الأثنين : 03-10-2022

السودان.. دستور جديد لأزمة قديمة

أشادت عدة جهات دولية بمسودة الدستور الانتقالي السوداني الجديد، الذي أعدّته نقابة المحامين السودانيين، التي قالت “إنها صاغت المسودة بعد مشاورات واسعة، مع القوى السياسية، مؤكدة “إنها مسودة أولية قد تخضع لمزيد من النقاش، آملةًأن تمثّل المسودة مخرجا من الأزمة السياسية التي يعيشها السودان، ومقدمة لتشكيل حكومة مدنية تتمتع بالشرعية

وقد رحّبت الأمم المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بمشروع الدستور الانتقالي المكوّن من 67 بندا، حيث أصدرت كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والنرويج وإسبانيا والسويد وبريطانيا والولايات المتحدة، بيانا مشتركا للترحيب بالخطوة، واصفة المسودة “بالخطوة الجادة والمشجعة، وهي وثيقة حاسمة لتحقيق نظام موثوق وفعال للحكم الانتقالي بقيادة مدنية، من أجل وضع السودان على طريق الديمقراطية والانتخابات” وتوقّعت هذه الدول أن تفتح المسودة الجديدة “المجال لاستئناف التعاون والدعم الدولي.”

هل أزمة السودان في دساتيره؟

رغم الترحيب الدولي الكبير بالمسودة المقترحة، والآمال المعقودة على ما يمكن أن تمثّله هذه الوثيقة، فإن أزمة السودان لا تكمن في صياغة الدساتير فحسب، حيث شهدت البلاد منذ الاستقلال حوالي تسعة دساتير دائمة وأخرى مؤقتة، ورغم ذلك حدثت مجموعة من الانقلابات العسكرية التي أنهت بالنتيجة العمل بالدساتير المستفتى عليها، وسنّت الأنظمة الانقلابية لنفسها دساتير أخرى، دون أن تقوى تلك النصوص الدستورية السابقة على ردع هؤلاء الانقلابيين أو تنجح في تكريس نظام سياسي مستدام.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي السوداني محمد جميل أحمد، أن ما يجعل مشروع الدستور الجديد مهما أنه “أتى كثمرة للندوة الكبرى حول حوار الدستور الانتقالي التي استضافتها نقابة المحامين السودانيين قبل أسابيع بمشاركة كافة القوى السياسية الفاعلة”.

وأفاد جميل في تصريحه لـ “الأيام نيوز ” أن أهمية مشروع الدستور الانتقالي تكمن في أنه صيغة جادة ومحاولة في الاتجاه الصحيح لاستدراك الوضع الدستوري الذي يمكن أن يعيد اعتبارا شرعيا جديدا بدلا من الوضع السياسي المختل في السودان والمتجه الى الفوضى”، معتبرا أن الصياغة الجديدة ستساعد في إيجاد مخرج من المأزق والانسداد الذي أصبح يعيشه السودان منذ أحداث 25 أكتوبر 2021 “التي أنهت سلطة الحكومة المدنية”، لاسيما ” وأن المسودة تنص على مدنية الدولة، ومؤسساتها المختلفة، وكفالة الحريات الدينية، واستقلال الصحافة، ودمج قوات الدعم السريع ومقاتلي الفصائل المسلحة في الجيش السوداني”.

وفي ردّه على سؤال “الأيام نيوز” عن أسباب التفاؤل الكبير بمسودة الدستور، لا سيما الترحيب الدولي الكبير بوثيقة دستورية معدة من قبل نقابة المحامين، يبرّر محمد جميل الأمر بالقول ” أن المشروع الجديد حقق إرادةً سياسيةً غالبة للقوى الحية في المجال العام، حيث وقّع عليه أكثر من 45 كيانا سياسيا ومدنيا ومهنيا”.

من جهته يرى صلاح خليل، الباحث بمركز الأهرام للدراسات الاسترتيجية، والمختص في ملف السودان، أن” هناك انقساما في الساحة السياسية السودانية حول هذه الوثيقة، وإن كانت الكفّة تميل لصالح المسودة”.

صراع القوى الثورية والقوى التقليدية 

وفي تصريحه لـ “الأيام نيوز”، يقول خليل: ” بالرغم من مشاركة عدد كبير من القوى السياسية، لا سيما الثورية منها في ندوة الحوار وبالتالي في صياغة المسودة الجديدة، فضلا عن الترحيب الدولي بها، إلا أن ثمّة رفض من بعض القوى السياسية كحزب الأمة والاتحادي، وهما حزبان مهمّان وتاريخيان في المشهد السوداني، فضلا عن رفض الحركات المسلحة للوثيقة “.

ويبرر خليل هذا الرفض، “إنه نتاج حالة الانقسام القائم والاستقطاب الحاد في المشهد السوداني” “، موضحاً ” إنه جزء من الصراع بين القوى الثورية والقوى التقليدية، فحزبا الأمة والاتحادي يعتبران من أقدم الأحزاب التقليدية السودانية، ولا يمكن تجاهل شعبيتهما “.

ويتوقع خليل “أن يؤدي هذا الانقسام إلى الفشل في اعتماد ثم تطبيق مشروع الدستور الجديد”، موضحاً، ” إن المؤسسة العسكرية عبّرت عن رغبتها في تسليم السلطة للمدنيين في حال حدوث توافق سياسي عام بين القوى السياسية الكبرى والمؤثرة”.

وقد يدفع الانقسام الحالي – حسب رأي خليل – “المؤسسة العسكرية إلى البقاء في الحكم، بذريعة غيّاب التوافق الوطني بين المكونات السياسية المدنية وكذلك الحركات المسلحة “.

كما يشير خليل إلى “حساسية بعض القوى السياسية السودانية، لا سيما العتيدة منها، من التدخلات الدولية ومشاركة سفراء أجانب في صياغة دستور انتقالي للبلاد “.

دلالات الترحيب الدولي

حول الترحيب الدولي ودلالاته يؤكد محمد جميل ” إنه بات واضحاً مشاركة عدد من السفراء المعتمدين في الخرطوم، كسفراء السعودية والولايات المتحدة وبريطانيا، فضلا عن الآلية الثلاثية، مما يفسّر الدعم الذي حظي به هذا الخيار، الذي يبدو أنه قد يمثل مخرجاً من حال الانسداد الراهن” – حسب رأيه -.

ويرجّح جميل أن الميثاق الدستوري الجديد قد يكون “الأكثر قدرة على الاستجابة للخروج من الوضع الشاذ الذي أصبحت عليه السلطة داخليا وإقليميا ودوليا”، خاصة “وأنه نتاج لجهود شراكة سياسية أفضت إليها رؤى مختلفة للأحزاب خلال ندوة حوار الدستور الانتقالي “.

بينما يرى صلاح خليل “أن أهم ما يدفع الدول الغربية نحو دعم الوثيقة التي أعدتها نقابة المحامين، أنها “أكدت مدنيّة الدولة، واستبعاد المؤسسة العسكرية عن السلطة، ومبادئ فصل الدين عن الدولة”- حسب رأيه –

أهم بنود المشروع الدستوري الجديد 

تنص الوثيقة المكوّنة من 76 بنداً على “إلغاء كافة القرارات التي ترتّبت على الإجراءات التي اتخذها الجيش في تشرين الأول/ أكتوبر 2021.، فضلا عن “إلغاء الوثيقة الدستورية الموقّعة في أغسطس/أوت 2019.”.

كما تؤسس الوثيقة “لإقامة دولة مدنية تتبع نظام الحكم الفيدرالي”، و”ابتعاد المؤسسة العسكرية عن العمل السياسي والحكم، ودمج القوات العسكرية في جيش مهني واحد، تتركز مهمته في الدفاع عن سيادة وحماية حدود البلاد وحماية الدستور الانتقالي وتنفيذ سياسات الدولة.

كما تنص على “تنفيذ اجراءات عاجلة تخص الإصلاح الأمني والعسكري، وفق خطة متّفق عليها من جميع الأطراف، وتبعية جهازي الشرطة والأمن إلى السلطة التنفيذية على أن يكون رئيس الوزراء هو القائد الأعلى لها.