الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الشمندر السكري يقود تجربة جديدة لإعادة هيكلة الاقتصاد الفلاحي بالجنوب

Author
صبرينة عيلان 12 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تبرز ولاية غرداية كأحد أبرز الفضاءات المرشحة لتجسيد نموذج الفلاحة الصحراوية الصناعية، القادر على المساهمة في تعزيز الأمن الغذائي الوطني وتقليص الاعتماد على الاستيراد، رغم التحديات المرتبطة بندرة الموارد المائية وارتفاع كلفة الإنتاج وضغوط الطاقة وتعقيدات الحكامة الاقتصادية.

هذا التوجه يأتي في سياق أوسع يرمي إلى توسيع الاستثمار الفلاحي في مناطق الجنوب، عبر إعادة هيكلة العلاقة بين الزراعة والصناعة التحويلية وسلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة واللوجستيك، بما يسمح بتحويل المشاريع الفلاحية من أنشطة إنتاجية تقليدية إلى منظومات اقتصادية متكاملة.

ولا يمكن قراءة التحركات الأخيرة، المرتبطة بإطلاق ومتابعة مشاريع فلاحية كبرى، وعلى رأسها مشروع زراعة الشمندر السكري، باعتبارها مبادرات محلية معزولة، بل كمؤشرات على بداية تشكل رؤية جديدة للفلاحة الصحراوية تقوم على الاستثمار المهيكل، وربط الإنتاج الزراعي بالصناعة التحويلية والتسويق والتصدير ضمن مقاربة اقتصادية أكثر شمولا.

وفي الموضوع، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور هواري تيغرسي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن تحول الفلاحة الصحراوية في غرداية من نمط الإنتاج التقليدي القائم على الزراعات المحدودة والدورات الموسمية، إلى سلاسل إنتاج صناعية متكاملة ذات بعد اقتصادي واستراتيجي، لم يعد يطرح اليوممن زاوية الإمكان النظري أو الطموح التنموي فقط، بل أصبح يرتبط أساسا بمدى القدرة الفعلية على تحويل التجارب الميدانية الجارية إلى نموذج اقتصادي مكتمل العناصر، قابل للتعميم عبر مختلف مناطق الجنوب، وقادر في الوقت ذاته على تحقيق الاستدامة من حيث الموارد والعائد الاقتصادي والقيمة المضافة.

ويضيف تيغرسي أن غرداية، بما راكمته عبر سنوات طويلة من خبرة فلاحية في بيئة صحراوية شديدة التعقيد من حيث المناخ وندرة المياه، وبما تشهده اليوم من توسع في المشاريع الاستثمارية الفلاحية الكبرى ذات الطابع الهيكلي، تبدو مرشحة لتكون إحدى النقاط المحورية في عملية إعادة رسم الخريطة الوطنية للإنتاج الفلاحي. غير أن هذا التحول، بحسبه، لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تم تجاوز منطق الإنتاج الزراعي التقليدي نحو منطق أوسع يقوم على التكامل بين الزراعة والصناعة التحويلية، وعلى إدماج سلاسل التوزيع واللوجستيك والطاقة ضمن منظومة واحدة مترابطة، بما يسمح بتحويل النشاط الفلاحي إلى قطاع اقتصادي متكامل وليس مجرد نشاط إنتاجي أولي.

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور هواري تيغرسي أن أهمية ولاية غرداية في المشهد الفلاحي الوطني لا تنبع فقط من توسع المشاريع الزراعية بها، بل من كونها تمثل نموذجًا عمليًا متقدمًا لانتقال الفلاحة الصحراوية من نشاط تقليدي محدود الأثر إلى مشاريع استثمارية كبرى ذات طابع صناعي متكامل، تتجاوز منطق الإنتاج الزراعي البسيط إلى منطق السلاسل الاقتصادية المتشابكة.

ويؤكد تيغرسي أن هذا التحول النوعي يفرض بالضرورة إعادة تعريف مفهوم الفلاحة في الجنوب، بحيث لا تُختزل في استصلاح الأراضي أو زيادة المساحات المزروعة، بل في بناء منظومة إنتاج كاملة تحتاج إلى تمويلات معتبرة، وبنية تحتية متطورة، تشمل الطاقة والمياه والطرق وشبكات التخزين، إضافة إلى يد عاملة مؤهلة وربط مباشر بالصناعة التحويلية. ويشدد على أن نجاح هذه المشاريع لا يمكن أن يُقاس بحجم الإعلانات أو حجم الاستثمارات المعلنة، بل بقدرتها الفعلية على إنتاج مواد استراتيجية بشكل منتظم، وتقليص فاتورة الاستيراد، وخلق قيمة مضافة محلية داخل الولاية وخارجها.

مشروع الشمندر السكري اختبار حقيقي للاقتصاد الفلاحي الصناعي

ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أن مشروع مجمع سيفيتال المتعلق بزراعة الشمندر السكري يمثل أحد أكثر الملفات حساسية وأهمية من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، نظرا لارتباط مادة السكر المباشر بالسوق الغذائية الوطنية، وبالاستقرار السعري، وبالصناعة التحويلية والاستهلاك الواسع للأسر والمؤسسات الاقتصادية.

ويعتبر تيغرسي أن التوجه نحو إنتاج المادة الأولية محليا، أي الشمندر السكري، يشكل خطوة استراتيجية من حيث المبدأ، لأنه يفتح المجال أمام إمكانية تقليص الاعتماد على الاستيراد في مادة حساسة، شريطة توفر شروط الاستمرارية والنجاعة، بدءًا من الإنتاج الفلاحي المستقر، مرورًا بمرحلة التحويل الصناعي، وصولا إلى التخزين والتوزيع وفق معايير اقتصادية دقيقة. ويؤكد أن أي خلل في إحدى حلقات هذه السلسلة يمكن أن يضعف الجدوى الاقتصادية للمشروع ككل، مهما كانت أهميته الزراعية.

ويشدد الخبير الاقتصادي على أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المشاريع لا تكمن في زراعة الشمندر أو غيره من المحاصيل الاستراتيجية فقط، بل في القدرة على بناء سلسلة إنتاج متكاملة ومترابطة. فالفلاحة الصناعية الحديثة، بحسبه، لا تنجح بمنطق الحقل وحده، وإنما بمنطق المنظومة الشاملة التي تجمع بين الاستصلاح المدروس، والسقي العقلاني، وتوفير الطاقة بشكل مستقر، وإنشاء وحدات التحويل الصناعي، وتنظيم النقل، وتوفير التخزين المطابق للمعايير التقنية، إلى جانب المتابعة العلمية الدقيقة لمختلف مراحل الإنتاج.

وفي هذا الإطار، يبرز تيغرسي أهمية التنسيق القائم بين الفاعلين الطاقويين، مثل سونلغاز، والمستثمرين الصناعيين، معتبرًا أن الطاقة ليست عنصرًا ثانويًا في هذه المشاريع، بل شرطًا بنيويًا لاستمرارية الإنتاج واستقراره، سواء في مرحلة السقي أو في مرحلة التحويل الصناعي.

الأمن الغذائي بين التوسع الزراعي وشرط الجدوى الاقتصادية

ويدعو الخبير الاقتصادي إلى ضرورة ربط التوسع في المشاريع الفلاحية بالجنوب بسؤال الجدوى الاقتصادية الحقيقية، وليس فقط بسؤال التوسع الجغرافي أو زيادة المساحات المزروعة. فالمطلوب، بحسبه، ليس الزراعة في حد ذاتها، بل اختيار الزراعات الأكثر ارتباطا بالأمن الغذائي الوطني، والأقل استنزافًا للموارد، خصوصا الموارد المائية.

وفي تقييمه للواقع الحالي، يعتبر الخبير الاقتصادي أن ما يجري في مناطق الجنوب، ولا سيما في ولايات مثل غرداية، يعكس بوضوح بداية انتقال تدريجي لكنه مهم من منطق الفلاحة التقليدية المعاشية أو الموسمية، التي كانت تعتمد أساسا على الإنتاج المحدود لتلبية احتياجات محلية أو أسواق قريبة، إلى منطق الفلاحة الصناعية المدمجة، التي تقوم على رؤية اقتصادية أوسع لا تكتفي بإنتاج المادة الخام، بل تمتد لتشمل عمليات التحويل والتخزين والتبريد والتعبئة والتسويق وحتى التصدير.

وبخصوص المشاريع الكبرى الجارية، يولي الدكتور تيغرسي أهمية خاصة لمشروع زراعة الشمندر السكري الذي يطوره مجمع سيفيتال، معتبرا أنه لا يمكن النظر إليه كمجرد تجربة زراعية محدودة أو مشروع إنتاجي معزول، بل باعتباره نموذجًا اقتصاديا متكاملا يقوم على فلسفة الربط المباشر بين الإنتاج الزراعي والصناعة التحويلية.

ويؤكد أن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن فقط في القدرة على إنتاج مادة أولية استراتيجية مثل الشمندر السكري، بل في كونه يرتبط منذ البداية بسلسلة صناعية متكاملة تشمل تحويل هذا المنتوج الزراعي إلى سكر محلي موجه للاستهلاك الوطني، وهو ما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل خريطة الاعتماد على الاستيراد في مادة حساسة واستراتيجية.

ويرى أن هذا التوجه، في حال نجاحه وتوسع نطاقه، يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو تقليص فاتورة استيراد السكر تدريجيًا، مع تعزيز مفهوم الأمن الغذائي الوطني القائم على الإنتاج المحلي بدل الاستيراد المستمر.

هل يمكن فعليا تقليص واردات السكر؟

وعن مسألة تقليص واردات السكر، فإنها لا ترتبط فقط بزيادة المساحات المزروعة أو رفع حجم الإنتاج الفلاحي، بل هي مرتبطة بشكل أساسي بمدى قدرة المشروع على ضمان الاكتفاء الصناعي في مرحلة التحويل، أي تحويل المادة الأولية إلى منتوج نهائي مطابق للمعايير الوطنية والدولية وبكلفة تنافسية.

كما يضيف أن استدامة هذا الهدف تتطلب بالضرورة تأمين سلسلة تموين مستقرة من مادة الشمندر السكري، وضمان انتظام الإنتاج على مدار المواسم، إضافة إلى التحكم في كلفة الإنتاج مقارنة بأسعار السوق العالمية المتقلبة. ويؤكد أن الجزائر تستورد سنويًا كميات معتبرة من السكر لتغطية الطلب الداخلي، وهو ما يجعل أي مشروع وطني ناجح في هذا المجال ذا تأثير مباشر ومهم على ميزان المدفوعات والتوازن التجاري، خاصة إذا تم تعميم التجربة وربطها بمناطق إنتاج متعددة بدل حصرها في نموذج واحد أو منطقة واحدة.

ويؤكد الدكتور هواري تيغرسي أن مستقبل الفلاحة في غرداية، وفي الجنوب الجزائري عموما، لن يُقاس بعد اليوم فقط بمساحات الأراضي المزروعة أو حجم المحاصيل المنتجة، بل بمدى القدرة على بناء سلاسل إنتاج متكاملة ومترابطة تبدأ من الزراعة في الحقل، وتمر عبر مراحل التحويل الصناعي، وتنتهي عند منتوج نهائي ذي قيمة مضافة عالية قابل للتسويق محليا ودوليا.

ويؤكد أن هذا التحول النوعي يتطلب تبني رؤية اقتصادية جديدة تعتبر الفلاحة قطاعا صناعيا استراتيجيا بامتياز، وليس مجرد نشاط موسمي مرتبط بالظروف المناخية. وضمن هذا الإطار، يرى أن مشاريع مثل زراعة الشمندر السكري يمكن أن تتحول، إذا ما توفرت شروط النجاح والاستمرارية، إلى نقطة تحول حقيقية في مسار الأمن الغذائي في الجزائر، وإلى نموذج يمكن البناء عليه لتطوير فلاحة صحراوية صناعية متكاملة الأبعاد.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية