الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

الشراكة الجزائرية العُمانية.. من التبادل التجاري إلى صناعة الأسواق

Author
إيمان عبروس 23 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتجه العلاقات الجزائرية العمانية بخطى ثابتة وواثقة نحو تدشين مرحلة اقتصادية جديدة، أكثر ديناميكية ونجاعة، عنوانها الأساسي توسيع نطاق الاستثمارات البينية، تطوير حجم المبادلات التجارية، وبناء شراكات إنتاجية متكاملة قادرة على خلق قيمة مضافة عالية واختراق أسواق جديدة على المستويين الإقليمي والدولي.

ويأتي هذا التوجه في سياق استقبال وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، كمال رزيڤ، سفير سلطنة عُمان بالجزائر، بحضور الرئيس المدير العام للشركة الجزائرية العُمانية، لبحث آفاق تطوير التعاون التجاري وتوسيع مجالات الشراكة بين المتعاملين الاقتصاديين في البلدين.

ويعكس اللقاء توجها نحو توظيف الرصيد السياسي والدبلوماسي الذي يجمع الجزائر وسلطنة عُمان في خدمة تعاون اقتصادي أكثر حضورا، خاصة مع امتلاك البلدين مقومات تسمح بتطوير مشاريع مشتركة في قطاعات متعددة، والاستفادة من الموقع الجغرافي لكل طرف للوصول إلى أسواق إقليمية ودولية.

وفي قراءة لهذه الديناميكية الاقتصادية المتصاعدة، يرى الخبير الاقتصادي، البروفيسور فارس هباش، في تصريح خاص لـ”الأيام نيوز”، أن المرحلة الراهنة تفتح آفاقاً غير مسبوقة لنقل العلاقات الجزائرية العُمانية من محطة التبادلات التجارية الكلاسيكية القائمة على استيراد وتصدير السلع النهائية، إلى مستوى اقتصادي أعمق وأكثر استدامة، يقوم على الاستثمار المباشر، الإنتاج المشترك، وتأسيس شركات ممتدة تستهدف التصدير الإقليمي.

تكامل المقومات والتنافسية.. أرضية صلبة لشراكات إنتاجية عابرة للحدود

وفي هذا الإطار، أكد البروفيسور فارس هباش أن الخصوصية الفنية والهيكلية للاقتصادين الجزائري والعُماني تمنح هذه الشراكة مساحة واسعة وجاذبة للتكامل الاقتصادي، بالنظر إلى تنوع الموارد الطبيعية، الخبرات البشرية، والمزايا التفاضلية التي يحوزها كل طرف.

وأوضح أن الجزائر تتوفر اليوم على مقومات اقتصادية هائلة، في مقدمتها الموارد الطاقوية والمناجم الغنية، إلى جانب القدرات الزراعية الواعدة والقاعدة الصناعية التي تشهد إعادة هيكلة وتطوير مستمرين، بالإضافة إلى سوق داخلية ضخمة تزيد عن 45 مليون مستهلك، وموقع جغرافي محوري يضع البلاد في قلب البحر الأبيض المتوسط ويجعلها البوابة الشمالية الرئيسية للقارة الإفريقية.

وفي المقابل، تميز سلطنة عُمان نفسها بخبرة عالمية متقدمة في إدارة الموانئ الحديثة، تطوير المنظومات والخدمات اللوجستية، الصناعات التحويلية والمناطق الحرة، إلى جانب الصناديق الاستثمارية القوية والرؤية المتقدمة في إدارة الاستثمارات الخارجية.

وأشار هباش إلى أن هذا التكامل بين الموارد الخام والخبرات اللوجستية والاستثمارية والموقع الجغرافي للبلدين، يهيئ أرضية مثالية لإقامة مشاريع مشتركة تتوزع فيها الأدوار وفق المزايا التنافسية لكل اقتصاد، مع توجيه منظومة الإنتاج نحو استهداف أسواق إقليمية ودولية أكثر اتساعا، بما يضمن تحويل الشراكة الجزائرية العُمانية إلى نموذج ناجح للتكامل العربي-العربي.

من المبادلات التجارية المحدودة إلى مشاريع تصنع القيمة المضافة

ويرى هباش أن الاستثمار المشترك والإنتاج المباشر يمثلان المسار الأكثر كفاءة وقدرة على توسيع قاعدة التعاون، حيث تتعدى المشاريع الإنتاجية حدود تحريك رؤوس الأموال لتصنع منظومة حيوية وشبكة نسيج اقتصادي متكاملة، تشمل توريد المواد الأولية، توفير التجهيزات والتقنيات، تنشيط قطاع الخدمات، وتطوير عمليات النقل والتسويق.

وأبرز المصرح جملة من القطاعات الحيوية والأولوية التي يمكن أن تشكل نقاط جذب ثقيلة للمشاريع المشتركة، وفي مقدمتها قطاع الطاقة والطاقات المتجددة، صناعة الأسمدة والمخصبات الزراعية، القطاع المنجمي، الصناعات الغذائية والتحويلية، الزراعة الاستراتيجية، القطاع الصيدلاني، إلى جانب الخدمات اللوجستية وإدارة الموانئ.

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن التجارب الاستثمارية الجزائرية العُمانية القائمة حاليا، ولا سيما الشراكات الموفقة والناجحة في مجال إنتاج الأسمدة كشركة “أسمدال-سبك”، توفر قاعدة صلبة ونموذجاً عملياً يمكن البناء عليه بثقة لتكرار التجربة وتوسيعها نحو قطاعات ومجالات إنتاجية واعدة أخرى.

وفي هذا السياق، شدد هباش على أن إعطاء شحنة قوية لهذه الشراكة يستدعي بالضرورة إفساح المجال وتوسيع مشاركة القطاع الخاص ورجال الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في كلا البلدين؛ نظراً لمرونة هذا القطاع وقدرته السريعة على الابتكار، تنويع المشاريع، وتجسيد الفرص الاقتصادية إلى مبادلات واستثمارات استراتيجية مستدامة على أرض الواقع.

مفهوم “الأسواق الثالثة”.. الرهان الاستراتيجي لتوسيع الأفق الإقليمي

ويضع الخبير الاقتصادي الوصول إلى الأسواق الثالثة في صدارة الفرص الاستراتيجية التي من شأنها منح التعاون الجزائري العُماني بعدا إقليميا ودوليا يتجاوز جغرافية البلدين.

فوفق البروفيسور هباش، تستطيع الجزائر، بفضل موقعها ومؤشراتها الاقتصادية الحالية، أن تشكل منصة إنتاجية وقاعدة لوجستية خلفية للمؤسسات والشركات العُمانية الراغبة في التوسع واختراق الأسواق الإفريقية الواعدة، لا سيما في ظل التفعيل المتسارع لـ”منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية”، والارتباط الجزائري بإنشاء شبكات مواصلات قارية مثل طريق “الجزائر-لاغوس” والموانئ المحورية الجديدة.

وفي المقابل، تتمتع سلطنة عمان بموقع استراتيجي نادر يطل على المحيط الهندي وبحار الخليج، مع خبرة عالمية في إدارة خطوط الملاحة والمناطق الاستثمارية، وهو ما يساعد المؤسسات والسلع الجزائرية على النفاذ السلس والتنافسي إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي، وتجمعات جنوب شرق آسيا، ودول المحيط الهندي.

وأكد هباش أن استغلال المقومات اللوجستية المزدوجة يسمح بابتكار نموذج صناعي وتجاري جديد؛ يتم فيه تصنيع أو معالجة المنتجات وتطوير القيمة المضافة بين الجزائر وعُمان، ثم توجيهها مباشرة نحو أسواق إقليمية ثالثة، الأمر الذي يرفع من معدلات التصدير للبلدين ويعزز حضور المؤسسات الوطنية في المحيط الدولي.

القيمة المضافة واللوجستيك.. رهان التصنيع والجسر نحو التنافسية

وربط البروفيسور فارس هباش النجاح المستدام للتعاون الاقتصادي بقدرة المشاريع المشتركة على تحويل المواد الخام إلى منتجات مصنعة وشبه مصنعة ذات قيمة مضافة عالية، تجنب الاقتصادين ارتهان التصدير للمواد الأولية فقط، وتدعم الجاهزية التنافسية في الأسواق الدولية.

ونوه بالإمكانات الهائلة التي تمتلكها الجزائر في الصناعات المنجمية والتحويلية والزراعية، مقابل الخبرة اللوجستية والتنظيمية التي راكمتها السلطنة، معتبرا أن دمج هذه العناصر يضمن خلق سلاسل توريد وتجميع قوية تُسهم في توطين التكنولوجيا، نقل المعرفة، وخلق آلاف مناصب الشغل الدائمة.

كما اعتبر هباش أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية هو الشريان الحيوي وأساس الرؤية المطروحة، إذ لا يمكن الحديث عن تجارة خارجية ناجحة وديناميكية دون وجود حركة شحن سريعة وتكاليف نقل بحري وجوي منافسة.

وأشار إلى أهمية التسريع في فتح وتطوير خطوط شحن بحري وجوي مباشرة بين الموانئ والمطارات الجزائرية والعُمانية، وتسهيل الإجراءات الإدارية والجمركية، بالتوازي مع تكثيف تنظيم المنتديات والمعارض الاقتصادية المتخصصة لتقريب المتعاملين وتسهيل تدفق المعلومات حول الفرص المتاحة.

الشراكة الجزائرية العُمانية.. المحرك الميداني لتبلور الفرص

وفي هذا الجانب، توقف البروفيسور فارس هباش عند الدور المحوري والمباشر المنوط بالشراكة الجزائرية العُمانية في هذه المرحلة المفصلية، باعتبارها الآلية التنفيذية والأداة العملية الأكثر قدرة على تقريب مؤسسات الأعمال، وتحديد الفرص ذات الأولوية، ومرافقة المشروعات من مرحلة الدراسات إلى مرحلة التجسيد الميداني.

واختتم الخبير الاقتصادي تصريحه لـ”الأيام نيوز” بتأكيد أن نجاح هذه الشراكة الاستراتيجية يرتبط أساساً بمدى الإرادة في تحويل التوافقات والتقارب الدبلوماسي والتاريخي بين الجزائر وسلطنة عمان إلى مشاريع استثمارية حقيقية وملموسة تنتج الثروة، تفتح أسواقاً جديدة، وتصنع مكانا اقتصاديا مرموقا للبلدين على الخريطة الإقليمية والدولية.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
↑