الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الصناعات الغذائية في الجزائر.. توجه متصاعد نحو الأسواق الدولية

Author
صبرينة عيلان 15 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يرى كل من الدكتور عبد الرحمان هادف، الخبير والمستشار في التنمية الاقتصادية، والدكتور أحمد الحيدوسي، الخبير الاقتصادي وأستاذ بجامعة الجزائر، في تصريحين لـ”الأيام نيوز”، أن الصناعات الجزائرية للحلويات والبسكويت والشوكولاتة تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية قد تحدد مستقبل حضورها الإقليمي والدولي، في ظل التوجه الوطني المتسارع نحو دعم الصادرات خارج المحروقات، والتحولات العميقة التي تعرفها التجارة العالمية وسلاسل التوريد الدولية.

ويؤكد الخبيران أن “معرض منتوجات الحلويات والبسكويت والشوكولاتة“، المزمع تنظيمه بولاية بومرداس من 16 إلى 19 ماي 2026، تحت شعار “آفاق واعدة للتصدير”، لا يمثل مجرد تظاهرة تجارية ظرفية أو فضاء لعرض المنتجات الوطنية، بل يعكس توجها اقتصاديا واستراتيجيا جديدا يرمي إلى بناء صناعة غذائية جزائرية قادرة على اقتحام الأسواق الخارجية والتموقع فيها بشكل تنافسي ومستدام.

هذا وتشهد الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، حركية اقتصادية متصاعدة في مجال دعم الصادرات خارج قطاع المحروقات، حيث بدأت الصناعات الغذائية تفرض نفسها كأحد أكثر القطاعات المؤهلة للمساهمة في تنويع الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى ما تمتلكه من إمكانات إنتاجية معتبرة، ومرونة صناعية، وقيمة مضافة، إضافة إلى قدرتها على خلق الثروة ومناصب الشغل وتعزيز الحركية الاقتصادية داخليا وخارجيا.

غير أن الإشكال الحقيقي اليوم لا يرتبط فقط بإمكانية تصدير المنتوج الجزائري، وإنما بمدى قدرة المؤسسات الوطنية على التموقع الفعلي والدائم داخل الأسواق الدولية. فالتجارة العالمية في الصناعات الغذائية لم تعد تقوم على التصدير الظرفي أو المناسباتي، بل أصبحت قائمة على منظومات إنتاج متكاملة تعتمد على الجودة المستقرة، والابتكار، والالتزام الصارم بالمعايير الصحية والبيئية، إلى جانب القدرة على ضمان التموين المنتظم للأسواق الخارجية.

ولقد حققت العديد من المؤسسات الجزائرية الناشطة في مجال الحلويات والبسكويت والشوكولاتة تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث تحديث خطوط الإنتاج، أو تحسين تقنيات التغليف والتوضيب، أو تنويع المنتجات بما يتماشى مع التحولات الجديدة في أذواق المستهلكين. كما بدأت بعض العلامات الجزائرية تجد لنفسها موطئ قدم داخل عدد من الأسواق الإفريقية والعربية، مستفيدة من عامل القرب الجغرافي، والأسعار التنافسية، والتشابه النسبي في الأنماط الاستهلاكية.

منطق التصدير من المشاركة الظرفية إلى بناء التموقع الدولي

أكد الدكتور عبد الرحمان هادف أن الجزائر مطالبة اليوم بالانتقال من مرحلة “إمكانية التصدير” إلى مرحلة “بناء صناعة غذائية تنافسية قادرة على التموقع المستدام داخل الأسواق الدولية”، موضحا أن التحدي الحقيقي لم يعد مرتبطا فقط بقدرة المنتوج الجزائري على دخول الأسواق الخارجية، بل بمدى قدرته على البقاء فيها وتحويل حضوره إلى تموقع اقتصادي دائم.

وأوضح أن التجارة العالمية في قطاع الصناعات الغذائية لم تعد تقوم على التصدير المناسباتي أو المشاركة الموسمية في المعارض، بل أصبحت قائمة على منظومات إنتاج متكاملة تعتمد على الجودة المستقرة، والابتكار، واحترام المعايير الدولية، والقدرة على ضمان التموين المنتظم للأسواق.

وأضاف أن العديد من المؤسسات الجزائرية الناشطة في مجال الحلويات والبسكويت والشوكولاتة حققت خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا، سواء من خلال تحديث خطوط الإنتاج، أو تحسين التغليف والتوضيب، أو تنويع المنتجات بما يتماشى مع تطور أذواق المستهلكين، كما بدأت بعض العلامات الجزائرية تجد لها موطئ قدم داخل عدد من الأسواق الإفريقية والعربية.

غير أن هذا التطور – حسبه – لا يزال بحاجة إلى الانتقال نحو مرحلة أكثر احترافية، خاصة وأن الأسواق الدولية أصبحت أكثر تشددا فيما يتعلق بمعايير الجودة والسلامة الغذائية والتوضيب والتتبع الصحي واحترام المواصفات البيئية والتقنية.

وأشار هادف إلى أن التحدي الحقيقي أمام المنتج الجزائري يتمثل في الانتقال من مرحلة المنتوج القابل للتصدير إلى مرحلة المنتوج القادر على المنافسة الدولية، موضحا أن عنصر الجودة أصبح اليوم العامل الحاسم في بناء الثقة مع المستهلك الأجنبي.

كما شدد على أن المنافسة العالمية لم تعد تُحسم فقط عبر الأسعار، وإنما من خلال قوة العلامة التجارية، واستقرار الجودة، والابتكار في النكهات والتغليف، والقدرة على التكيف مع خصوصيات كل سوق، فضلا عن احترام معايير الاستدامة والشفافية الغذائية التي أصبحت من المحددات الأساسية لاستمرار أي منتوج داخل الأسواق الدولية.

التحولات العالمية فرصة استراتيجية أمام الجزائر

من جهته، اعتبر الدكتور أحمد الحيدوسي أن معرض بومرداس يطرح في العمق إشكالية تتعلق بمدى قدرة الصناعات الغذائية الجزائرية، وخاصة شعبة الحلويات والبسكويت والشوكولاتة، على الانتقال من منطق التركيز على تلبية احتياجات السوق المحلية إلى بناء حضور تنافسي داخل الأسواق الإقليمية والدولية، خصوصاً الإفريقية والعربية.

وأوضح الحيدوسي أن الصناعات الغذائية العالمية تعيش حاليا مرحلة إعادة تموقع كبرى بفعل التحولات الاقتصادية والصحية والجيوسياسية التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، والتي أثرت بشكل مباشر على سلاسل التوريد الدولية، ودَفعت العديد من الدول والمستوردين إلى البحث عن أسواق وموردين جدد يتمتعون بالمرونة والقرب الجغرافي والاستقرار.

ويرى المتحدث أن الجزائر تمتلك فرصة استراتيجية حقيقية للاستفادة من هذه التحولات، بالنظر إلى موقعها الجغرافي القريب من أوروبا وإفريقيا، وامتلاكها واجهة بحرية مهمة، إضافة إلى توفر سوق داخلية واسعة تسمح ببناء مؤسسات صناعية ذات حجم إنتاجي معتبر.

وأشار إلى أن القرب الجغرافي من الأسواق الإفريقية والعربية يمكن أن يمنح المنتجات الجزائرية امتيازات تنافسية مهمة مقارنة ببعض المنتجات الآسيوية، خاصة من حيث تكاليف النقل وسرعة التموين، لكنه شدد في المقابل على أن استغلال هذه الفرصة يظل مرهونا بقدرة المؤسسات الجزائرية على تجاوز مجموعة من الاختلالات البنيوية التي لا تزال تعيق تحول الصناعة الغذائية إلى صناعة تصديرية تنافسية.

وأوضح أن من بين أبرز هذه التحديات ضعف التحكم في سلاسل القيمة، وارتفاع تكاليف اللوجستيك، وصعوبة الولوج إلى بعض المواد الأولية، إضافة إلى محدودية الخبرة في التسويق الدولي وإدارة شبكات التوزيع الخارجية.

العلامة الجزائرية.. من منتوج محلي إلى هوية اقتصادية

أكد الخبيران أن قطاع الحلويات والبسكويت والشوكولاتة يتمتع بخصوصية تجعله أكثر ارتباطا بالذوق الاستهلاكي والصورة الذهنية للعلامة التجارية، وهو ما يجعل المنافسة فيه أكثر تعقيداً من مجرد المنافسة السعرية.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور الحيدوسي أن المنتوج الغذائي اليوم لا يُباع فقط بسبب جودته التقنية، بل أيضا بسبب القصة التسويقية التي يحملها، وطريقة تقديمه، وقوة علامته التجارية، ومدى قدرته على خلق الثقة لدى المستهلك.

وأضاف أن بناء علامة “صنع في الجزائر” قوية وموثوقة يتطلب استثمارا طويل المدى في الجودة والتسويق والابتكار، معتبرا أن الأسواق الإفريقية والعربية، رغم كونها امتدادا طبيعيا للمنتجات الجزائرية، أصبحت اليوم ساحات تنافس حاد بين منتجات تركية ومصرية وآسيوية تمتلك خبرة طويلة في التصدير والتسويق وشبكات التوزيع الدولية.

ويرى الحيدوسي أن الجزائر قادرة على المنافسة داخل هذه الأسواق إذا نجحت في تطوير منتجات تتلاءم مع الخصوصيات الثقافية والاستهلاكية للأسواق المستهدفة، مع تحسين طرق التسويق وتطوير الهوية البصرية للمنتجات الجزائرية.

من جانبه، أكد الدكتور هادف أن بناء الثقة مع المستهلك الدولي يتطلب استقرار الجودة واحترام المعايير الصحية والبيئية بشكل دائم، لأن الأسواق الخارجية أصبحت أكثر حساسية تجاه مفاهيم السلامة الغذائية والشفافية في المكونات.
كما أشار إلى أن المستهلك العالمي بات أكثر اهتماماً بالمنتجات الصحية والطبيعية وقليلة السكر، ما يفرض على المؤسسات الجزائرية الاستثمار بشكل أكبر في البحث والتطوير والابتكار الصناعي.

تحديات التنافسية.. هل تملك الجزائر شروط النجاح؟

شدد الخبيران على أن بناء صناعة غذائية تصديرية لا يمكن أن يتحقق دون معالجة مجموعة من التحديات الهيكلية التي لا تزال تواجه المؤسسات الجزائرية، سواء على مستوى الإنتاج أو اللوجستيك أو التمويل أو التسويق.

وأوضح الدكتور هادف أن جزءا كبيرا من الإنتاج الوطني لا يزال موجها لتلبية الطلب المحلي المتزايد، ما يفرض إعادة تنظيم جزء من المنظومة الإنتاجية وفق رؤية أكثر انفتاحا على الأسواق الخارجية، من خلال تخصيص خطوط إنتاج موجهة للتصدير، وضمان استمرارية التموين بالمواد الأولية، وتحسين التحكم في سلاسل النقل والتخزين والتوزيع، إضافة إلى احترام آجال التسليم والكميات المطلوبة بشكل منتظم.

كما أشار الدكتور الحيدوسي إلى أن أحد أكبر التحديات المطروحة يتمثل في الانتقال من ثقافة الإنتاج للسوق المحلية إلى ثقافة الإنتاج وفق متطلبات السوق الدولية، موضحا أن الأسواق الخارجية تحتاج إلى معايير مختلفة من حيث الجودة والتغليف والتسويق وحتى طبيعة المنتجات والنكهات.

وأكد أن بناء صناعة غذائية قادرة على المنافسة الدولية يتطلب أيضا تطوير منظومة البحث والتطوير داخل المؤسسات الجزائرية، لأن الابتكار أصبح عاملا أساسيا في التنافسية العالمية، خاصة في ظل التحولات الجديدة في أنماط الاستهلاك العالمي.

وفي السياق ذاته، شدد الخبيران على أن نجاح الصناعات الغذائية الجزائرية في الخارج لا يرتبط فقط بالمؤسسات المنتجة، بل يحتاج إلى منظومة اقتصادية متكاملة تشمل البنوك، والنقل، والتأمين، والخدمات اللوجستية، والدبلوماسية الاقتصادية، إضافة إلى تسهيل الإجراءات الإدارية وتحسين الخدمات المرافقة للمصدرين.

كما أكدا أن معرض بومرداس يمكن أن يتحول إلى منصة اقتصادية حقيقية إذا تم استثماره لعقد الشراكات وخلق قنوات مباشرة بين المنتجين الجزائريين والمستوردين والمتعاملين الأجانب، وليس مجرد فضاء للعرض والترويج.

وأجمع الدكتور عبد الرحمان هادف والدكتور أحمد الحيدوسي على أن الصناعات الجزائرية للحلويات والبسكويت والشوكولاتة تمتلك بالفعل فرصة حقيقية لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطا بقدرة المؤسسات الوطنية على رفع مستوى التنافسية، وبناء استراتيجية تصديرية طويلة المدى قائمة على الجودة والاحترافية والابتكار والاستمرارية.

وأكد الخبيران أن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في الوصول إلى الأسواق الخارجية، بل في القدرة على التموقع الدائم داخلها وتحويل المنتوج الجزائري إلى علامة موثوقة قادرة على المنافسة وكسب ثقة المستهلك الدولي، في عالم اقتصادي يشهد تغيرات متسارعة ومنافسة متزايدة يوما بعد يوم.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية