السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الشيخ أبو اليقظان.. عميد الصحافة الإصلاحية ورائد الكفاح الوطني بالجزائر

Author
هارون عمري 04 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يعد الشيخ إبراهيم بن عيسى حمدي أبو اليقظان من أبرز رواد الحركة الإصلاحية في الجزائر خلال القرن العشرين، حيث كرس حياته لخدمة الوعي الوطني، والدفاع عن الهوية العربية الإسلامية.

وقد تجاوزت إسهاماته الجانب النظري لتشمل العمل الميداني، عبر تأسيس منظومة إعلامية متكاملة، وقفت في وجه السياسات الاستعمارية الفرنسية، الرامية إلى طمس المعالم الثقافية للمجتمع الجزائري.

اعتمد هذا المصلح على الكلمة المكتوبة كأداة فعالة لنشر التعليم، وتصحيح المفاهيم، وتوحيد الصفوف، متجاوزاً كل العقبات الإدارية والرقابية التي فرضتها السلطات الحاكمة آنذاك.

وتمثل سيرته مساراً حافلاً بالتضحيات والمثابرة، وتجسد نموذجاً فريداً للصحفي الملتزم بقضايا أمته، والمثقف العضوي الذي يربط القول بالعمل، في سبيل تحقيق التحرر الشامل.

النشأة والتكوين: رحلة البحث عن المعرفة في بيئة قاهرة

يمثل الشيخ إبراهيم بن عيسى حمدي، الذي عُرف لاحقاً بلقب “أبو اليقظان”، إحدى الدعائم الكبرى للنهضة الفكرية في الجزائر الحديثة، حيث أبصر النور في 5 نوفمبر من عام 1888 ميلادية، بمدينة القرارة العريقة في وادي ميزاب.

نشأ في كنف أسرة محافظة، وواجه اليتم في سن مبكرة بعد وفاة والده، إنما حرصت والدته على توجيهه نحو منابع العلم منذ نعومة أظافره، فبدأ مسيرته في الكتّاب القرآني بمسقط رأسه حيث أتم حفظ القرآن الكريم واستظهره على يد الشيخ الحاج إبراهيم بن كاسي.

واصل بعدها تلقي مبادئ العلوم الشرعية واللغة العربية في معهدي الشيخ الحاج عمر بن يحيى والشيخ الحاج إبراهيم الابريكي، لتتشكل بذلك اللبنات الأولى لشخصيته العلمية.

فرضت الظروف المادية القاسية والالتزامات العائلية على الشاب إبراهيم انقطاعاً مؤقتاً عن مقاعد الدراسة، حيث اضطر للسفر إلى مدينة باتنة للاشتغال في التجارة وتأمين لقمة العيش.

ورغم هذا البعد الجغرافي والمهني، ظلت جذوة الشغف بالمعرفة متقدة في أعماقه، مما دفعه للعودة السريعة إلى مجالس العلماء، فارتحل في عام 1907 نحو مدينة بني يسجن ليلتحق بمعهد قطب الأئمة الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش.

أثبت في هذا المعهد نبوغاً استثنائياً جعله من أبرز تلامذة القطب، وزامل هناك قامات فكرية كبرى سيكون لها شأن عظيم لاحقاً، على غرار المجاهد الليبي الشيخ سليمان الباروني والشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، مما أسهم في توسيع مداركه وصقل وعيه الحضاري.

تطلعت همة الشيخ نحو آفاق أرحب لتحصيل الموروث العلمي الإسلامي، فوجه بوصلته نحو العاصمة التونسية في عام 1912 للانتساب إلى جامع الزيتونة المعمور والمدرسة الخلدونية.

ترأس هناك أول بعثة علمية جزائرية ميزابية، واستمر في قيادتها على فترتين تفصل بينهما الحرب العالمية الأولى، وامتدت مرحلته الثانية من عام 1917 حتى عام 1925، وانخرط خلال هذه الإقامة الطويلة في معترك العمل السياسي والنضالي، فأصبح في عام 1920 عضواً نشطاً في الحزب الحر الدستوري التونسي، وربطته صداقة شخصية متينة بزعيمه الشيخ عبد العزيز الثعالبي، ليعود بعد ذلك إلى أرض الوطن محملاً بتجربة نضالية ناضجة ورؤية إصلاحية شمولية.

التأسيس للصحافة اليقظانية: مقارعة الاستعمار بالكلمة الحرة

أدرك الشيخ أبو اليقظان مبكراً المركزية الاستراتيجية للإعلام في معركة الوعي والتحرر، فخاض غمار الصحافة ليؤسس مدرسة إعلامية نضالية فريدة، حيث أصدر ثماني جرائد وطنية باللغة العربية بين عامي 1926 و1938.

استهلت هذه المسيرة المظفرة بجريدة “وادي ميزاب” التي كانت تحرر في الجزائر وتطبع في تونس وتوزع أسبوعياً، لتتوالى بعدها العناوين وهي: “ميزاب”، “المغرب”، “النور”، “البستان”، “النبراس”، “الأمة”، وأخيراً “الفرقان”.

مثّل هذا التعاقب تحدياً صريحاً للإدارة الاستعمارية الفرنسية التي كانت تعتمد على القوانين التعسفية لمصادرة كل صحيفة تظهر، ليقوم الشيخ بإصدار الجريدة الموالية مباشرة، متحملاً كافة المشاق المادية واللوجستية المرهقة.

تميزت هذه الإصدارات، التي لُقبت تاريخياً بـ “الصحافة اليقظانية”، بتوجهها الإصلاحي العميق الذي كرس صفحاته لمحاربة سياسات التجهيل والمسخ الثقافي، حيث ركزت المقالات المنشورة على دعوة الشعب الجزائري للعودة إلى المنابع الصافية للدين الإسلامي، ونشر التعليم العربي بعيداً عن هيمنة المقررات الفرنسية الموجهة.

وتجاوزت هذه الصحف، وخاصة جريدة “الأمة” (1934-1938)، البعد التربوي البحت لتقتحم الحقل السياسي بجرأة نادرة، حيث انفردت بالاحتجاج العلني القوي ضد اعتقال رموز المطالبة بالاستقلال في عام 1937، وعلى رأسهم الزعيم مصالي الحاج والشاعر مفدي زكرياء، مدافعة بذلك عن جميع أطياف الحركة الوطنية.

في خضم هذه المواجهة الشرسة، ابتكر الشيخ أسلوباً إعلامياً غير مسبوق للالتفاف على الرقابة الفرنسية الصارمة، تجسد في إصداره لجريدة “البستان” عام 1933 كصحيفة فكاهية انتقادية ساخرة.

حملت الجريدة اسماً مزدوجاً يضم اللفظ الفرنسي “Jardin” للتمويه وإيهام السلطات بطابعها الفلاحي، واعتمدت على لغة عامية مبسطة وأمثال شعبية للوصول إلى عموم الجماهير.

واستعان طاقم التحرير بتوقيعات مستعارة لشخصيات وهمية مثل “إبليس” و”تعموت”، ووظفوا الرموز الحيوانية وأسلوب أنسنة الزمن لتمرير نقد سياسي واجتماعي لاذع يحارب الآفات كشرب الخمور والتبعية للغرب، محولين السخرية إلى سلاح فعال لإنعاش روح الفضيلة.

المطبعة العربية والعمل المؤسساتي: بناء قواعد النهضة الفكرية

إيماناً منه بضرورة امتلاك آليات الإنتاج الفكري المستقلة، أقدم الشيخ أبو اليقظان في عام 1931 على خطوة استراتيجية تمثلت في تأسيس “المطبعة العربية” بمدينة الجزائر العاصمة.

يمثل هذا الإنجاز محطة مفصلية في تاريخ الثقافة الجزائرية، إذ يُعد أول وطني يؤسس مطبعة عربية حديثة داخل البلاد، لينهي بذلك معاناة طبع الصحف في تونس ونقلها الشاق عبر القطارات.

تحولت هذه المطبعة سريعاً إلى المركز اللوجستي الأول للحركة الوطنية، حيث تكفلت بطباعة أغلب المؤلفات العربية، والصحف الإصلاحية، والمنشورات الثورية التي أسهمت في تشكيل الوعي التحرري للجزائريين.

تزامن هذا الإنجاز التقني مع انخراطه الفعال في العمل المؤسساتي المنظم، حيث كان من الرعيل الأول المؤسس لـ “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” في نفس العام 1931.

كما حظي الشيخ بثقة زملائه العلماء نظراً لخبرته المتراكمة في الإدارة والمحاسبة، فانتخب عام 1934 عضواً في مجلسها الإداري وتولى مهام نيابة أمانة المال، و4د سخر إمكانياته الإعلامية لدعم مسار الجمعية والوقوف جنباً إلى جنب مع العلامة عبد الحميد بن باديس، فكانت المطبعة العربية والصحف اليقظانية منابر مفتوحة للدفاع عن أهداف الجمعية الرامية لإحياء الهوية الإسلامية ومحاربة الجمود الفكري.

لم يقتصر جهده على المركز في العاصمة، إنما امتدت آثاره المؤسساتية والتربوية إلى عمق الجنوب الجزائري في مسقط رأسه، فبعد التضييق النهائي على صحافته عام 1938، عاد إلى القرارة ليؤسس لنهضة تعليمية حقيقية، امتداداً لجهوده السابقة حين أنشأ “دار التعليم” عام 1915 لمزج المناهج التقليدية بالمعاصرة.

وقف الشيخ سنداً متيناً للشيخ إبراهيم بن عمر بيوض في حركته الإصلاحية، وعُين عام 1937 عضواً في إدارة جمعية “الحياة”، مساهماً بشكل مباشر في تطوير “معهد الحياة” الذي تخرجت منه أجيال من المثقفين والمناضلين المتشبعين بقيم الأصالة والوطنية.

المواقف السياسية والقومية: الالتزام بقضايا الوطن والأمة

اتسم الخطاب الصحفي للشيخ أبي اليقظان بصلابة استثنائية في مواجهة الآلة الكولونيالية التي سعت لطمس الهوية الجزائرية من خلال سياسات الإدماج والتجنيس والتبشير الديني.

كشفت مقالاته، المنشورة تباعاً في صحفه المتعددة، عن المخططات الاستعمارية الرامية لتمزيق النسيج المجتمعي، مؤكداً باستمرار على أن الإسلام واللغة العربية هما الحصن المنيع لضمان الوحدة الوطنية.

انتقد بشدة التيارات اللائكية التغريبية التي ظهرت حينها، محذراً من خطر الانسياق وراء دعوات التجديد العصري الزائفة التي استهدفت سلخ المجتمع عن جذوره الحضارية وتقويض بنيته الأخلاقية والدينية.

تجاوزت اهتماماته السياسية الحدود الجغرافية للقطر الجزائري لتشمل القضايا الاستراتيجية للأمة العربية والإسلامية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي اعتبرها قضية جوهرية ذات قدسية مطلقة.

وخصص الشيخ حيزاً واسعاً في كتاباته لفضح المخططات الاستيطانية، مندداً بقوة بالتعاون الإنجليزي الصهيوني الرامي لسلب الأراضي وتدنيس المقدسات، ومستخدماً الشعر والمقالات التعبوية لربط الوجدان الجزائري بمعاناة الشعب الفلسطيني.

أولت جرائده، وخاصة “الأمة”، اهتماماً بالغاً بالمسألة السورية تحت الانتداب الفرنسي، حيث اعتمدت على شبكة مراسلين لرصد تفاصيل المعاهدات والانتفاضات هناك، مما أسهم في كسر العزلة الإعلامية المفروضة على الجزائريين.

يمثل التوثيق التاريخي عبر المراسلات جانباً مشرقاً من نضاله القومي والوطني، حيث تشكل رسائله المتبادلة مع رموز الحركة الإصلاحية أرشيفاً حياً يعكس ديناميكية المقاومة الثقافية.

كما وثقت مراسلاته المكثفة مع تلميذه الشيخ عدون، على مدار عقود، تفاصيل الصراع اليومي ضد الإدارة العسكرية الفرنسية وأذنابها المحليين، راصدة تطورات التعليم الحر والمناخ الاجتماعي.

وأظهرت مكاتباته مع الشاعر مفدي زكرياء مستوى رفيعاً من التواصل الأدبي والتضامن السياسي، إذ جسدت هذه الرسائل، المكتوبة بنثر فني راقٍ، وحدة الهدف بين جيل الرواد وجيل الشباب الثائر الساعي لتحرير الوطن.

المحنة والصمود: إرادة لا تقهر في وجه الشلل والتضييق

دفع الشيخ أبو اليقظان ضريبة باهظة لقاء التزامه المبدئي ووقوفه سداً منيعاً في وجه المشاريع الاستعمارية، وظلت “المطبعة العربية” التي أسسها هدفاً مفضلاً للتفتيش البوليسي الدوري، والغرامات المالية المجحفة، والإنذارات المتكررة بالإغلاق التام.

بلغت هذه الممارسات الانتقامية ذروتها خلال ثورة التحرير المظفرة، حيث أقدمت السلطات الفرنسية على اعتقال نجله عيسى وتعريضه لصنوف قاسية من التعذيب والسجن لشهور طويلة، عقاباً على الدور اللوجستي الذي لعبته المطبعة في نشر الوثائق الثورية والمناشير السرية لجبهة التحرير الوطني.

تركت هذه الفواجع العائلية والتضييقات الأمنية المستمرة أثراً عميقاً على صحة الشيخ، لتسفر في شهر يناير من عام 1957 عن إصابته بداء الشلل النصفي الذي ألزمه الفراش.

ورغم العجز الجسدي القاهر وحرمانه من حيوية الحركة، أثبتت الأيام أن إرادته كانت أصلب من قيود المرض وممارسات الاحتلال. ظل طوال سنوات الثورة التحريرية وحتى الاستقلال مرجعاً فكرياً وموجهاً روحياً، يستقبل العلماء والطلبة في بيته بالقرارة، ويواصل التأليف وإملاء مذكراته، مؤكداً أن الفكر الحر لا يخضع للإعاقة الجسدية وأن النضال يتخذ أشكالاً لا حصر لها.

أسلم الشيخ إبراهيم أبو اليقظان الروح لبارئها في مسقط رأسه بمدينة القرارة يوم الجمعة، 30 من شهر مارس عام 1973، حيث انطوت برحيله صفحة مشرقة من صفحات الكفاح الثقافي والسياسي، تاركاً للأجيال إرثاً يجمع بين الممارسة الصحفية الشجاعة، والإنتاج المعرفي الغزير، والمؤسسات التربوية الشامخة.

ويحتفظ التاريخ الحديث باسمه كعميد بلا منازع للصحافة الإصلاحية في الجزائر، ومفكر أسهم بقلمه ومطبعته في صياغة الوعي الوطني الذي قاد البلاد نحو فجر الاستقلال والحرية.

 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"