الأحد : 02-10-2022

الصحراء الغربية والصراع الجيوستراتيجي المسكوت عنه.. الفوسفات الجاذب للكيان الصهيوني

في خضم التناول الطاغي للجانب الصادم من “اتفاق التطبيع الشامل”، الذي رسّمه نظام المخزن المغربي مع الكيان الصهيوني في نهاية السنة الماضية (2020)، تقبع العديد من التفاصيل والاتفاقيات الثنائية بين هيئات ومؤسسات الجانبين في الظل، ولم تحظ بالتناول الكافي، ومنها ما مرّ كجزئية في ثنايا المسعى ولم يُلتفت إليها، رغم الأهمية البالغة التي تكتسيها، سواء من حيث المضامين أو في آثارها المستقبلية، خاصة في بعدها الجيوستراتيجي.

من بين هذه الاتفاقيات التي أَغفل الحديث تناولها بالتحليل وإبراز أبعادها، نجد التوقيع على برتوكول اتفاق بين مجموعة المكتب الملكي “الشريف للفوسفات المغربي” و الشركة المحدودة “إسرائيل للكيماويات”، بتاريخ 12 أكتوبر 2021، للنهوض بالبحث التطبيقي، عبر التمويل بغلاف إجمالي يبلغ 600 ألف دولار مناصفة بين الجانبين، حيث سيمنح “الشريف الملكي للفوسفات” نصف هذا التمويل لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، و نصف التمويل الآخر ستمنحه لجامعة بن غوريون “إسرائيل للكيماويات”، في إطار تنفيذ برامج تطبيقية بشكل مشترك في ميادين متعددة التخصصات تركز حول تحديات العالم المعاصر، ممثّلة في الأمن الغذائي، والفلاحة الذكية والمستدامة، والماء، والتغير المناخي، والاستشعار عن بعد، والطاقات المتجددة، وريادة الأعمال، و الرأسمال المخاطر، والصناعة الفندقية.

وأُعتبر برتوكول الاتفاق هذا، كما جرى التصريح بحيثياته هذه من الطرفين، كأحد أفضل طرق الانتقال من البحث إلى التأثير، من أجل ضمان حلول ملموسة، ترتكز على العلم، وتساهم في تغذية العالم، عبر برامج علمية من مستوى عالمي والاستثمار في البحث العلمي والتعاون مع شركاء استراتيجيين (بتعبير الطرفين) مثل مجموعة “إسرائيل للكيماويات المحدودة”. خاصة وأن هذا التعاون الذي أعتبره الرئيس المدير العام لمجموعة “إسرائيل للكيماويات المحدودة” بأنه “خطوة تاريخية مع المكتب الشريف للفوسفات” والعمل في منطقتين صحراويتين متماثلتين لتجسيد رؤية “محاربة أكبر أزمة عالمية” ألا وهي أزمة الغذاء.

برتوكول الاتفاق هذا، في مضامينه ومراميه وفيما يستهدفه حقيقة، سيعطينا بداية تفسيرا واقعيا للخيارات العدوانية والانتحارية التي أقدم عليها نظام المخزن المغربي، جهارا نهارا في هذه الفترة، وهو ماضٍ بشكل جنوني وهستيري في رعونته بممارسة “إرهاب الكيان”، وهذا ما تجلى مؤخرا في استهداف مدنيين أبرياء على الحدود الموريتانية وفي منطقة الساحل الصحراوي، مستخدما التكنولوجيات المتطورة جدا المتمثلة على الخصوص في الطائرات دون طيار، متكئا في ذلك على دعم الكيان الصهيوني الذي يمده بهذه المعدّات، لكن مقابل ذلك نكتشف مسعى  الكيان الصهيوني إلى بسط سيطرته على أكبر مخزون عالمي من الفوسفات.

ينبغي التذكير هنا بأن مجموعة المكتب الملكي “الشريف للفوسفات المغربي” هي الجهة التي تتولى، عن طريق شركة “فوس بوكراع”، استخراج الفوسفات من منطقة بوكراع في الصحراء الغربية، الواقعة على مسافة 100 كلم إلى الجنوب الشرقي من مدينة لعيون بـ “الجُمهورية العَربية الصَحراوية الدِيمقرَاطية”، هذه المنطقة التي تقدِّر، عديد الجهات المرجعية، احتياطياتها من الفوسفات بما يتجاوز العشرة (10) مليار طن، وبنسبة نقاوة تصل (75%)، بما يشكل (14%) من الاحتياطي العالمي من الفوسفات، بمساحة منجمية تمتد على 800 كلم مربع. ويتراوح حجم الخامات المستغلة حاليا من طرف مكتب “الشريف للفوسفات المغربي” في منطقة بوكراع ما مُعدَّله سنوياً أربعة (4) ملايين طن، حيث يُنقل الخام إلى ميناء “المرسى” بمدينة لعيون، حيث يوجد مصنع لمعالجته ليُصدر إلى عديد جهات العالم، على غرار الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا وبعض دول أوروبا. كما تتواجد احتياطيات أخرى هامة من خامات الفوسفات في مناطق شاسعة من الأراضي العربية الصحراوية.

في سنة 2016، زادت الحصة النسبية من منتجات شركة “فوس بوكراع” لخام الفوسفات، التي تشتريها شركتان كنديتان، لتتجاوز الـ (64%) من إجمالي صادرات الفوسفات المنهوب من المكامن المنجمية الواقعة في أراضي الصحراء الغربية، مرتفعة من نسبة (47%) لعام 2014. الشركة الكندية الأولى هي “Potash Corporation of Saskatchewan”، والمعروفة أيضًا باسم “PotashCorp” والثانية هي “Agrium Advanced Technologies”.  

ظهور خطاب “ذروة الفوسفور” في سنة 2009، بما يشبه توصيف “ذروة النفط”. لكن للنفط بدائل يجري إعدادها والعمل لإحلالها عالميا، أمّا “الفوسفات” الذي هو مورد غير متجدد وناضب، فبعد نقطة “ذروة الفوسفور” ستبدأ احتياطيات العالم منه بالنضوب تدريجياً، ولا توجد بدائل له إلى اليوم.

وهنا يتعين علينا كشف بعض من الجوانب العلائقية في الموضوع. شركة “فوس بوكراع” هي إحدى الشركات المُدمجة في تنظيم “المكتب الشريف للفوسفات المغربي”، هذه المجموعة التي وقّعت برتوكول اتفاق التعاون مع الشركة المحدودة “إسرائيل للكيماويات (Israel Chemicals Ltd (ICL”. وشركة “إسرائيل للكيماويات” التي تُصنَّف سادس أكبر منتج للأسمدة في العالم، تسيطر فيها الشركة الكندية “PotashCorp” على (13,84%) من الأسهم. وهذه الشركة الكندية تعتبر أكبر شركة لتصنيع الأسمدة في العالم، وقد سعت منذ فترة طويلة إلى زيادة حصتها في (ICL)، لكنها واجهت معارضة حكومية وتنظيمية من قبل “تكتل إسرائيل” “Conglomerate Israel Corp” الذي يمتلك في (ICL) نسبة (52,3%). لذلك عملت هذه الشركة الكندية “PotashCorp”، في سنة 2012، في اتجاه الاندماج مع هذه الشركة “إسرائيل للكيماويات” التي تعتبر شركة صغرى مقارنة بها (!!!!). وفي الفاتح من شهر جانفي لسنة 2018، كان إغلاق ملف ثان لصفقة اندماج “PotashCorp” و “Agrium Advanced Technologies” الزبونان لدى شركة “فوس بوكراع” لشراء الفوسفات المنهوب من أراضي الصحراء الغربية، لتصبحا (Nutrien).

وحين نُعرِّج على موضوع أهمية مادة الفوسفات، سنجد إقرارًا لا جدال فيه بأن توافر الفوسفات ضروري لضمان الأمن الغذائي العالمي، فالعديد من النماذج الديناميكية لنظم سلاسل الإمدادات العالمية من الفوسفات الممتدة من عام 1961 إلى عام 2020، وتوقعات حالتها من الآن إلى غاية 2050. تشير إلى حصول ارتفاع حاد في أسعار أسمدة الفوسفات بنسبة (800%) خلال فترة السنتين 2007-2008، بما أحدث موجة صدمة في الأسواق، تولّدت عنها زيادة كبيرة في أسعار المواد الغذائية، و حوّلت الانتباه إلى مادة الفوسفات، كمورد مهدد بأن يصبح نادراً، ودفعت إلى ظهور خطاب “ذروة الفوسفور” في سنة 2009، بما يشبه توصيف “ذروة النفط”. لكن للنفط بدائل يجري إعدادها والعمل لإحلالها عالميا، أمّا “الفوسفات” الذي هو مورد غير متجدد وناضب، فبعد نقطة “ذروة الفوسفور” ستبدأ احتياطيات العالم منه بالنضوب تدريجياً، ولا توجد بدائل له إلى اليوم. مع كلّ جهود العلماء لتأمين البدائل لمختلف المواد الناضبة، فلا يوجد بديل معروف للفسفور وللفوسفات في الاستخدامات الزراعية. نتيجة لذلك، نجد التحكم في غالبية سوق الفوسفات العالمي يتم عبر “كارتل دولي صغير” يتشكل من مجموعة شركات تعدين وأخرى زراعية، من كندا (Nutrien) والولايات المتحدة (Mosaic) وروسيا  (Uralchem)  والصين (Wengfu Group) وإسرائيل (Israel Chemicals ICL) والهند وألمانيا والمغرب. هذه الشركات لديها “تلقيح متبادل” بينها، سواء من حيث تبادل الخبرات أو تبادل قدرات التسيير من المديرين العاملين في شركات إنتاج الفوسفات، أو الاستثمارات المختلطة بطريقة أو بأخرى بين هذه الشركات والفروع التابعة لها.

الصحراء الغربية تحوز على ثاني أكبر احتياطي في العالم من الرواسب الصخرية للفوسفات، وحين تحصل الصحراء الغربية على استقلالها، فستصبح قطبا منجميا هاما، بإمكانه أن يوازن الاحتكار الهائل لمادة الفوسفات الذي يسعى المغرب إلى تكريسه، واليوم يدخل الكيان الصهيوني ليكون هو المهيمن الأوحد على هذه المادة من خلال تغلغل اللوبي الصهيوني في مفاصل النظام المغربي.

لذلك عند التفكير في تحديات المستقبل الحادة، لا يفكر الناس كثيرًا في الفوسفور أو الفوسفات. ومع ذلك، فإن تأمين الغذاء الكافي لسكان المعمورة لا يقل أهمية عن تطوير الطاقات المتجددة وتقليل غازات الاحتباس الحراري. لضمان الأمن الغذائي على المدى الطويل، يعدّ الاهتمام بموضوع استخدامنا للفوسفات أمرًا حيويًا بالغ الأهمية.

وحين يتمحور اهتمام العارفين بموضوع الفوسفات حول معضلة الندرة العالمية من رواسب صخور الفوسفات في المستقبل كمصدر للأسمدة الفوسفاتية، نجد أن هذا الاهتمام دفع بهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS )، في سنة 2011، إلى مراجعة تقديراتها لاحتياطيات المغرب والصحراء الغربية من الفوسفات، ورفعها من 5,7 إلى 50 مليار طن، و كذا رفع الاحتياطيات العالمية من 16 مليار طن إلى 71 مليار طن (USGS، جانفي 2021). بما خفض من حدّة خطابات الندرة العالمية من الفوسفات، لكنها في المقابل أبرزت تموضع (70%) من احتياطيات هذه المادة الحيوية في منطقة الصحراء الغربية بشكل أساسي. لكن كنتيجة لوضع الاحتلال المغربي للأراضي الصحراوية توجد ضبابية كبيرة حول التقديرات الحقيقية لمادة الفوسفات الكامنة في أراضي الجمهورية العربية الصحراوية، رغم إجماع كلّ الهيئات المرجعية الدولية بأنها كميات مهولة وكبيرة جدا، ومما تشير إليه العديد من المصادر هو أن الصحراء الغربية تحوز على ثاني أكبر احتياطي في العالم من الرواسب الصخرية للفوسفات، وحين تحصل الصحراء الغربية على استقلالها، فستصبح قطبا منجميا هاما، بإمكانه أن يوازن الاحتكار الهائل لمادة الفوسفات الذي يسعى المغرب إلى تكريسه، واليوم يدخل الكيان الصهيوني ليكون هو المهيمن الأوحد على هذه المادة من خلال تغلغل اللوبي الصهيوني في مفاصل النظام المغربي.

في تقرير علمي صدر عام 2011 نشرته مجلة (نيتشر Nature)، جادل كل من عالم الاستدامة والموارد الطبيعية (جيم إلزر Jim Elser) من جامعة ولاية أريزونا، و (ايلينا بينيت Elena Bennet) من جامعة (مكغيل McGill) بأن مزارعي العالم النامي لا يستطيعون تحمل تكلفة الأسمدة الفوسفاتية حتى بأسعار اليوم غير الاحتكارية، ناهيك عن حالة الأسعار في مستقبل تكون فيه هيمنة غير محدودة لجهة ما، والعديد من منتجي المحاصيل الزراعية والمواد الغذائية في العالم مُعرَّضون لخطر أن يصبحوا معتمدين كليًا على التجارة مع جهة مهيمنة أحادية.

إسرائيل تستهدف السيطرة مستقبلا على سلة الغذاء العالمي، من خلال السيطرة على مكامن احتياطيات الفوسفات الواقعة في أراضي الصحراء الغربية المحتلة.

تبرز “النماذج الديناميكية لنظم سلاسل الإمدادات العالمية” بأن إنتاج الفوسفات سيتضاعف على مدى الأربعين (40) سنة القادمة، مقارنة بالمستويات الحالية من الإنتاج، من أجل تلبية المتطلبات الزراعية من الفوسفات على مستوى العديد من جهات العالم. وهناك سيناريوهات تشير إلى إمكانية تجاوز الطلب العالمي على الفوسفات للمعروض منه، بحلول عام 2040، رغم الدور الذي يمكن أن تلعبه التقنيات، بتأجيل النقطة الحرجة للعجز بين الطلب والعرض، وإزاحتها إلى فترات زمنية لاحقة، من خلال التعدين والمعالجة لرواسب صخور الفوسفات بأساليب أكثر كفاءة.

نتيجة للحالة التي تبديها الفوسفات، كمادة حرجة واستراتيجية وأساسية، فقد جرى في وقت سابق طرح فكرة تشكيل “كارتل الفوسفات” أشبه بمنظمة أوبك للفوسفات على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، باعتبارها أغنى منطقة في العالم باحتياطيات الفوسفات، فما تحوز عليه المنطقة ككل من احتياطيات تجعلها مهيمنة عالمية على مورد الفوسفات الذي يحتاجه العالم بشكل أساسي في الزراعة وفي سلَّة الغذاء. هذا المسعى ليس غريبا، ولا مُستجدا، ففي عام 1938، قال الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت “لقد حان الوقت لأن تتبنى الأمة سياسة وطنية لإنتاج الفوسفات والحفاظ عليه لصالح هذا الجيل والأجيال القادمة”.

أمّا اليوم، فكلّ التقديرات الجادة تؤكد بأن زيادة اعتماد الزراعة والغذاء العالمي على الفوسفات، سيرفع من كثافة الاعتماد على فوسفات الصحراء الغربية. ومع زيادة قيمة هذا المورد الهام، وتمركزه في أراضي دولة الجمهورية العربية الصحراوية المحتلة، الواقعة تحت هيمنة نظام المخزن المغربي، نجد الكيان الصهيوني سارع للتوقع المتقدم ضمن خارطة السيطرة على مكامن الفوسفات، منبع السيطرة الجيوستراتيجة المستقبلية، من خلال اتفاق التطبيع والتعاون الشامل مع المملكة الغربية، ضمن مسعى خطير لبسط نفوذه على هذا المورد الطبيعي الهام، وبذلك السيطرة مستقبلا على سلة الغذاء العالمي، من خلال مدخل للتعاون التقني التطبيقي تُموِّله شركة “إسرائيل للكيماويات”. لكن للتذكير فقط، فإن الكيان الصهيوني لا يستخدم الفوسفات فقط لأغراض الغذاء، فله مآرب أخرى، وتحديدا في المجالات الطاقوية والعسكرية.

إسرائيل تستهدف السيطرة مستقبلا على سلة الغذاء العالمي، من خلال السيطرة على مكامن احتياطيات الفوسفات الواقعة في أراضي الصحراء الغربية المحتلة.