الأحد : 02-10-2022

السينما الفرنسية وثورة نوفمبر.. ألغام العنصرية والأكاذيب!!

شكّلت ثورة نوفمبر الجزائرية الخالدة، مادة دسمة لعرّابي السينما الفرنسية منذ أواخر خمسينات القرن الماضي إلى غاية الآن، واستبسل “محرّكو” الفن السابع في ديار باريس جاهدين للقفز على حقائق التاريخ، من خلال محاولة المنتجين الفرنسيين تمرير رسائل وخطابات عنصرية تتوافق مع نمطية الكولونيالية، ما أبقى هذه السينما تجترّ أوهام المحتلّ القديم، وتتعامل معها بنسق مكذوب رغم مرور أزيد من 59 سنة على افتكاك الجزائر استقلالها.

“الأيام نيوز” تتناول في هذه الورقة، بعض الأعمال السينمائية الفرنسية التي أنهكت نفسها بمحاولة تبييض وجهها الاستعماري ما يمثل علامة على الصورة التي كرّسها المنظور الفرنسي العام.

رغم انتفاعه من دعم الجزائر في ستينات القرن الماضي، عمل المخرج الفرنسي “كوستا غافراس” مع مواطنيه لتشويه صورة المجاهدين والشهداء الجزائريين في عشرات الأفلام السينمائية، وارتضى غافراس مراوغة وقائع التاريخ، وعلى المنوال ذاته نسج “جان بيار ليدو” عندما أظهر فيلمه “الجزائر: تاريخ لا يُقال”، تحاملا واضحا على ثورة الجزائر، محمّلا إياها مسؤولية ما سماها “العدائية” من خلال تسويقه لسيناريو مفاده أنّ قادة الثورة الجزائرية هم من أعطوا أوامر لتصفية المدنيين الأوروبيين من خلال تشجيعهم عمليات وضع القنابل في الأماكن العمومية ذات الأغلبية الأوروبية، وذهب جان بيار ليدو أكثر من ذلك عندما أصرّ على إقناع المتفرجين بأنّ الاستعمار الفرنسي بريء (…) من الجرائم المرتكبة في حق الشعب الجزائري (..).

وشكّل فيلم “العدو الحميم” (2006) تزييفًا صارخًا للتاريخ، إذ لم يتحرّج منتجه من (القذف) بالكفاح الجزائري المقدّس إلى “مزبلة الحركى”، كما تطاول على المجاهدين والشهداء بتجريدهم من صفة “البطولة”، وتفاجأ الجمهور الجزائري بعرض هذا العمل الفضائحي في قاعة ابن زيدون في الجزائر العاصمة، رغم أنّ كل من شاهده، اعتبر ترخيص السلطات آنذاك بعرضه “جريمة”، طالما أنّ الفيلم عدّ “وصمة عار” و”اعتداءً لا يُغتفر” ضدّ أرواح وتضحيات شهداء الأمة الجزائرية العظيمة.

وبتكالب مُمنهج، استعرض “العدو الحميم” ما سماهما (الوحشية) و(التناقضات)، وقال مخرجه “فلوران إيمليو سيري” إنّ الجيش الفرنسي وبعض قدامى المحاربين من المقاومة الفرنسية، واجهوا من وصفهم المخرج (مقاتلو حرب العصابات الجزائريين)، وصوّر الفيلم يأس وحدة فرنسية كانت تقتفي في عام 1959 أثر عدو مراوغ في الجبال القاحلة في شمال الجزائر، لكن عدم ثقتهم بما يفعلونه هناك، جعلهم ينزلقون تدريجيًا إلى مستوى الهمجية، لينقلب السحر على الساحر!

وقدّم فيلم “العدو الحميم” جملة من المشاهد الدراماتيكية للتعذيب بالصدمات الكهربائية الذي كان الجيش الفرنسي يستخدمه بشكل منتظم ضد السجناء، كما تضمن العمل لقطات لهجمات رهيبة بقنابل النابالم، لكنه يعرض أيضا ما نعتها (وحشية) المقاتلين الجزائريين، ومثل لها بمشاهد لقرية تعرضت إلى مذبحة للاشتباه في تواطؤ أهلها مع الفرنسيين، ويحرص الفيلم على إبراز لقطة تقشعر لها الأبدان وهي لرجل قطعت أنفه وشفتاه لارتكابه جريمة التدخين.

وحُظي الفيلم بـ(استحسان فرنسي)، لأنه لا يمجّد الاستعمار فقط، بل ألغى “الثورة الجزائرية العظيمة”، وصوّر “الحركى” أبطالا !.

1.8 مليون يورو لدعم “المساواة” بين الجلاّد والضحية!!

فجّر فيلم “كارتوش غولواز” (90 دقيقة) وهو من إنتاج مشترك جزائري فرنسي (2007)، قنابل بالجملة، وفي إنتاج جُسّد بأموال دافعي الضرائب الجزائريين أيام وزيرة الثقافة المحبوسة خليدة تومي، لم يتحرج المخرج المغترب “مهدي شارف” عن طعن ذاكرة ورموز الجزائر، والجنوح نحو تمجيد الاستعمار، وعبّرت الجماهير الجزائرية كما النخب عن استيائها العميق لكون الفيلم المعروض في مهرجان “كان” 2008 (خارج المسابقة)، سقط في فخ القفز على الحقائق التاريخية، بعدما استنزف مخصصات زادت عن 1.8 مليون يورو رصدتها له الحكومة الجزائرية.

وروى الفيلم طفولة المخرج نفسه، عبر قصة الطفل ”علي” التي تختزل ما طبع ثورة الجزائر التحررية وتمزّقات تلك المرحلة وتجاذباتها (1954 م-1962م)، في الفيلم نجد الصبي علي بائع الصحف ذي العشر سنوات، الذي ينسج علاقات حميمية مع ثلاثة من أقرانه “نيكو”، “دافيد” الفرنسيان، والإسباني “جينو”، وجميعهم من عائلات يهودية.

هؤلاء اعتبروا والد علي (إرهابيا) لكنهم يصاحبونه، ويصرون باستمرار على مواجهته بالسؤال المحرج:”هل صحيح أنّ والدك إرهابي؟”، ومضى هذا الرباعي الطفولي، في مغامرات مفتوحة تتعامل بتقزّز من الجرائم الفرنسية ومن المقاومة الجزائرية، حتى أنّ المخرج يدفع أبطاله للمساواة بين الجلاّد والضحية، بزعم “إفرازهما لآلام الحرب وبشاعاتها” (..).

طبعًا مثل هذا الكلام المجانب لحقيقة ما كان قبل أزيد من نصف قرن، وزاد عليه المخرج أن نسب إلى الجزائريين “ترهيب” اليهود (…)، مع أنّ هؤلاء غادروا البلد بمحض إرادتهم، علمًا أنّ الجزائر احتضنتهم، بينما هم خانوها وأعانوا الفرنسيين على احتلالها في صائفة العام 1830م، وحتى يفرض نوعًا من (التوازن العارض)، أوحى المخرج للعجوز اليهودية راشيل التي رفضت مغادرة الجزائر بعد الاستقلال، أن تقول: “أفضّل أن أموت هنا بسكين عربي على أن أعيش المهانة هناك على أيدي الفرنسيين”، كما جاء على لسان الطفل جينو مناجيًا صديقه دافيد: “لا ترحل، هناك في فرنسا لا يطيقون اليهود!”.

عنوان الفيلم “كارتوش غولواز” انطوى على إحالتين، فلفظ (كارتوش) يحتمل معنى الغلاف الكارتوني لعلبة السجائر، وفي الوقت ذاته يمكن قراءة (كارتوش) على أنّها “خرطوشة” أي ذخيرة رصاص، كما أنّ “غولواز” يتّم استقراؤها سيميائيًا على أنها ماركة السجائر الفرنسية الأكثر رواجاً في المغرب العربي، مثلما تعني “الغولوا” Gaulois وهو الكائن الفرنسي.

المنتقدون أعابوا على المخرج مهدي شارف، تصويره فرنسا كـ “ملاك”، وارتضائه دور الشاهد المحايد دون أن يتبنى موقفًا للجزائر، مع أنّه ابن هذه الأرض، إذ اكتفى بسرد الأحداث وتصوير عمق العلاقة الإنسانية بين الفرنسيين المدنيين والمواطنين الجزائريين، دونما تبنٍ لموقف جزائري أو فرنسي.

إهانات غير بريئة

وجّه مخرج “كارتوش غولواز” إهانات غير بريئة إلى بلده الأمّ “الجزائر”، فقد صوّر العلم الجزائري على ناصية كوخ حقير من قصب علّقت عليه الراية المحلية، وفي اختتامه الفيلم، طرح العلم الجزائري أرضا عوض أن يرفرف عاليا، ولم يتحرّج من إبراز ثوار الجزائر في صورة مشينة إذ ألبسهم زيا أفغانيا، كأنّما يوحي بأنّهم (إرهابيين)، كما غاب مصطلح “مجاهد” واٌستعيض عنه بكلمة “فلاڤة” (كان يستخدمها الفرنسيون دلالة على ثوار الجزائر).

هذه الكليشيهات رأى فيها الشارع الجزائري جافة، وتشكّك في هوية ونبل “المجاهدين”، وجوفاء من الحقيقة التاريخية، من حيث ترويجها لـ(نعومة) فرنسية انكسرت، علمًا أنّ المخرج سخر من المساجد، عندما راح يقارنها في قالب فولكلوري بناطحات سحاب مدينة مارسيليا، وذهب إلى حد التهديد بتدمير فرنسا للمساجد بعد أن (دمّر الفدائيون الجزائريون تمثالاً بوسط المدينة)، ولم يغفل مهدي شارف أن يستهزئ بتعدد الزوجات عند المسلمين في حوار جعل من الرجل الجزائري متعطشا جنسيا والمرأة مجردة من الإرادة تخضع لنزواته متى أتى دورها ومتى أراد، فضلا عن إظهاره فتاة جزائرية في بيت دعارة مع جنود فرنسيين.

وثالثة الأثافي، ذاك التعاطف غير المفهوم للمخرج مع اليهود و(الحركى) وهم أولئك الذي باعوا وطنهم لصالح الكولونيالية، فنبذهم المجتمع الجزائري، لكن المخرج فضّل التعاطي معهم بصورة إنسانية متجردة من خلال تقديمه شخصية “جلول” الحرْكي الفظّ والعنيف الذي يثير الرعب في نفس الطفل علي، كلما صادفه أثناء الحرب، لكنّه يشعر بالأسى عليه حين يراه بعد إعلان الاستقلال، عارياً ومقيّداً في مخزن مهجور.

اعتداءات “دليس بالوما” و”بركات”

تضمّن فيلما “حرم السيدة عصمان” و”دليس بالوما” للمخرج الفرانكو جزائري نذير مخناش، أفكارًا غريبة مليئة بالمغالطات عن الثورة الجزائرية فحرّف وسقط في الانحراف، ثارت في الجزائر موجة استياء عارمة، إثر إقدام فيلم “بركات” لمخرجته جميلة صحراوي المقيمة بباريس، على “سبّ الجزائر وتجريم ذاكرتها الوطنية”، حيث انطوى الفيلم المذكور على السخرية والتعريض بشهداء الجزائر، والتهكم الصريح بمجاهدي الثورة، ناهيك عن عدم تحرّج الفيلم المنعوت بـ “السياسي التجاري” عن مهاجمة قوات الأمن الجزائرية.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.