الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الشراكة الاستراتيجية بين الجزائر وتشاد.. تحالف صحي يرسم ملامح التكامل الإفريقي

Author
إيمان عبروس 11 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتصدر الشراكة الاستراتيجية بين الجزائر وتشاد واجهة التعاون الصحي الإفريقي، مدفوعة بإرادة سياسية راسخة ورؤية مشتركة تستهدف بناء منظومات صحية عصرية وأكثر كفاءة.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها القارة، تمضي الدولتان نحو إرساء نموذج متقدم للتعاون الثنائي، يرتكز على تأهيل الكفاءات، ونقل التكنولوجيا الطبية، وتسريع التحول الرقمي، وعصرنة تسيير المؤسسات الاستشفائية، بما يعزز الأمن الصحي، ويدعم التكامل الإفريقي، ويكرّس مكانة الجزائر شريكاً محورياً في ترسيخ السيادة الصحية والتنمية المستدامة.

ويترجم هذا التوجه عبر خطوات عملية لتفعيل اتفاقية الشراكة، من خلال إطلاق برامج تعاون تشمل التكوين الطبي المتخصص، وتبادل الخبرات، وتطوير المنصات الرقمية، وتعزيز قدرات المؤسسات الصحية. كما تمتد مجالات التعاون إلى ميادين نوعية، على غرار زراعة الكلى والكبد، وإدارة الأدوية، بما يمنح هذه الشراكة بعداً استراتيجياً قائماً على بناء القدرات الذاتية، ورفع جاهزية المنظومات الصحية لمواجهة التحديات الوبائية والأزمات المستقبلية.

ويعكس هذا المسار المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها المنظومة الصحية الجزائرية كمرجع إقليمي في القارة، بفضل خبراتها المتراكمة وكفاءاتها الطبية.

كما يجسد التزام الجزائر بجعل الدبلوماسية الصحية إحدى ركائز تعاونها الإفريقي، من خلال تفعيل برامج التوأمة، وتكثيف الزيارات المتبادلة، وتبادل المعرفة والخبرات، بما يرسخ شراكة مستدامة تسهم في بناء منظومة صحية إفريقية أكثر تكاملاً وقدرة على مواجهة التحديات المشتركة.

السياسة الخارجية والعمق الجيوسياسي للشراكة

وفي تصريح خص به “الأيام نيوز”، كشف بدر الدين كليبي، مختص في الشأن الصحي، أن خطة التعاون الصحي بين الجزائر وتشاد تتجاوز الإطار التقني الضيق لتشكل تجسيدا فعليا لدبلوماسية صحية متكاملة أصبحت إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية الجزائرية في القارة، مشيرا إلى أن الجزائر انتقلت إلى مرحلة تصدير الخبرة، وبناء القدرات، ومرافقة الدول الإفريقية في تطوير منظوماتها الصحية على أسس مستدامة.

وأوضح كليبي أن نقل الخبرات الجزائرية في مجالات التكوين الطبي، والرقمنة، والرقابة الوبائية، وإدارة الدواء، وزراعة الأعضاء المعقدة، يعكس مستوى التطور الذي بلغته المنظومة الوطنية، مؤكدا أن هذا الرصيد العلمي والمؤسساتي يمنح الجزائر دور المرجع الإقليمي في تخصصات طبية عديدة، ويعزز قوتها الناعمة ومكانتها المتقدمة داخل الفضاء الإفريقي.

وأضاف المتحدث أن هذا التوجه ينسجم مع الرؤية الاستراتيجية القائمة على ترسيخ مبدأ الشراكة المتكافئة المستقلة عن منطق الهيمنة، انطلاقا من الإيمان بأن أمن إفريقيا الصحي مسؤولية جماعية، معتبراً الاستثمار في بناء القدرات المحلية للدول الشقيقة الضمان الحقيقي لمواجهة الأوبئة والأزمات الصحية المستقبلية.

وشدد الخبير، من الناحية الجيوسياسية، على الأهمية الخاصة لتعزيز التعاون مع تشاد بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي في منطقة الساحل التي تواجه تحديات أمنية وإنسانية متشابكة، لافتاً إلى أن دعم المنظومة الصحية التشادية يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي، باعتبار الأمن الصحي جزءا أصيلا من الأمن القومي المشترك في إفريقيا.

وأكد كليبي أن اعتماد الرقمنة الصحية وتبادل المنصات الرقمية يفتح آفاقا جديدة أمام التكامل الإفريقي، ويؤسس لشبكات تعاون عابرة للحدود قادرة على تسريع الاستجابة للأزمات وتحسين جودة الخدمات، متوقعا أن تشهد السنوات المقبلة تصاعدا للدور الجزائري لتصبح البلاد مركزاً قارياً للتكوين الطبي والبحث العلمي والابتكار الصحي.

محاور السيادة الطبية والتميز البيولوجي

ومن الجانب البيولوجي والنقابي، يكتسب التعاون الجزائري التشادي أبعادا ترتبط بالسيادة الوطنية والمشاريع المستقبلية الكبرى، وهو ما يجعل الكفاءات المهنية محورا أساسيا في تفعيل هذا المسار الاستراتيجي وتطوير الخدمات المتخصصة.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور بوجلال يوسف، باحث في البيولوجيا ورئيس النقابة المستقلة لبيولوجيي الصحة العمومية، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن تعزيز نقل الخبرات الطبية والرقمية إلى الدول الإفريقية يرسخ مكانة الجزائر كقوة إقليمية سيادية، خاصة تزامناً مع إطلاق مشاريع استراتيجية ضخمة كمصنع اللقاحات، ومشاريع العلاج بالأجسام المضادة، ومركز العلاج بالخلايا الجذعية.

وأكد المتحدث أن بناء القدرات البشرية ونقل الخبرة يمثل المحور الأساسي للتعاون، عبر تكوين الأطباء والإطارات الصحية ورفع كفاءة الموارد البشرية في البلد الشريك، معتبرا هذا العمل امتدادا لجهود تاريخية مستمرة تؤوي من خلالها الجزائر بعثات إفريقية دورية لتلقي التدريب والتربصات التطبيقية في مختلف المؤسسات الاستشفائية عبر الوطن.

وأضاف بوجلال أن التفوق الجزائري في رقمنة القطاع الصحي عبر المنصات الرقمية يقدم إضافة نوعية للشركاء، تضمن تحسين إدارة الخدمات وتبادل البيانات بسرعة وكفاءة عالية، مبرزا أهمية تعزيز الأمن الصحي الإقليمي عبر نقل الخبرة الوقائية والرقابة الوبائية، ما يسهم في رفع جاهزية الدول الإفريقية لمواجهة الفيروسات المستجدة والحد من انتشارها.

واختتم رئيس النقابة بالإشارة إلى تميز الجزائر في مجالات متقدمة كزراعة الكلى والكبد والتحاليل الطبية الدقيقة، داعيا إلى استدامة هذه الشراكة عبر برامج التوأمة والزيارات الدورية والتربصات المتبادلة لضمان استمرارية التعاون وتحويله إلى مشاريع ذات أثر طويل المدى تؤسس لشبكات تعاون إفريقية واسعة قائمة على تبادل المعرفة والتفوق الصحي.

مأسسة التبادل وتأطير البعثات الطبية

وتتكامل الأبعاد الاستراتيجية والبيولوجية مع أهمية المرافقة الميدانية وتأسيس أطر تنظيمية واضحة لحركة الكفاءات بين البلدين، ما يحوّل الاتفاقيات النظرية إلى واقع معيش يعود بالفائدة المباشرة على جودة تسيير الهياكل الصحية وتدريب الطواقم الإدارية والطبية المتخصصة.

ويسهم إرساء مسارات واضحة للبعثات الطبية المشتركة في تبادل الأساليب الحديثة لإدارة الأدوية والتوزيع اللوجستي للمستلزمات العلاجية، وهو ما تراهن عليه الجزائر لتطوير أداء المستشفيات التشادية وتحديث مناهج الاستجابة الاستعجالية. وتدعم هذه الهيكلية التنظيمية تنظيم ورشات عمل دورية تهدف إلى نقل المعرفة التقنية المرتبطة بالتحاليل الدقيقة وصيانة التجهيزات الطبية الحساسة، ما يقلل من التبعية للخارج ويصنع نواة لكفاءات تشادية محلية قادرة على القيادة الذاتية.

ويسمح هذا التنسيق الممنهج بتعظيم الاستفادة من المنصات الرقمية الجزائرية ونمذجتها لتتوافق مع حاجيات القطاع الصحي في تشاد، الأمر الذي يسهل ضبط الملفات الطبية الإلكترونية وتتبع الأوضاع الوبائية بمرونة كاملة.

وتجسد هذه الخطوات الانتقال الفعلي نحو مرحلة متقدمة من العمل التضامني القائم على المتابعة الدقيقة والتقييم المستمر لنتائج التوأمة، بما يضمن تحقيق الأثر الإيجابي المستهدف وتكريس مبادئ الجودة والسلامة الصحية في الفضاء القاري.

 تكامل الجهود نحو أمن صحي قاري مشترك

وأكدت تصريحات كل من بدر الدين كليبي، المختص في الشأن الصحي، والدكتور بوجلال يوسف، رئيس النقابة المستقلة لبيولوجيي الصحة العمومية، وجود رؤية متكاملة تجمع بين التخطيط الجيوسياسي والتميز المهني الفني، كركيزتين أساسيتين لنجاح الدبلوماسية الصحية الجزائرية في إفريقيا.

كما أكد د المتدخلان أن تعزيز الشراكة يمر عبر تفعيل برامج التكوين الطبي التخصصي، وتطوير تسيير المؤسسات الاستشفائية، ونقل تكنولوجيا الرقمنة والتحاليل الطبية الدقيقة، إلى جانب تشديد التنسيق الهيكلي لمواجهة الأزمات الوبائية المستجدة وتأمين الفضاء القاري من التهديدات الصحية المتزايدة.

وفي موازاة الجهود الميدانية، تبرز التوأمة والزيارات المتبادلة كعامل حاسم في استدامة المشاريع، من خلال ترسيخ بيئة عمل مشتركة تقوم على تقاسم التكنولوجيا الطبية المتقدمة كزراعة الكلى والكبد، واعتماد المسارات العلمية الحديثة في إدارة الأدوية والبحوث البيولوجية المتطورة.

كما يشكل التوافق بين الأبعاد السياسية والتقنية دعامة أساسية لترقية المكانة الإقليمية للجزائر، عبر تنظيم ملتقيات ودورات تدريبية متخصصة تعرّف الكوادر الإفريقية بآليات الرقابة الصحية الحديثة، وأهمية الاستثمار في الكفاءات البشرية المحلية لضمان الاكتفاء والسيادة العلاجية الكاملة.

ويجمع المصرحون على أن الأمن الصحي الإفريقي مسؤولية تضامنية تتطلب تكامل الأدوار بين الهيئات الدبلوماسية والمؤسسات الطبية والخبراء، بما يدعم تأسيس شبكات تعاون عابرة للحدود تضمن جودة الخدمات الصحية وتصون حياة المواطن الإفريقي في مختلف الظروف.

وتبقى مواجهة التحديات الصحية القارية مساعيَ مشتركة تتكامل فيها الخبرة الجزائرية مع تطلعات الدول الشقيقة، بما يعزز الاستقرار الإقليمي، ويرسخ منظومة صحية إفريقية قوية تعتمد على المعرفة والعلم وبناء الإنسان، ضمانا لتحقيق التنمية المستدامة والرفاهية لجميع شعوب المنطقة.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.