السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الشهيد بوعلام رحّال.. “المقنين الزين” الذي غرّد للتاريخ

Author
هارون عمري 02 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يمثل تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية فضاءً رحباً لتداخل المسارات النضالية، التي لم تقتصر على العمل العسكري في الجبال والأرياف، بل تسربت روحها إلى قلب المدن، حيث شكّلت الحياة الاجتماعية والثقافية والرياضية آنذاك امتداداً لمشروع التحرر الوطني، وأسهمت في تعبئة الجماهير وترسيخ الوعي بالهوية والانتماء. وهكذا، لم تكن الثورة مجرد مواجهة بالسلاح، بل كانت أيضاً معركة وعيٍ وتنظيمٍ وصمودٍ يومي.

وفي هذا السياق التاريخي المعقد، شكل الرياضيون الجزائريون طليعة واعية أدركت مبكراً أن الملاعب ليست مجرد مساحات للتنافس البدني، وإنما هي منابر لإثبات الهوية الوطنية ورفض الهيمنة الاستعمارية التي حاولت طيلة 132 عاماً طمس مقومات الشخصية الجزائرية.

لقد كان نادي مولودية الجزائر، بوصفه عميد الأندية الإسلامية، يمثل الحاضنة الكبرى لهذا الوعي، حيث تحول لاعبوه ومسيروه إلى جنود في صفوف جبهة التحرير الوطني، مجسدين التحاماً نادراً بين الروح الرياضية والعقيدة الثورية.

ويبرز الشهيد بوعلام رحال كأحد أنبل تجليات هذا الالتحام، إذ انتقل من مداعبة الكرة في ملاعب العاصمة إلى زراعة القنابل في معاقل المستعمرين، واجه الموت بشجاعة أسطورية وهو في مقتبل العمر، ليصبح اسمه محفوراً في الوجدان الشعبي من خلال تضحياته التي وثقتها الكلمة واللحن في زنزانة واحدة مع رفيق دربه محمد الباجي.

إن سيرة هذا الشهيد تستدعي قراءة معمقة في التحولات البنيوية التي شهدها العمل الفدائي في الجزائر العاصمة، وفهم الآليات التي اعتمدها الاستعمار الفرنسي في محاولاته اليائسة لكسر إرادة الشباب الثائر، وهي المحاولات التي وصلت إلى حد تزوير التاريخ الإداري لشرعنة إعدام طفل لم يبلغ سن الرشد القانوني.

النشأة في أحضان المولودية وصقل الوعي الوطني

وُلد بوعلام رحال في 30 ديسمبر 1937 بمدينة الجزائر العاصمة، وهي المدينة التي كانت تمثل المركز الإداري والاقتصادي للاستعمار الفرنسي، وفي ذات الوقت البؤرة الأكثر اشتعالاً للمقاومة الحضرية.

ونشأ بوعلام رحال في بيئة اجتماعية تتسم بالتناقضات الحادة التي ميزت المجتمع الاستعماري. وقد أدرك منذ صغره حجم الهوة السحيقة بين المستوطنين الأوروبيين الذين يستحوذون على مقدرات البلاد، وبين الجزائريين الذين يعانون من الإقصاء الممنهج في كافة مجالات الحياة

وكغيره من الشباب الجزائري الطموح، بحث رحال عن فضاءات للتعبير عن هويته وإثبات قدراته، فوجد ضالته في النشاط الرياضي انخرط بوعلام في الفئات الصغرى لنادي مولودية الجزائر (MCA).

إن هذا النادي العريق لم يكن مجرد مؤسسة رياضية للتسلية، وإنما كان بمثابة مدرسة وطنية واجتماعية ساهمت في تأطير الشباب الجزائري وتوجيه طاقاتهم، ويمثل في تلك الفترة “قاطرة” للحركة الوطنية، وتأسس في عام 1921 ليكون أول نادٍ إسلامي يتحدى الهيمنة الرياضية الأوروبية في الجزائر.

وسرعان ما لفت الأنظار بموهبته الفذة وقدراته البدنية العالية التي أهّلته ليكون أحد أبرز المهاجمين الواعدين في الفريق. أطلق عليه رفاقه لقب “المقنين” أو “المقنين الزين” تشبيهاً له بطائر الحسون، نظراً لسرعته الفائقة في اختراق الدفاعات ونحافة جسمه التي كانت تمنحه مرونة استثنائية في التحرك داخل الميدان.

من الميادين الخضراء إلى الكفاح السري وهندسة الفداء

انخرط بوعلام رحال في العمل الفدائي السري في قلب العاصمة الجزائرية، وتحديداً ضمن المنطقة المستقلة للجزائر (ZAA) التي كانت تدير العمليات النوعية ضد أهداف استعمارية حساسة.

وبسبب صغر سنه وملامحه التي لم تكن تثير شكوك الأجهزة الأمنية الفرنسية، كلف بوعلام بمهام لوجستية وتنفيذية معقدة، شملت نقل البريد الثوري وتأمين الاتصال بين خلايا الفدائيين في القصبة وأحياء العاصمة.

وقد أثبت كفاءة عالية في تنفيذ المهام الموكلة إليه، مستفيداً من معرفته الدقيقة بجغرافيا المدينة ومن لياقته البدنية التي اكتسبها كلاعب كرة قدم، مما جعله أحد العناصر الموثوقة في خلية الفدائي سعيد تواتي.

وتعتبر عملية تفجير “الملعب البلدي” بالأبيار (Stade Municipal de l’El Biar) في العاشر من فبراير عام 1957 واحدة من أكثر العمليات الفدائية جرأة وتخطيطاً في تاريخ معركة الجزائر.

تقرر تنفيذ هذه العملية رداً على المجازر التي ارتكبها مظليو الجيش الفرنسي بحق المدنيين في القصبة، واختارت قيادة الثورة أهدافاً تجمعات المستوطنين لضرب الروح المعنوية للاحتلال.

تشكلت الخلية المنفذة من بوعلام رحال وفرحات حسين، إضافة إلى الفدائيتين باية حسين وجوهر أكرور، وهو ما يعكس التنسيق العالي بين مختلف عناصر جبهة التحرير الوطني.

قامت الفدائيتان بتهريب القنابل تحت ملابسهما وتجاوزتا الحواجز الأمنية المشددة المحيطة بالملعب، في حين تولى بوعلام رحال وصديقه مهمة زراعة القنابل في أماكن استراتيجية بين مدرجات المتفرجين وتمويهها بدقة.

أدى الانفجار العنيف إلى مقتل 13 مستوطناً وإصابة 50 آخرين بجروح متفاوتة، مما أحدث حالة من الرعب والذهول في صفوف الإدارة الاستعمارية التي كانت تدعي السيطرة التامة على الوضع الأمني.

نجح الفدائيون في الانسحاب بسلام والاختباء في دروب القصبة، بيد أن قوات الاحتلال استنفرت كافة أجهزتها للبحث عن المنفذين، واستخدمت وسائل تحقيق وحشية للوصول إلى أي دليل يقودها إليهم.

قاد القدر المحققين الفرنسيين إلى خيط رفيع مكنهم من تحديد هوية بوعلام رحال، حيث عثروا في مكان الانفجار على “قصاصة ورق لمصبنة” كانت موجودة في معطف استخدمه الشهيد لتمويه القنبلة.

أدت هذه القصاصة إلى اعتقال بوعلام بعد عشرة أيام من العملية، حيث تعرض في مخافر الشرطة لتعذيب جسدي ونفسي لا يوصف، ومع ذلك ظل ثابتاً ومتمسكاً بمبادئه، محاولاً حماية بقية أفراد الخلية.

إن هذه العملية لم تكن مجرد فعل انتقامي، بل كانت رسالة واضحة مفادها أن الثورة الجزائرية قادرة على الوصول إلى أي مكان يختاره المستعمر، وأن الشباب الرياضي هو رأس الحربة في هذا الكفاح المقدس.

اغتيال العدالة.. تزوير التاريخ لشرعنة المقصلة

عقب اعتقاله، واجه بوعلام رحال محاكمة عسكرية جائرة افتقرت لأدنى معايير العدالة، حيث صدر بحقه حكم بالإعدام بتهمة المشاركة في عمليات تفجير وقتل مستعمرين.

وبرز عائق قانوني أمام السلطات الفرنسية تمثل في أن بوعلام كان يبلغ من العمر 19 عاماً فقط، وهو ما يجعله “قاصراً” وفقاً للقانون الفرنسي الساري آنذاك، والذي كان يحظر تنفيذ عقوبة الإعدام بحق القصر الذين لم يبلغوا سن العشرين، وإمعاناً في الانتقام والترهيب، لجأت الإدارة الاستعمارية إلى جريمة إدارية بشعة تمثلت في تزوير شهادة ميلاد الشهيد لرفع سنه بشكل صوري.

قامت المصالح الإدارية للاحتلال بإضافة عشرة أشهر كاملة إلى عمره الحقيقي، فتم تغيير تاريخ ميلاده من 26 ديسمبر 1937 إلى 26 فبراير 1937، وبذلك أصبح “بالغاً” في الأوراق الرسمية المزورة، مما مكن الجلادين من تنفيذ الحكم دون اعتراض قانوني شكلي.

تعكس هذه الواقعة الوجه القبيح للاستعمار الذي لم يتردد في تزييف الحقائق التاريخية والإدارية من أجل إزهاق أرواح الشباب الثائر، وتؤكد أن المنظومة القضائية الفرنسية في الجزائر كانت مجرد أداة في يد آلة الحرب القمعية.

في فجر العشرين من يونيو عام 1957، سيق بوعلام رحال إلى المقصلة في سجن سركاجي، حيث واجه الموت بابتسامة هادئة وثبات منقطع النظير، طلب الشهيد قبل موته أن يتم إعدامه رمياً بالرصاص كجندي، لكن السلطات الاستعمارية رفضت هذا الطلب وأصرت على المقصلة لزيادة الرعب في قلوب الجزائريين.

استشهد بوعلام وهو يردد شعارات الثورة، تاركاً وراءه قصة ستظل شاهدة على تضحيات جيل “المقنين” الذي لم ترهبه المقاصل ولم تكسره السجون، وأصبح اسمه رمزاً للبراءة المذبوحة على مذبح الحرية.

سركاجي والخلود.. قصة أغنية ولدت في حضرة الموت

داخل زنازين سجن سركاجي المظلمة، التقى بوعلام رحال بالفنان والمجاهد محمد الباجي، الملقب بـ “الباز”، والذي كان هو الآخر ينتظر تنفيذ حكم الإعدام.

نشأت بينهما علاقة إنسانية ونضالية عميقة، وتأثر الباجي كثيراً بقصة هذا الشاب اليافع الذي يواجه الموت بكل هذا الكبرياء، ورأى فيه تجسيداً للطائر السجين الذي يرفض الصمت.

أهدى بوعلام رحال رفيقه الباجي قبعته (“شاشية”) التي تحمل ألوان العلم الوطني قبل توجهه للمقصلة، فاعتبرها الباجي وصية فنية وتاريخية يجب أن تُخلد.

استلهم محمد الباجي من لقب بوعلام رحال “المقنين” ومن قصة تزوير سنه نصاً شعرياً ولحناً حزيناً تحول لاحقاً إلى أيقونة في التراث الشعبي الجزائري تحت عنوان “المقنين الزين”.

جاءت كلمات الأغنية محمملة بالرموز والدلالات المشفرة، حيث وصف الشهيد بالطائر “أصفر الجنحين، أحمر الخدين” تعبيراً عن جماله وبراءته ولون دمه الطاهر، ووصف السجن بالقفص الحزين الذي لا يعرف أحد سر غناء الطائر فيه.

أثار غضب الباجي حوار مع حارس فرنسي سخر من غناء السجناء، فكتب هذه القصيدة ليثبت أن غناء الجزائري في قفصه هو نشيد للحرية وليس خضوعاً للموت.

تحولت “المقنين الزين” من مرثية خاصة إلى مانيفستو ثقافي يوثق تضحيات جيل كامل، وساهمت في الحفاظ على ذاكرة الشهيد بوعلام رحال حية في قلوب الجزائريين.

لقد استطاع الباجي من خلال الفن أن ينتصر على المقصلة، وأن يجعل من رحيل رفيقه ميلاداً متجدداً في الذاكرة الجمعية، حيث تظل هذه الأغنية تذكر الأجيال بأن الاستقلال لم يكن هبة، إنما كان ثمرة دماء غالية سكبها شباب في سن الزهور.

إن سيرة بوعلام رحال ستبقى محفورة في تاريخ نادي مولودية الجزائر وفي سجلات الثورة التحريرية، بوصفه اللاعب الذي سجل هدف الخلود بدمائه، والفدائي الذي لم يعرف الخوف سبيلاً إلى قلبه، والمقنين الذي خلد صوته مغردا للتاريخ.

 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"