«السيلياك».. مرض صامت يفتك باليمنيين ويحيّر الأطباء

لا يزالُ الحديثُ عن الصحةِ في اليمن يشكّل موضوعا واسع الجدل، على اعتبار أن ضحايا الأخطاء الطبية في تزايد مستمر فضلا عن تحوّل المستشفيات في زمن الحرب إلى مشاريع استثمارية رائجة، يسعى لافتتاحها المستثمرون وبتراخيص رسمية من وزارة الصحة العامة والسكان التي يقتصر دورها على هذا فقط، دون الإشراف المباشر وتطبيق القانون، فحينما يتحوّل الطب لسلعة تسقط كل المعايير، وتصبح القوانين في مهب الريح.

متاهات الطب في اليمن

طفلة في الثانية عشر من العمر بدأت معاناتها في سن مبكّر، حيث كانت تشعر بآلام في بطنها بشكل شبه دائم، يصاحبه نحول في الجسم وغثيان، إضافة إلى الإرهاق والفتور الذين يلازمانها بين فينة وأخرى، وتُعد هذه إحدى قصص المعاناة في بلد تفتقر مستشفياته لأدنى الإمكانات الطبية اللازمة والرقابة المباشرة على الأطباء الذي يفترض فيهم لعب دور أساسي للحفاظ على حياة الناس.

يقول أحمد حبيب والد الطفلة «جنى» المريضة بالسيلياك: “حينما شعرت ابنتي بالمرض أخذناها لطبيب مختص بالباطنية في أحد المرافق الصحية الحكومية فشخّص حالتها وصرف الأدوية اللازمة، لكنها لم تكن سوى مهدئات فحسب، وسرعان ما عاودها الشعور بالألم، وهنا طرقنا أبواب أطباء عديدين وجميعهم مختلفون بتشخيص الحالة، وصرف ما يناسب من دواء”.

ويضيف لـ«الأيام نيوز»، مرّ عامان من المعاناة وأنا أرى ابنتي يفتك بها المرض دون وجود حل لإنقاذها مما هي فيه، فالأطباء اكتفوا بتداول الحالة من طبيب إلى آخر، وصرف أدوية عدة وكأن ابنتي فأر تجارب ليس إلا.

ويتابع الوالد قائلا: “تواصل بي أحد أقاربي يتواجد في الأردن، مخبرا إياي بضرورة المجيء للأردن لتشخيص الحالة، ومعرفة ماهية المرض لا سيما بعد تضارب الأقوال لدى الأطباء في اليمن، وحين وصلت للأردن تم عرض ابنتي على متخصصين ليؤكدوا أنها مصابة بمرض السيلياك”.

الحمية هي الدواء

يواصل والد الطفلة «جنى» حديثه، بعد تشخيص الحالة ووضع برنامج الحمية من قبل الطبيب في الأردن، عدنا للوطن وهنا بدأت المعاناة في تطبيق الحمية، إذ أننا في بلد تعتد الأسرة في طعامها اعتمادا كليا على القمح الذي يعد من أهم الأشياء التي قد تؤدي إلى انتكاسة حالة ابنتي.

ويضيف، ولأن «جنى» ما تزال في عمر مبكر يصعب علينا إقناعها بوجوب ترك الكثير من الأطعمة التي تحوي على مادة الغلوتين، ولأن الحرب وتكاليف السفر أرهقت كاهلنا وجعلتنا نعيش وضعا اقتصاديا صعبا فقد أصبحت تكاليف الفيتامينات الخاصة بها إضافة لشراء الفواكه والأطعمة الخاصة بها أمرا صعب تدبيره، لا سيما في ظل الارتفاع الباهظ في أسعار المواد الغذائية، وتجاهل الجهات المعنية في دعم مرضى السيلياك، وتوفير لهم وحدات طبية خاصة بهم للكشف الدوري وتقديم الخدمات الطبية.

غياب الوعي

رغم الحالات الكثيرة المنتشرة في اليمن والتي تم اكتشافها حتى الآن إلا أن معظم اليمنيين بما فيهم المتخصصين ما زالوا يجهلوا شيء اسمه السيلياك أو الحساسية من مادة الغلوتين التي يحتوي عليها القمح ومشتقاته.

وهنا تقول د. إيمان الكثيري طبيبة وأخصائية تغذية العلاجية: “السيلياك مرض مناعي ذاتي يؤدي إلى حساسية دائمة من الغلوتين المتواجد في القمح والشعير في المرضى المعرضين وراثيا، فبعد تناول هذه الأطعمة، تتحفّز المناعة الذاتية في الأمعاء الدقيقة مؤدية إلى التهاب ودمار في بطانة الأمعاء، ما يُسمّى بالخملات، وهي المسؤولة عن امتصاص المغذيات ما يؤدي إلى سوء امتصاص للمغذيات الكاربوهيدرات والبروتينات والدهون والمعادن والفيتامينات، وسوء التغذية المستمر قد يؤدي إلى عدة حالات مرضية ومضاعفات مثل فقر الدم، وهشاشة في العظام ومشاكل في الخصوبة وتأخر في النمو”.

وتضيف في حديثها لـ«الأيام نيوز» أغلب أعراض مرض السيلياك متعلقة بالجهاز الهضمي مثل الإسهال المتكرر، ألم في البطن، مغص معوي، انتفاخات وغازات وغيرها، مشيرة إلى أنه يتم تشخيص المرض عن طريق فحص الدم (للكشف عن الأجسام مضادة محددة لمرض سيلياك)، وعن طريق فحص نسيجي للأمعاء بعد أخذ عينة وفحصها.

من جهة أخرى، يؤكد الدكتور مازن الحاج أخصائي باطنية لـ«الأيام نيوز» أن معضلة التشخيص في اليمن تعود إلى تشابه أعراض مرض السيلياك مع أمراض أخرى أكثر شيوعا، وكذا عدم إمكانيات قادرة على مساعدة الطبيب في استكشاف المرض كالمختبرات المجهزة والمناظير الحديثة إضافة للثقافة الصحية في اليمن ككل.

يمن سيلياك

في ظل غياب الجهات المختصة، وعدم وجود مرافق صحية تعنى بمرضى السيلياك نظرا للوضع الحاصل في البلد، أنشئت مؤسسة يمن سيلياك في مطلع العام 2021 بهدف مساعدة مرضى السيلياك والتحسّس من القمح والجلوتين في الجمهورية اليمنية، هكذا يتحدث يحيى بن ناصر المدير التنفيذي لمؤسسة (يمن سيلياك).

ويضيف لـ«الأيام نيوز» نقوم حاليا بجمع قاعدة بيانات المرضى في اليمن عبر التوعية المجتمعية الميدانية بأنواعها، والعمل على التوعية حول المرض في القطاعات الصحية وكذا المرضى أنفسهم وأسرهم وخاصة من يقوم برعاية المريض وتوعيتهم عن الأكل المسموح والممنوع وطرق إعداد الوجبات الخالية من الجلوتين، إضافة لإعطاء الدعم النفسي والمعنوي للمرضى وأسرهم بشكل مستمر.

 ويختتم حديثه بالقول: “وصلت المؤسسة خلال الفترة الماضية إلى ما يزيد عن 370 مريض من مختلف محافظات الجمهورية، ونأمل أن تصل التوعية خلال الأشهر القادمة إلى كل فئات المجتمع لأن شفاء المريض يتمثل في الحمية لا سواها”.