الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
إفريقيا

السودان وروسيا.. شراكة أمنية تتوسع وسط تعقيدات الحرب وتحديات الإقليم

Author
ربيعة خطاب 30 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل تصاعد التحديات الأمنية التي يواجهها السودان وتداخل الأبعاد الإقليمية والدولية في مسار الأزمة، يبرز الحراك الدبلوماسي والأمني بين الخرطوم وموسكو كجزء من جهود إعادة ترتيب موازين التأثير وبحث مسارات الاستقرار. ويأتي لقاء مدير جهاز المخابرات العامة مع الجانب الروسي ليعكس اهتماما متزايدا بتعزيز التنسيق الأمني ومناقشة مستقبل العملية.

وفي هذا السياق، أكد ياسين عمر حسن عمر، عضو المكتب التنفيذي لرابطة الصحافة الإلكترونية، أن العلاقات السودانية الروسية تعد من العلاقات التاريخية التي اتسمت بقدر كبير من التقارب السياسي والتنسيق في القضايا الاستراتيجية، لافتا إلى أن الموقف الروسي برز خلال الحرب الحالية باعتباره من أكثر المواقف الدولية دعماً لمؤسسات الدولة السودانية وشرعيتها.

وأوضح ياسين عمر حسن عمر أن موسكو ظلت تؤكد بصورة متكررة حق القوات المسلحة السودانية في أداء واجبها الدستوري المتمثل في حماية سيادة السودان ووحدة أراضيه والحفاظ على قراره الوطني المستقل. وأضاف أن روسيا، رغم نظرها إلى الملف السوداني من زاوية المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالنفوذ الإقليمي والبحر الأحمر والتعاون العسكري، فإن مواقفها العملية عكست دعماً سياسيا واضحا للخرطوم في مختلف المحافل الدولية.

وأشار ياسين عمر حسن عمر إلى أن أبرز تجليات هذا الدعم تمثلت في استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) داخل مجلس الأمن الدولي خلال نوفمبر 2024 ضد مشروع قرار بريطاني بشأن السودان، وهو الموقف الذي حظي بترحيب رسمي سوداني واسع، باعتباره دعما مباشرا للدولة السودانية في مواجهة الضغوط الدولية.

ويرى ياسين عمر أن من حق السودان إدارة علاقاته الخارجية، بما في ذلك علاقاته مع روسيا، وفق مبدأ الندية وتبادل المصالح بما يخدم أولويات الدولة السودانية وتطلعات شعبها في الاستقرار والتنمية والسلام. وأوضح أن العلاقات الدولية الناجحة تقوم على تحقيق المنافع الاقتصادية والأمنية المشتركة بعيدا عن التبعية أو الارتهان للمحاور الدولية، مشيرا إلى أن بناء القدرات الدفاعية وتعزيز الجاهزية لمختلف التحديات لا يتعارض مع خيار السلام، بل ينظر إليه باعتباره أحد عوامل حفظ التوازن ومنع التهديدات.

وأضاف ياسين عمر حسن عمر أن امتلاك عناصر القوة والردع يسهم في حماية السيادة الوطنية وتهيئة بيئة أكثر استقرارا لتحقيق سلام مستدام قائم على احترام إرادة الدولة ومصالح شعبها.

وحول انعكاسات الدعم الدولي لمؤسسات الدولة السودانية، أوضح ياسين عمر حسن عمر أن هذا الدعم لا يُنظر إليه فقط من زاوية الاصطفاف السياسي، وإنما باعتباره مدخلاً عملياً لإعادة الاستقرار ووقف الكلفة الإنسانية والاقتصادية الباهظة للحرب، والتي أثقلت كاهل السودان والإقليم معا.

وأكد ياسين عمر حسن عمر أن استمرار النزاع يعني استنزافا مفتوحاً للموارد والإمكانات دون تحقيق نتائج حاسمة، في مقابل واقع ميداني أظهر تماسك قطاعات واسعة من الشعب السوداني خلف قواته المسلحة تحت شعارات تعبر عن وحدة الموقف الوطني والدفاع عن سيادة الدولة وأراضيها.

وأشار ياسين عمر حسن عمر إلى أن أي دعم جاد لمؤسسات الدولة يسهم بصورة مباشرة في تقليل معاناة ملايين السودانيين، خاصة النساء والأطفال وكبار السن، الذين وجدوا أنفسهم في قلب أزمة أمنية وإنسانية معقدة. وأضاف أن استعادة مؤسسات الدولة لقدرتها على بسط الأمن وتقديم الخدمات تمثل خطوة أساسية نحو تهيئة بيئة آمنة للمدنيين وعودة الحياة الطبيعية بصورة تدريجية.

كما شدد ياسين عمر حسن عمر على أن استقرار السودان ينعكس بصورة مباشرة على أمن المنطقة بأسرها، إذ إن استمرار الفوضى يفتح المجال أمام انتشار السلاح والجماعات العابرة للحدود وتصاعد أنشطة التهريب، بينما يؤدي دعم الدولة الوطنية إلى تعزيز الرقابة على الحدود وتقليص مظاهر الانفلات الأمني التي تهدد الإقليم.

وعلى المستوى الاقتصادي، أوضح ياسين عمر حسن عمر أن إنهاء الحرب سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنمية وإعادة الإعمار، مستفيداً من الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها السودان في مجالات الزراعة والموارد المعدنية، وهي موارد قادرة، متى ما توفرت بيئة مستقرة، على جذب الاستثمارات وتعزيز الاقتصاد الوطني والإسهام في تحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي على نطاق إقليمي أوسع.

الدعم الدولي يعزز موقف الخرطوم لكن الحسم يتطلب إرادة وطنية موحدة

من جانبه، يرى الخبير الأمني، عمار العركي، أن العلاقات السودانية الروسية اتسمت تاريخياً بالتدرج والارتباط بالمصالح الاستراتيجية المشتركة، حيث ظل التعاون بين الخرطوم وموسكو حاضرا في ملفات الدفاع والتسليح والتنسيق السياسي، مع تطور ملحوظ خلال السنوات الأخيرة بفعل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأشار العركي إلى أن هذا التقارب اكتسب أبعاداً أكثر حساسية في ظل الحرب الحالية التي تجاوزت حدود المواجهة العسكرية التقليدية لتتحول إلى صراع متعدد المستويات تتداخل فيه الأبعاد الأمنية والإعلامية والسياسية بصورة متزايدة.

وأوضح عمار العركي أن البعد الاستخباري برز كأحد أهم مسارات التعاون بين البلدين، خاصة مع تصاعد الحاجة إلى تبادل المعلومات وقراءة التحركات الإقليمية والدولية المرتبطة بالنزاع، في ظل حرب أصبحت فيها أجهزة المخابرات لاعباً رئيسياً في إدارة الميدان وصناعة التأثير السياسي والإعلامي، إلى جانب دورها في تتبع شبكات الدعم والتمويل والتحركات العابرة للحدود.

وأكد عمار العركي أن لقاء مدير جهاز المخابرات العامة السوداني، الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، مع الجانب الروسي يكتسب أهمية خاصة، لأنه يتجاوز البعد البروتوكولي إلى مستوى تبادل التقديرات الأمنية وبناء قنوات لفهم طبيعة التحركات الإقليمية والدولية المرتبطة بالأزمة السودانية.

وأضاف عمار العركي أن التنسيق مع دولة تمتلك خبرة واسعة في إدارة الملفات الأمنية والصراعات غير التقليدية، مثل روسيا، يمكن أن يسهم في تحسين قراءة المشهد السوداني، سواء على المستوى الميداني أو فيما يتعلق بتتبع أنماط التمويل والدعم والتحركات السياسية والإعلامية المرتبطة بالنزاع.

وأشار عمار إلى أن تبادل الخبرات بين البلدين يمكن أن ينعكس على تطوير آليات الرصد والتحليل الأمني وتعزيز القدرات التقنية والاستفادة من تجارب إدارة النزاعات طويلة الأمد، لافتاً إلى أن الحرب في السودان لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تشمل أيضاً أبعاداً معلوماتية وإعلامية وحدودية وتكنولوجية معقدة.

وأكد عمار العركي أن التعاون في مجالات التحليل الأمني وبناء قواعد البيانات والتقييم المبكر للمخاطر قد يمنح المؤسسات السودانية قدرة أكبر على الاستجابة الاستباقية للتحديات بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل.

ويرى العركي أن هذا التقارب يمكن قراءته باعتباره مؤشراً على انتقال إدارة الأزمة السودانية إلى مرحلة أكثر تعقيداً ترتبط بإدارة المعلومات والتأثير وصناعة التوازنات، وليس فقط بالحسم العسكري التقليدي، موضحاً أن الحرب الحالية تسير عبر ثلاثة مسارات متوازية تتمثل في الميدان العسكري والمسار السياسي وحرب المعلومات.

وأضاف عمار العركي أن السيطرة على تدفق المعلومات وبناء الرواية السياسية أصبحت في بعض الأحيان أكثر تأثيراً من التحركات العسكرية نفسها، وهو ما يفرض على السودان تطوير أدواته في مجالات قراءة التحركات الإقليمية وتفكيك الشبكات الداعمة للخصوم ومواجهة حملات التأثير السياسي والإعلامي.

وفيما يتعلق بالدعم الدولي، شدد العركي على أن هذا الدعم يمكن أن يمنح الحكومة السودانية مساحة أوسع للتحرك سياسياً وميدانياً، لكنه يظل مرتبطاً بطبيعة الدعم وحدوده وأهدافه. فإذا كان الهدف منه تعزيز مؤسسات الدولة والحفاظ على الاستقرار، فإنه ينعكس إيجاباً على القدرة على ضبط المشهد الأمني وتقوية الموقف التفاوضي وتقليل الضغوط الخارجية، أما إذا ارتبط بحسابات التنافس الدولي والإقليمي فقد يتحوّل إلى عامل إضافي من عوامل تعقيد الأزمة.

وأكد العركي على أن أي دعم خارجي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يحقق نتائج حاسمة ما لم يقترن بإرادة داخلية موحدة وقدرة وطنية على إدارة التوازنات السياسية والعسكرية وبناء خطاب وطني جامع قادر على توحيد الصفوف وتوجيه الجهود نحو استعادة الاستقرار وإنهاء الحرب السياسية في البلاد.