الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
تقارير

السياحة بين الجزائر والسعودية.. كيف تتحول الإمكانات إلى منظومة استثمارية مشتركة؟ 

Author
هارون عمري 02 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتجه الرؤى الاقتصادية نحو تفعيل شراكة استراتيجية واعدة بين الجزائر والمملكة العربية السعودية في قطاع السياحة، ترتكز على استثمار المقومات الطبيعية والثقافية الاستثنائية للبلاد، بدءًا من الشريط الساحلي المتوسطي والموانئ الترفيهية، مرورًا بالمناطق السهبية والتراثية كالجلفة، وصولًا إلى عمق الصحراء الكبرى، وتستند هذه الشراكة إلى تكامل الإمكانات عبر الجمع بين الجغرافيا المتنوعة والفرص الاستثمارية الجزائرية، والخبرة السعودية المتنامية في تمويل وإدارة المشاريع السياحية الكبرى والتحول الرقمي، لصياغة نموذج تنموي مستدام يطيل مدة إقامة الزائر ويعزز تنويع الاقتصاد الوطني. 

ويرى الخبير والمستشار في السياحة لدى “آفاق السياحة”، نور الدين فراغ، أن التعاون الجزائري السعودي يستطيع إنشاء سلسلة قيمة تربط الإيواء والنقل والمطاعم والترفيه والتراث والصناعة التقليدية والخدمات الرقمية، مع إشراك المؤسسات والكفاءات الجزائرية ونقل الخبرة والتكنولوجيا وتكوين الشباب، ويؤكد أن نجاح هذه الشراكة يرتبط بتبسيط الإجراءات وتسهيل الوصول إلى العقار وتسريع التراخيص وتوفير إطار قانوني مستقر وشفاف، حتى تنتقل اللقاءات المهنية وفرص التعاون المعلنة إلى مشروعات قابلة للإنجاز والاستغلال. 

تعاون يبحث عن مشروعات قابلة للتنفيذ 

شارك رئيس الفدرالية الوطنية للفندقة والسياحة، عبد الوهاب بولفخاد، في لقاء جمعه بفاعلين ومهنيين في المملكة العربية السعودية، بدعوة من رئيس غرفة التجارة بالأحساء، وبحضور رئيس مجلس إدارة مجلة السياحة العربية ومدير مكتبها الإقليمي في شمال إفريقيا. وشكل اللقاء فرصة لبحث التعاون في الخبرة والترويج والاستثمار، بعد اطلاع الوفد الجزائري على تجربة معرض اللومي الحساوي في تثمين المنتج المحلي وربطه بالأسواق. 

ويمثل هذا اللقاء امتدادًا لمسار تعاون سبق أن تناولته جلسة عمل رسمية بين وزيري السياحة في البلدين سنة 2022، بحثت فرص الاستثمار السياحي في الجزائر وإمكان تنظيم لقاءات بين رجال الأعمال والمتعاملين، كما شهد ملتقى الأعمال السعودي الجزائري المنعقد بالرياض في نوفمبر 2023 توقيع ثماني اتفاقيات تجارية واستثمارية، شملت الخدمات السياحية وتقنية المعلومات وتأسيس الشركات المشتركة، ما يوفر أرضية مؤسساتية يمكن البناء عليها لتطوير مشروعات أكثر تحديدًا. 

وتعززت هذه الأرضية خلال منتدى الأعمال الجزائري السعودي المنعقد بالجزائر في أفريل 2025، حيث جرى توقيع اتفاقات ومذكرات تفاهم في السياحة والتجارة والصناعة والاستشارات، من بينها مذكرة بين شركتين جزائرية وسعودية في مجال السياحة والأسفار، وهو ما يشير إلى وجود اهتمام متبادل يحتاج إلى متابعة عملية وجداول زمنية وآليات تمويل واضحة. 

وتتحدد القيمة الاقتصادية للقاءات المهنية بما تنتجه من ملفات استثمارية ودراسات جدوى وشراكات تشغيلية، لأن الاتفاق العام على أهمية السياحة لا يكفي لتحديد موقع المشروع وكلفته ونمط تمويله وحصص الشركاء ومراحل الإنجاز. 

ويمكن إنشاء فريق أعمال مشترك يحوّل المقترحات إلى حافظة مشروعات موزعة بين الساحل والهضاب والسهوب والصحراء، مع تحديد الأولويات وفق جاهزية العقار والبنية التحتية والطلب المتوقع. 

الساحل بوابة لصناعة سياحية متكاملة 

في تصريح خص به “الأيام نيوز”، قال الخبير والمستشار في السياحة، نور الدين فراغ، إن تطوير شراكة استراتيجية بين الجزائر والمملكة العربية السعودية يمثل فرصة استثنائية لبناء تعاون يقوم على مبدأ “رابح رابح”، ويهدف إلى خلق القيمة وتوفير فرص العمل وتحقيق تنمية سياحية مستدامة. 

وأوضح أن الجزائر تمتلك مقومات استثنائية تحتاج إلى استثمارات أكبر، تشمل الساحل المتوسطي والجبال والهضاب العليا والسهوب والمدن التاريخية والثقافية والصحراء الواسعة بما تحتويه من تنوع طبيعي وتراثي، فيما راكمت المملكة خبرة متنامية في تمويل وإنجاز المشروعات السياحية الكبرى وتطوير البنية التحتية وإدارة المنشآت والوجهات والتسويق الدولي والتحول الرقمي. 

ويمتد الساحل الجزائري لأكثر من 1200 كيلومتر، وتحصي البيانات الرسمية 609 شواطئ، منها 427 شاطئًا مسموحًا للسباحة، فيما تشمل البنية السياحية 1557 مؤسسة فندقية بطاقة تقارب 143811 سريرًا، وأكثر من 4400 وكالة سياحة وسفر، إلى جانب مشروعات فندقية قيد الإنجاز ومواقع ومسارات مصنفة، وهي قاعدة مهمة تحتاج إلى رفع الجودة وتحسين الربط بين الإقامة والنقل والترفيه والخدمات. 

ويمكن أن تتجه الاستثمارات المشتركة إلى المنتجعات الساحلية والمراسي والموانئ الترفيهية والرياضات البحرية والغوص والرحلات السياحية والصيد الرياضي ومراكز الترفيه العائلي، على أن تدمج كل منشأة داخل وجهة متكاملة، ترتبط بمدينة قريبة ومواقع ثقافية وأسواق حرفية ومطاعم تعتمد المنتجات المحلية. 

وتتطلب السياحة البحرية تقييمًا بيئيًا دقيقًا وحماية الشواطئ من البناء المفرط والتلوث، إلى جانب دراسة قدرة شبكات المياه والطاقة والتطهير والنقل على استيعاب النشاط. فالمشروع السياحي الناجح يحتاج إلى موقع جميل وخدمات عمومية مستقرة وإدارة مهنية وتجربة تسمح للزائر بالبقاء والإنفاق والعودة. 

مسار يربط الساحل بالسهوب والصحراء 

يرى فراغ أن أهمية التكامل بين المقومات الجزائرية والخبرة الاستثمارية السعودية تكمن في إطلاق جيل جديد من المشروعات التي تربط الساحل والهضاب العليا والسهوب والصحراء ضمن مسارات متنوعة وطويلة الإقامة، عوض حصر الاستثمار في منشآت منفصلة لا ترتبط ببقية عناصر الوجهة. 

وتتيح ولاية الجلفة والمناطق السهبية فرصًا لتطوير سياحة الطبيعة والتراث والحياة البرية والثقافة المحلية والتقاليد الرعوية، مع احترام القوانين وحماية البيئة والأصناف الحيوانية، ويمكن ربط هذه التجربة بالمواقع الأثرية والنقوش الصخرية والفروسية وفنون الطبخ والنسيج والخيمة والمنتجات الرعوية. 

ويستطيع برنامج متكامل أن يبدأ بإقامة على الساحل، ثم ينتقل إلى مدينة تاريخية أو منطقة سهبية، وينتهي بتجربة صحراوية، ما يرفع عدد الليالي التي يقضيها السائح ويوزع إنفاقه على ولايات ومؤسسات متعددة، كما يمنح وكالات السفر منتجًا قابلًا للتسويق وفق اهتمامات الزوار، من السياحة الثقافية والبيئية إلى المغامرة والتصوير والفلك والحرف. 

ويتطلب هذا النموذج شركة لإدارة الوجهة تجمع الفنادق والوكالات والناقلين والمرشدين والحرفيين ومنظمي الفعاليات، وتتولى تسويق المسار بوصفه تجربة واحدة، كما يمكن اعتماد تذاكر وخدمات موحدة وحجوزات مترابطة، بما يخفف التعقيد الذي يواجه الزائر عند التعامل مع عدة مقدمي خدمات. 

الاستثمار يحتاج إلى عقار جاهز ومسار واضح 

أكد فراغ أن جعل التعاون أكثر جاذبية يقتضي مواصلة تحسين مناخ الاستثمار السياحي، من خلال تبسيط الإجراءات وتسهيل الحصول على العقار وتسريع التراخيص وتشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتوفير حوافز ضريبية موجهة وضمان إطار قانوني مستقر وشفاف. 

ويمكن إنشاء شباك جزائري سعودي للمشروعات السياحية الكبرى، يضم ممثلين عن السياحة والاستثمار والجماعات المحلية والبنوك والمهنيين، ويتولى مرافقة المشروع وحل الإشكالات الإدارية ضمن آجال معلنة. كما تفيد نماذج الشراكة التي توزع التمويل والمخاطر بين الدولة والقطاع الخاص، خاصة في المراسي والبنية الأساسية ومشروعات إعادة تأهيل الفنادق. 

نقل الخبرة شرط للشراكة المتوازنة 

شدد فراغ على أن التعاون لا ينبغي أن يقتصر على بناء الفنادق، ودعا إلى إنشاء منظومات سياحية تجمع الإيواء والمطاعم والنقل والترفيه والثقافة والتراث والصناعات التقليدية والمنتجات الفلاحية المحلية والفعاليات والخدمات الرقمية. 

ويمكن لهذه الشراكة، وفق تصوره، إنجاز منتجعات عصرية ومراسي وموانئ ترفيهية ومشروعات للسياحة البيئية ونزل صحراوية وقرى سياحية، إلى جانب إعادة تأهيل الفنادق وتثمين المواقع التراثية، مع إشراك المؤسسات والكفاءات الجزائرية حتى تساهم الاستثمارات في تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتكوين الشباب ونقل التكنولوجيا وخلق وظائف مستدامة. 

وتمنح التجربة السعودية في تطوير المشروعات الكبرى وإدارة الاستثمار والتسويق مجالًا للتعاون في إعداد الدراسات وهندسة الوجهات وإدارة الفنادق وتطوير العلامات التجارية وتكوين العاملين. وقد استقبلت المملكة 115.9 مليون سائح محلي ودولي خلال 2024، وبلغ الإنفاق السياحي 283.8 مليار ريال، فيما تستهدف استراتيجيتها الوصول إلى 150 مليون سائح و1.6 مليون وظيفة سياحية مباشرة بحلول 2030. 

ويفيد نقل هذه الخبرة حين يتحوّل إلى برامج تدريب داخل المشروعات، ووظائف إدارية وتقنية يشغلها جزائريون تدريجيًا، وعقود مناولة تمنح المؤسسات المحلية قدرة على النمو. ويمكن اشتراط نسب محددة للمشتريات المحلية والتكوين والتوظيف، وربط الامتيازات الاستثمارية بتحقيقها. 

كما تتيح تجربة معرض اللومي الحساوي درسًا في تحويل المنتج الزراعي المحلي إلى علامة اقتصادية وسياحية، من خلال الجودة والتغليف والفعاليات والتسويق. ويمكن تكييف الفكرة مع التمور وزيت الزيتون والعسل والحبوب والمنتجات الرعوية والحرف الجزائرية، لتصبح جزءًا من الرحلة ومصدر دخل للمجتمعات المستضيفة. 

الرقمنة تبني سوقًا سياحية مشتركة 

وضع فراغ الرقمنة ضمن المحاور الأساسية للشراكة، واقترح التعاون في إنشاء منصات ذكية للحجز والتسويق وإدارة الوجهات، وتطوير حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي والدفع الإلكتروني وتحليل البيانات، بما يرفع جودة تجربة السائح ويزيد تنافسية الوجهة الجزائرية. 

وتوفر التجربة السعودية نماذج عملية في التطبيقات السياحية التي تجمع المعلومات والحجز والفعاليات والخرائط والخدمات، كما أطلقت وزارة السياحة السعودية منصة موحدة للخدمات تشمل التراخيص والامتثال والاستثمار والتكوين والتطوير، وتضم خدمة ذكية للإجابة عن الاستفسارات وتسهيل الوصول إلى الإجراءات. 

ويمكن بناء بوابة مشتركة تعرض المسارات الجزائرية باللغة العربية والإنجليزية ولغات أخرى، وتربطها بإقامة ونقل ومرشدين وتجارب حرفية قابلة للحجز والدفع، مع توفير بيانات دقيقة عن المواسم والمسافات وشروط الدخول ومستوى صعوبة الأنشطة. 

ويتمثل طموح فراغ في إنشاء سلسلة قيمة سياحية جزائرية سعودية تستقطب السياح الدوليين، وتطيل مدة إقامتهم وترفع إنفاقهم وتضمن استفادة الاقتصاد المحلي، موضحًا أن الجزائر تقدم أراضيها ومقوماتها الطبيعية والتراثية ومواردها البشرية، فيما تقدم السعودية قدراتها الاستثمارية وخبرتها في المشروعات الكبرى والإدارة والتسويق والتحول الرقمي. 

وتقوم الشراكة المنشودة، بحسب فراغ، على تقاسم الاستثمارات والمخاطر والخبرات والعوائد، ضمن تحالف اقتصادي يحوّل الإمكانات إلى مشروعات مستدامة. ويبدأ ذلك بحافظة واضحة للفرص، وعقار جاهز، وشريك محلي مؤهل، وتمويل مضبوط، وخطة تكوين وتسويق، ومسار سياحي يجعل الساحل والسهوب والصحراء أجزاء مترابطة من تجربة واحدة، قادرة على خلق الوظائف والقيمة الاقتصادية وتعزيز حضور الجزائر في السوق السياحية الدولية. 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"
↑