الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
مقالات رأي

الصناعة البتروكيميائية في الجزائر.. رهان التحول من اقتصاد المواد الخام إلى اقتصاد القيمة المضافة

X Facebook TikTok Instagram

تكتسي التوجيهات الأخيرة الصادرة عن عبد المجيد تبون،خلال مجلس الوزراء الجزائري أهمية استراتيجية بالغة، لكونها تعكس انتقالًا واضحًا في التفكير الاقتصادي للدولة، من منطق استغلال الريع الطاقوي إلى منطق بناء قاعدة صناعية تحويلية تستثمر الموارد الوطنية في إنتاج الثروة الصناعية. وقد ركزت هذه التوجيهات على ضرورة إطلاق مشاريع صناعية كبرى في مجال البتروكيمياء، بما يسمح بتثمين المحروقات عبر تحويلها إلى منتجات صناعية وسيطة ونهائية ذات قيمة مضافة مرتفعة.

إن هذا التوجه لا يُقرأ فقط باعتباره قرارًا قطاعيًا مرتبطًا بقطاع الطاقة، بل باعتباره مدخلًا لإعادة تشكيل النموذج الاقتصادي الوطني على أسس أكثر تنوعًا وإنتاجية. فالجزائر، بوصفها أحد البلدان المالكة لاحتياطات معتبرة من النفط والغاز، تجد نفسها أمام معادلة اقتصادية حاسمة: إما الاستمرار في تصدير المواد الخام، بما يحصر الاقتصاد في تقلبات السوق الدولية، أو الانتقال إلى استثمار هذه الموارد في بناء منظومة صناعية وطنية قادرة على تعظيم القيمة وتحقيق الاستقلال الاقتصادي.

من منظور اقتصادي، تمثل الصناعة البتروكيميائية إحدى أكثر الصناعات قدرة على توليد القيمة المضافة. فالنفط الخام لا يمثل في حد ذاته سوى الحلقة الأولى من سلسلة طويلة من التحويل الصناعي. بينما يتيح تحويله إلى منتجات بتروكيميائية، مثل: البوليمرات، المشتقات البلاستيكية، المواد الكيماوية الصناعية، الأسمدة، المذيبات، الألياف الصناعية، والمكونات الدوائية، مضاعفة العائد الاقتصادي عدة مرات. ومن ثم فإن القيمة الحقيقية للثروة الطاقوية لا تقاس بحجم الاحتياطي فقط، وإنما بقدرة الدولة على إدماج هذه الثروة ضمن سلسلة صناعية متكاملة.

تكمن الأهمية الجوهرية للصناعة البتروكيميائية في كونها صناعة قاعدية ذات أثر تشابكي واسع. فهي لا تنتج فقط سلعة نهائية، بل توفر مدخلات أساسية لعشرات الصناعات الأخرى. وفي الحالة الجزائرية، يمثل هذا البعد فرصة مركزية لإعادة بناء النسيج الصناعي الوطني، لأن عددًا كبيرًا من الصناعات المحلية لا يزال يعتمد على استيراد المواد الأولية. فالصناعات البلاستيكية، ومواد التغليف، والصناعات الزراعية التحويلية، وقطاع البناء، والصناعة الصيدلانية، وصناعة الأجهزة المنزلية، كلها ترتبط بدرجات متفاوتة بمدخلات بتروكيميائية مستوردة.

وعليه، فإن تطوير هذا القطاع سيمكّن من إعادة هيكلة سلاسل القيمة الصناعية الوطنية. فبدل أن تبقى الصناعات المحلية رهينة استيراد المدخلات، ستصبح قادرة على الحصول على المواد الأولية محليًا، بما يخفض التكاليف، ويعزز تنافسية الإنتاج الوطني، ويقلص الضغط على فاتورة الواردات. وهذه النقلة تمثل إحدى أهم آليات الإحلال محل الواردات، لكنها في صورتها المتقدمة تتجاوز الإحلال إلى بناء قاعدة صناعية متشابكة تتكامل فيها الصناعات الثقيلة مع الصناعات التحويلية والخفيفة.

ومن الزاوية التنموية، تشكل البتروكيمياء قطاعًا محوريًا في خلق ما يعرف بـ”التأثيرات الأمامية والخلفية” في الاقتصاد. فكل مشروع بتروكيميائي كبير يؤدي إلى نشوء منظومة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة به: النقل الصناعي، التخزين، التغليف، الصيانة، الخدمات الهندسية، الصناعات التكميلية. وبذلك يصبح المشروع الصناعي الواحد نقطة ارتكاز لسلسلة إنتاجية كاملة، ما ينعكس مباشرة على التشغيل، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتنمية المهارات التقنية والهندسية الوطنية.

أما من منظور الاقتصاد السياسي، فإن الصناعة البتروكيميائية تدخل في صميم مفهوم السيادة الاقتصادية. فالدول التي تملك المواد الخام دون امتلاك صناعات التحويل تبقى في موقع التبعية البنيوية داخل الاقتصاد العالمي. بينما الدول التي تسيطر على حلقات التصنيع والتحويل تحتل مواقع أعلى في تقسيم العمل الدولي. ومن هنا، فإن تطوير البتروكيمياء في الجزائر ليس مجرد خيار تنموي، بل هو إعادة تموضع داخل الاقتصاد العالمي من خانة المورد الخام إلى خانة المنتج الصناعي.

وتبرز هذه المسألة بوضوح في سياق التحولات الجيو-اقتصادية الراهنة، حيث أصبحت السيطرة على سلاسل التوريد أحد عناصر القوة الوطنية. فالأزمات الدولية المتلاحقة، من جائحة كوفيد إلى اضطرابات النقل البحري والأزمات الجيوسياسية، أظهرت هشاشة الاقتصادات التي تعتمد على الخارج في تأمين المدخلات الصناعية. ومن ثم، فإن بناء قاعدة بتروكيميائية وطنية يندرج ضمن تعزيز مناعة الدولة الاقتصادية، ويدخل في إطار الدفاع الاقتصادي بوصفه أحد أبعاد الأمن القومي الشامل.

كما يكتسب هذا التوجه أهمية إضافية في بعده التصديري. فالأسواق الإفريقية، في ظل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، مرشحة لتصبح من أسرع الأسواق نموًا في الطلب على المنتجات الصناعية الوسيطة. والجزائر، بحكم موقعها الجغرافي الرابط بين المتوسط والعمق الإفريقي، تمتلك أفضلية استراتيجية لتكون مركزًا إقليميًا لتصدير المنتجات البتروكيميائية نحو إفريقيا. وهو ما يفتح آفاقًا واسعة لتنويع الصادرات خارج المحروقات الخام، وتعزيز مكانة الجزائر كمنصة إنتاج وتوزيع إقليمية.

إن الرهان الحقيقي لا يقتصر على إنشاء وحدات إنتاج معزولة، بل يتطلب رؤية تكاملية تشمل البنية اللوجستية، المناطق الصناعية المتخصصة، الموانئ الجافة، شبكات النقل، التمويل الصناعي، وسياسات البحث والتطوير. فالصناعة البتروكيميائية بطبيعتها صناعة كثيفة رأس المال والتكنولوجيا، ولا تنجح إلا عندما تندمج ضمن منظومة صناعية متكاملة تتكامل فيها السياسات الطاقوية والصناعية والتجارية.

وتملك الجزائر في هذا المسار عناصر قوة موضوعية: وفرة الموارد الطاقوية، خبرة تراكمية في الصناعات النفطية، قاعدة بشرية تقنية، موقع جغرافي استراتيجي، وسوق إقليمية واعدة. غير أن تحويل هذه المقومات إلى قوة صناعية فعلية يتطلب تسريع الشراكات التكنولوجية، توطين المعرفة، وتوجيه الاستثمار نحو الصناعات التحويلية ذات الأثر التشابكي العالي، بدل الاقتصار على الأنشطة الاستخراجية التقليدية.

إن التوجيه الرئاسي الأخير يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مستقبل الاقتصاد الجزائري لا يُبنى فقط على حجم الاحتياطات الطبيعية، بل على القدرة على تثمينها ضمن سلاسل إنتاج صناعية متكاملة. فالانتقال من تصدير النفط الخام إلى تصدير منتجات بتروكيميائية عالية القيمة يمثل قفزة نوعية في بنية الاقتصاد الوطني، ويؤسس لتحول استراتيجي من اقتصاد يعتمد على ريع الموارد إلى اقتصاد يستند إلى التصنيع والإنتاج.

وفي المحصلة، فإن تطوير الصناعة البتروكيميائية يمثل أحد أهم المفاتيح الاستراتيجية لتحقيق التحول الاقتصادي المنشود في الجزائر. فهو قطاع يجمع بين: تعظيم القيمة المضافة، تقوية النسيج الصناعي، تعزيز الأمن الاقتصادي، وفتح أسواق تصديرية جديدة. لذلك، فإن الاستثمار في هذا المجال ليس مجرد استجابة ظرفية، بل هو خيار سيادي يؤسس لاقتصاد وطني أكثر مناعة، وأكثر قدرة على الاندماج الفاعل في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

Author بريش عبد القادر
نائب في البرلمان الجزائري استاذ في العلاقات دولية
↑