الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الصحفي في عصر الذكاء الاصطناعي.. مهنة تتجدد بين الإنسان والآلة

Author
إيمان عبروس 20 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

وسط التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مفهوم تقني أو مجال بحثي محدود، بل تحوّل إلى فاعل أساسي يعيد تشكيل ملامح العديد من القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع الإعلام. وبين التخوفات المتزايدة من تأثيراته على مستقبل المهن، والتفاؤل بقدرته على تحسين الأداء وتسريع الإنتاج، يجد الصحفي نفسه اليوم أمام واقع جديد يفرض عليه إعادة النظر في أدواته وأساليبه، بل وحتى في دوره داخل المنظومة الإعلامية.

هذا التحول لا يأتي في فراغ، بل يتقاطع مع سياق أوسع يتميز بتغير أنماط استهلاك المعلومة، وصعود الإعلام الرقمي، وتراجع الوسائط التقليدية، ما يجعل من الذكاء الاصطناعي أحد أبرز العوامل التي تسرّع هذا الانتقال وتعيد صياغة قواعده.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية النقاشات المهنية والعلمية التي تهدف إلى تأطير هذا التحول وتوجيهه بما يخدم جودة العمل الصحفي ويحافظ على جوهره، خاصة في ظل تنامي المخاوف من هيمنة التكنولوجيا على حساب البعد الإنساني للمهنة.

حسن درار

لقاء علمي لتفكيك المفاهيم وتوضيح الرؤى

أكد البروفيسور حسن دراري، الخبير في مجال الرقمنة والذكاء الاصطناعي وأستاذ بالمدرسة العليا للماناجمنت، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن اللقاء المنظم جاء استجابة لحاجة ملحّة لدى الصحفيين لفهم أعمق لمفاهيم الذكاء الاصطناعي، بعيدًا عن الطرح السطحي الذي يختزل هذه التكنولوجيا في مجرد أدوات للكتابة أو الترجمة.

وأوضح أن الهدف الأساسي من هذا اللقاء يتمثل في توضيح كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل عملي، مع إبراز تأثيراته المتعددة على مختلف المجالات، وخاصة العمل الصحفي، الذي يعد من أكثر القطاعات تأثرًا بالتحول الرقمي.

وأشار إلى أن هذا النوع من المبادرات يسعى إلى بناء وعي مهني قائم على الفهم وليس الانبهار، وعلى الإدراك النقدي بدل القبول المطلق، وهو ما يسمح للصحفي بالتعامل مع هذه الأدوات بثقة ومسؤولية. كما شدد على أن غياب هذا الفهم قد يؤدي إلى استخدام سطحي أو مفرط للتكنولوجيا، بما ينعكس سلبا على جودة المحتوى.

الذكاء الاصطناعي.. من أداة تقنية إلى فاعل مهني

وفي تحليله لطبيعة التحول الحاصل، بيّن دراري أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وسيلة مساعدة، بل أصبح عنصرا فاعلا في عملية الإنتاج الإعلامي، بدءا من جمع المعلومات، مرورا بتحليلها، وصولا إلى صياغة المحتوى.

هذا التحول يعكس انتقالا نوعيا في بنية العمل الصحفي، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة داعمة، بل شريكا في صناعة الخبر.

ومع ذلك، شدد المتحدث على أن هذا التطور لا يعني استبدال الصحفي، بل يعكس انتقالا نحو نمط جديد من العمل يقوم على التكامل بين الإنسان والآلة.

وأضاف أن الصحفي الذي يمتلك مهارات استخدام هذه الأدوات سيكون أكثر قدرة على التكيف مع متطلبات المرحلة، وأكثر إنتاجية من حيث الكم والجودة، مقارنة بمن يرفض الانخراط في هذا التحول. كما أشار إلى أن المستقبل سيكون للصحفي “المهجن”، الذي يجمع بين المهارات التحريرية والكفاءة الرقمية.

المهن الإبداعية في قلب التحوّل الرقمي

وأشار المتحدث إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي لم يقتصر على الصحافة، بل امتد ليشمل مختلف المهن، خاصة تلك المرتبطة بالإبداع، مثل الكتابة، التصميم، والإنتاج السمعي البصري.

وأوضح أن الانتشار الواسع لهذه الأدوات، وسهولة الوصول إليها، جعلاها في متناول الجميع، ما أدى إلى إعادة تشكيل قواعد المنافسة في سوق العمل. ولم يعد التميز قائما فقط على المهارة، بل على القدرة على توظيف التكنولوجيا بذكاء.

وأضاف أن هذا الواقع يفرض على المهنيين تطوير مهاراتهم باستمرار، ليس فقط لمواكبة التطور، بل للحفاظ على مكانتهم في بيئة أصبحت أكثر ديناميكية وتحديًا، حيث تتسارع وتيرة التغيير بشكل غير مسبوق.

الصحفي أمام اختبار التوازن

وفي معرض حديثه عن التحديات، أكد دراري أن الصحفي اليوم يواجه اختبارا حقيقيا يتمثل في تحقيق التوازن بين الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، والحفاظ على القيم الأساسية للمهنة.

وأوضح أن هذا التوازن يتطلب وعيا عميقا بحدود التكنولوجيا، وإدراكا بأن الاعتماد المفرط عليها قد يؤدي إلى فقدان الطابع الإنساني للمحتوى، وهو ما ينعكس سلبا على جودته وتأثيره.

كما شدد على أن الحفاظ على الأسلوب الشخصي للصحفي، وهويته الفكرية، يعد من أهم التحديات في ظل انتشار المحتوى المولد آليا، الذي غالبا ما يفتقر إلى العمق والتحليل والسياق.

أخلاقيات المهنة في عصر الخوارزميات

وفي سياق متصل، أبرز الخبير أن أحد أكبر التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي يتمثل في الجانب الأخلاقي، حيث تطرح هذه الأدوات تساؤلات جوهرية حول المصداقية، والشفافية، وحقوق الملكية الفكرية.

وأكد أن الصحفي يظل مسؤولا عن كل ما ينشره، حتى وإن استعان بأدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاجه، ما يستدعي التزاما صارما بمعايير التحقق والتدقيق.

كما أشار إلى أن الاستخدام غير الواعي لهذه الأدوات قد يؤدي إلى نشر معلومات مغلوطة أو مضللة، وهو ما يشكل خطرا على مصداقية المؤسسة الإعلامية ككل، خاصة في بيئة رقمية تنتشر فيها الأخبار بسرعة كبيرة.

التحقق من المعلومات.. حجر الزاوية في العمل الصحفي

وشدد دراري على أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على معالجة كميات هائلة من البيانات في وقت قصير، لا يمكن أن يكون بديلا عن دور الصحفي في التحقق من المعلومات.

وأوضح أن مخرجات هذه الأدوات قد تحتوي على أخطاء، سواء بسبب نقص البيانات أو سوء الفهم السياقي، ما يفرض على الصحفي مراجعتها بدقة قبل نشرها.

وأضاف أن هذه المرحلة تتطلب تعزيز ثقافة التحقق، واعتماد آليات جديدة للتدقيق، تتماشى مع طبيعة المحتوى الرقمي، وتضمن الحفاظ على مصداقية العمل الصحفي.

فرص جديدة لتعزيز الأداء الصحفي

ورغم التحديات، يرى المتحدث أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا واسعة لتطوير العمل الصحفي، من خلال تسريع عملية جمع المعلومات، وتحليل البيانات، وتحسين جودة الكتابة.

كما يمكن لهذه الأدوات أن تساعد الصحفي في الوصول إلى مصادر جديدة، واكتشاف زوايا مختلفة للموضوعات، ما يثري المحتوى ويزيد من قيمته.

وأشار إلى أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب تكوينا مستمرا، واستثمارا حقيقيا في تطوير المهارات الرقمية، بما يسمح بتحقيق أقصى استفادة ممكنة من هذه التكنولوجيا.

نحو صحافة ذكية.. ولكن إنسانية

وأكد دراري أن المستقبل يتجه نحو ما يمكن تسميته “بالصحافة الذكية”، التي تعتمد على التكنولوجيا في مختلف مراحل الإنتاج، دون أن تفقد طابعها الإنساني.

وأوضح أن هذا النموذج يقوم على توزيع الأدوار بين الإنسان والآلة، بحيث تتولى الأخيرة المهام الروتينية، بينما يركز الصحفي على التحليل والتفسير وصناعة المعنى.

وأضاف أن هذا التحول يمكن أن يسهم في تحسين جودة المحتوى، وتعزيز ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، إذا ما تم توظيفه بشكل متوازن.

التكوين المستمر.. مفتاح التكيف مع التحوّل

وفي هذا السياق، شدد الخبير على أهمية التكوين المستمر للصحفيين، باعتباره شرطا أساسيا لمواكبة التطورات التكنولوجية.

وأوضح أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بتوفير برامج تدريبية متخصصة، تمكن الصحفيين من اكتساب المهارات اللازمة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل فعال.

كما دعا إلى إدماج هذه المواضيع في مناهج التكوين الإعلامي، لضمان إعداد جيل جديد من الصحفيين القادرين على التعامل مع تحديات العصر.

مسؤولية مشتركة لبناء مستقبل إعلامي متوازن

وفي ختام تصريحه، أكد البروفيسور حسن دراري أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي في المجال الصحفي لا يمكن أن يكون مسؤولية فردية، بل يتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين، من مؤسسات إعلامية، وهيئات تنظيمية، ومراكز تكوين.

وأشار إلى أن الهدف ليس فقط مواكبة التطور، بل توجيهه بما يخدم المصلحة العامة، ويحافظ على دور الإعلام كسلطة رابعة تضمن الشفافية والمساءلة.

يبدو من خلال هذا التحول العميق، أن مستقبل الصحافة لن يكون قائما على استبدال الإنسان بالآلة، بل على بناء علاقة تكاملية بينهما. فالذكاء الاصطناعي، رغم ما يحمله من تحديات، يمثل فرصة حقيقية لتطوير العمل الصحفي، شريطة أن يتم استخدامه بوعي ومسؤولية.

وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الأكبر هو الحفاظ على جوهر المهنة، القائم على المصداقية، والموضوعية، وخدمة الحقيقة، في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا، لكن تبقى فيه الكلمة مسؤولية إنسانية قبل كل شيء.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي