الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

الشراكة الاقتصادية الجزائرية التركية.. بوابة لتعزيز الاستثمار وبناء سلاسل القيمة

Author
إيمان عبروس 13 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشكل الشراكة الاقتصادية الجزائرية – التركية نموذجا متقدما للتعاون الاستثماري والإنتاجي، يرتكز على بناء سلاسل قيمة مشتركة، وتوطين الصناعات، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتعزيز الإدماج الصناعي، بما ينسجم مع الرؤية الاقتصادية الجديدة للجزائر الرامية إلى تنويع مصادر الإنتاج، ورفع القيمة المضافة، وترسيخ اقتصاد تنافسي قائم على الابتكار والإنتاج.

ويواكب هذا المسار الاستراتيجي الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الجزائر لتحسين مناخ الاستثمار، واستقطاب المشاريع النوعية، وتطوير القاعدة الصناعية الوطنية، بما يعزز مكانة البلاد كوجهة استثمارية واعدة ومحور إقليمي للإنتاج والتصدير.

وفي هذا السياق، يأتي هذا التطور المتسارع ليترجم الرغبة المشتركة للبلدين في رفع حجم التبادلات البينية إلى سقف 10 مليارات دولار، مستفيدين من الإرادة السياسية الصارمة، ومن الإصلاحات الهيكلية العميقة التي باشرتها الجزائر لتحسين مناخ الأعمال وتوفير بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة.

ويعكس تصنيف منظمة التجارة العالمية لتركيا كأحد أبرز الوجهات الجديدة للصادرات الجزائرية خارج السوق الأوروبية التقليدية تحولا استراتيجيا بارزا في خارطة التجارة الخارجية الوطنية، يساهم مباشرة في تقليص الاعتماد على الأسواق الكلاسيكية وتنويع الشركاء الاقتصاديين الدوليين.

وفي تصريح خاص خص به “الأيام نيوز”، أكد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف، أن المؤشرات الرقمية المسجلة تعكس نجاعة الحوكمة الاقتصادية الجديدة، مبرزا أن الانتقال من التبادل التجاري البسيط إلى مرحلة الاندماج الصناعي وبناء سلاسل القيمة المشتركة يمثل الضمانة الحقيقية لتحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي ومستدام يخدم مصالح البلدين.

تحول هيكلي يعزز الصادرات خارج المحروقات

وأوضح هادف في قراءته للمسار التجاري بين البلدين أنه ورغم استمرار قطاع الطاقة والمحروقات في تصدر الصادرات الجزائرية نحو تركيا بواقع 958,12 مليون دولار في عام 2025، فإن البروز اللافت والتصاعدي لصادرات الحديد والصلب والمواد الكيميائية يمثل مؤشراً بالغ الأهمية على بداية تحول جذري في بنية الصادرات الوطنية. وأشار إلى أن هذا التنوع يعكس بوضوح تطور القدرات الإنتاجية المحلية، ويؤكد أن الاستثمارات الصناعية الموجهة نحو هذه الشعب الاستراتيجية بدأت تخلق منتجات ذات قيمة مضافة مرتفعة تملك كافة المقومات التنافسية لولوج الأسواق الدولية الصارمة وفرض مكانتها التصديرية.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن هذا التغير الهيكلي يسهم في تعزيز مرونة الاقتصاد الوطني أمام الصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية، حيث يثبت أن السياسة الصناعية المعتمدة بدأت تؤتي ثمارها ميدانيا عبر تحويل الجزائر من بلد مستهلك ومستورد لهذه المواد الحيوية إلى فاعل إقليمي ومصدر موثوق، وهو ما يدعم مباشرة احتياطيات الصرف ويصحح الاختلالات التاريخية في ميزان المدفوعات التجاري.

الاستثمار التركي.. توطين للتكنولوجيا وخلق للوظائف

وفيما يتعلق بالحجم الإجمالي للاستثمارات المباشرة، أفاد الأستاذ عبد الرحمان هادف بأن الاستثمار التركي في الجزائر يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى كتلته المالية الضخمة التي تقدر بنحو 24 مليار دولار، موزعة برؤية هندسية واضحة على قرابة 687 مشروعا استثماريا كبيرا يغطي قطاعات حيوية واسعة.

وتتوزع هذه المشاريع بفاعلية بين مركبات الحديد والصلب العملاقة والمتطورة تكنولوجيا التي تلبي الطلب المحلي وتوجه فائضها نحو التصدير، وبين الأقطاب الصناعية المتكاملة في قطاع النسيج والملابس المبنية بخبرات تركية رائدة لإعادة إحياء هذا النشاط وخلق فرص عمل واسعة للشباب الجزائري.

وأشار إلى أن الحركية الاستثمارية تتوسع لتشمل مشاريع استراتيجية في الصناعات التحويلية تهدف إلى تثمين الموارد الأولية المحلية، وتعزيز القيمة المضافة، ودعم الإدماج الصناعي، بما يقلص فاتورة الاستيراد ويعزز السيادة الاقتصادية. كما تشمل مشاريع كبرى في الهندسة وبناء المنشآت القاعدية والأشغال العمومية، بما يدعم تحديث البنية التحتية الوطنية.

وأبرز أن توطين هذه المشاريع الصناعية الكبرى أسهم في بناء منظومة مناولة وطنية متكاملة، أصبحت فيها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ركيزة أساسية في سلاسل الإمداد والإنتاج، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويكرس التنمية الصناعية المستدامة.

 الجزائر.. بوابة إفريقيا ومنصة لوجستية واعدة

وشدد المستشار الدولي على الأهمية البالغة للبعد الجيواستراتيجي للموقع الجغرافي المتميز للجزائر، موضحا أن العديد من المؤسسات الاستثمارية والشركات التركية العملاقة اعتمدت الجزائر كقاعدة إنتاجية متقدمة ومنصة لوجستية رئيسية للتوجه والامتداد نحو الأسواق الإفريقية الواعدة. وتستفيد هذه الرؤية الاستشرافية من الانضمام الفعال للجزائر إلى اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية “AfCFTA”، بالتكامل مع شبكات النقل واللوجستيك التي تعرف توسعا وتحديثا متسارعا عبر كامل التراب الوطني.

ونوه هادف إلى أن ربط شبكات السكك الحديدية بالطرق البرية والموانئ الاستراتيجية الأربعة الكبرى، بالإضافة إلى مشروع الطريق العابر للصحراء، يمنح الاقتصاد الجزائري فرصة تاريخية للتحول إلى مركز صناعي ولوجستي إقليمي يربط بكفاءة عالية بين جنوب المتوسط، وأوروبا، وأعماق القارة الإفريقية، مما يجعل من المشاريع الاستثمارية المشتركة وسيلة مثلى لولوج أسواق استهلاكية ضخمة تضم أكثر من مليار مستهلك بميزات تفضيلية وتنافسية هائلة.

 هندسة استراتيجية لترسيخ السيادة الصناعية

ومن منظور اقتصادي، أشار هادف إلى أن هذه الشراكة المتكاملة تساهم بامتياز في تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية الحيوية التي تتقاطع مع برامج الإصلاح والتجديد الاقتصادي التي تقودها السلطات العمومية.

ويأتي في مقدمة هذه المكاسب تسريع وتيرة الصادرات خارج قطاع المحروقات التقليدي لبناء روافد مالية جديدة للبلاد، وتطوير إنتاج محلي قوي للمواد الأساسية يضمن الأمن الصناعي والسيادة الاقتصادية ويقلل التبعية التامة للموردين الأجانب.

كما تسهم هذه الديناميكية في ترشيد حركية التجارة الخارجية عن طريق تقليص فاتورة الاستيراد وإحلال المنتجات المصنعة محليا محل السلع المستوردة، فضلا عن زيادة تنافسية المؤسسات الجزائرية عبر ربطها بشبكات الإنتاج والتوزيع الدولية والاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية، وصولا إلى الهدف الأسمى المتمثل في استقطاب الرساميل والشركات المباشرة التي تركز على القطاعات الخالقة للثروة ومناصب الشغل الدائمة.

الانتقال نحو شراكات معرفية وتكنولوجية فائقة الدقة

وأكد المتحدث أن بلوغ الأهداف الكبرى المعلنة وطموح الوصول إلى 10 مليارات دولار يتطلب في المرحلة الراهنة الانتقال إلى مستوى أكثر تقدما وعمقا من التعاون الثنائي، يقوم على تشجيع الاستثمارات المشتركة في الصناعات التكنولوجية الدقيقة، والصناعات الميكانيكية، وقطاع الطاقات المتجددة والانتقال الطاقوي، فضلاً عن الصناعات الصيدلانية والصناعات الغذائية التحويلية التي تملك الجزائر فيها مؤهلات طبيعية وفلاحية هائلة.

كما أشار إلى أن هذا التوجه يستدعي تقديم دعم مستمر ومكثف للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتفعيل الشراكات والتوأمات بين مراكز البحث العلمي والابتكار والجامعات والمعاهد التكوينية في كلا البلدين، لتلبية متطلبات السوق وتوفير حلول إبداعية للمشاكل الصناعية.

وأضاف أن دمج الابتكار والرقمنة الشاملة في مفاصل هذه الشراكة يمثل حجر الزاوية لضمان استدامتها ومواكبتها للثورة الصناعية الرابعة، حيث تسعى الجزائر إلى بناء اقتصاد معرفي متطور يعتمد على الكفاءة والذكاء الإنتاجي، وهو ما يمكن تحقيقه بسرعة أكبر عبر الاستفادة من التجربة التركية الرائدة في مجال تطوير الحاضنات التكنولوجية ودعم الشركات الناشئة.

 منظومة إنتاجية موحدة لتعزيز التعاون “جنوب – جنوب”

واختتم المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف، تصريحه لـ”الأيام نيوز”، بالتأكيد على أن مستقبل الشراكة الجزائرية – التركية يرتكز على بناء منظومة إنتاجية مشتركة ومتكاملة قادرة على توليد قيمة مضافة عالية، وتعزيز اندماج الجزائر في سلاسل القيمة العالمية، وترسيخ اقتصاد وطني أكثر تنوعاً وتنافسية واستدامة، بما يرسخ مكانة البلدين كشريكين استراتيجيين في التنمية والإنتاج.

وأضاف أن مواصلة الإصلاحات الهيكلية، وتطوير المنظومة التشريعية للاستثمار، إلى جانب توظيف الإمكانات الاقتصادية والصناعية الكبيرة التي يزخر بها البلدان، تمنح هذه الشراكة آفاقا واسعة لتتحول إلى أحد أبرز نماذج التعاون الاقتصادي “جنوب-جنوب”، القائم على التكامل والمصلحة المشتركة، بما يدعم تحقيق التنمية المستدامة، ويعزز التموضع الاستراتيجي للجزائر كقوة اقتصادية صاعدة ومحور إقليمي للاستثمار والإنتاج، ويفتح آفاقا أرحب للنمو والازدهار الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
↑