنفوذ عسكري واستراتيجي أكبر، فالصين تعمل منذ سنوات على تحديث قواتها المسلحة وتطوير قدراتها النووية ضمن رؤية طويلة المدى تهدف إلى تعزيز مكانتها كقوة عالمية قادرة على منافسة الولايات المتحدة في مختلف المجالات.

ويرى خبراء أن هذا المسار قد يساهم في تكريس حالة من التنافس الاستراتيجي طويل الأمد بين أكبر اقتصادين في العالم، وهو ما قد ينعكس على استقرار النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.

 

بريطانيا تتجاوز روسيا في ترتيب الإنفاق

من أبرز المؤشرات التي حملها تقرير 2025 تقدم بريطانيا إلى المرتبة الثالثة عالميًا في الإنفاق النووي متجاوزة روسيا لأول مرة.

فقد رفعت لندن إنفاقها إلى 12,6 مليار دولار بزيادة بلغت 17 بالمائة، بينما بلغ الإنفاق الروسي 9,5 مليار دولار بزيادة قدرها 6 بالمائة فقط.

ويعكس هذا التطور تنامي المخاوف الأمنية لدى الدول الأوروبية، خاصة بعد التحولات الجيوسياسية التي شهدتها القارة في السنوات الأخيرة، كما يشير إلى أن بريطانيا تسعى إلى تعزيز مكانتها العسكرية ضمن منظومة الردع الغربية، في وقت تواجه فيه روسيا تحديات اقتصادية وعسكرية متعددة.

 

مفارقة عالمية.. السلام في الخطاب والتسلّح في الواقع

تكشف هذه الأرقام عن مفارقة لافتة في المشهد الدولي، فبينما تواصل الحكومات والمنظمات الدولية التأكيد على أهمية السلام ونزع السلاح وخفض التوترات، تتجه الموارد المالية بشكل متزايد نحو تطوير أكثر الأسلحة تدميرًا في التاريخ.

ويطرح هذا الواقع تساؤلات عديدة حول مستقبل الجهود الدولية الرامية إلى الحد من الانتشار النووي، خاصة في ظل تراجع فعالية عدد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بالرقابة على التسلح، وتزايد الشكوك بين القوى الكبرى بشأن الالتزام المتبادل بإجراءات خفض الترسانات.

 

هل يدخل العالم مرحلة جديدة من سباق التسلح؟

ترى الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية أن استمرار هذا المنحى قد يعيد العالم إلى أجواء سباق التسلح التي طبعت فترات سابقة من التاريخ الحديث، ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا وخطورة.

فكلما ازدادت الأزمات الدولية وتشابكت المصالح الاستراتيجية، ازدادت معها رغبة الدول في تعزيز أدوات الردع العسكري، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من الإنفاق والتطوير والتحديث النووي.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن العالم يقف أمام معادلة صعبة: فبين الحاجة إلى الأمن والردع من جهة، ومتطلبات السلام والاستقرار والتنمية من جهة أخرى، تواصل الترسانات النووية التمدد بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، لتبقى إحدى أبرز القضايا التي ستشكل ملامح النظام الدولي خلال السنوات القادمة.