الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

الصين وأمريكا.. هل تتحول المنافسة الاستراتيجية إلى تفاهمات دولية؟

Author
ربيعة خطاب 12 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى الصين، بدعوة من الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في خطوة تحمل أبعادا سياسية واقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين البلدين، لتطال مستقبل التوازنات الدولية بأسرها. وتأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتشابك ملفات التنافس الجيوسياسي بين واشنطن وبكين مع قضايا الأمن العالمي، والتجارة الدولية، والتكنولوجيا، والطاقة، إضافة إلى الأزمات الإقليمية المتصاعدة التي تلقي بظلالها على الاستقرار العالمي.

وتكتسب الزيارة أهمية استثنائية باعتبارها الأولى لرئيس أمريكي إلى الصين منذ نحو تسع سنوات، كما أنها تأتي بعد فترة من التوترات الحادة التي طبعت العلاقات بين القوتين الأكبر في العالم، سواء على خلفية الحرب التجارية، أو التنافس التكنولوجي، أو الخلافات المتعلقة ببحر الصين الجنوبي وتايوان، فضلا عن تباين المواقف بشأن عدد من الملفات الدولية الساخنة. وفي هذا السياق، يترقب المجتمع الدولي ما إذا كانت هذه القمة ستشكل بداية لمرحلة جديدة من إعادة ضبط العلاقات بين واشنطن وبكين، أو على الأقل التوصل إلى تفاهمات تقلل من احتمالات التصعيد والمواجهة المباشرة.

ومن المنتظر أن يجري الرئيسان محادثات معمقة تتناول القضايا الرئيسية المرتبطة بالعلاقات الصينية-الأمريكية، إلى جانب ملفات السلام والتنمية في العالم، في وقت تواجه فيه المنظومة الدولية تحديات متزايدة تتطلب قدراً أكبر من التنسيق بين القوى الكبرى. كما تعكس هذه الزيارة إدراكا متبادلا لدى الطرفين بأن استمرار التوتر بينهما لا ينعكس فقط على مصالحهما الثنائية، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار السياسي الدولي.

وتؤكد بكين في هذا الإطار أن “دبلوماسية القادة” تمثل عنصرا أساسيا في إدارة العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، باعتبارها أداة قادرة على تقديم التوجيه الاستراتيجي وتخفيف حدة الخلافات، خاصة في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة واضطرابات جيوسياسية متلاحقة. إذ قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غو جياكون، في إحاطة صحافية: “تعتزم الصين العمل مع الولايات المتحدة على قدم المساواة، ضمن روح من الاحترام والاهتمام بالمصلحة المشتركة، بهدف تطوير التعاون وإدارة الخلافات وتأمين مزيد من الاستقرار في عالم مترابط وغير مستقر”.

كما تبدي الصين استعدادها للعمل مع الولايات المتحدة من أجل توسيع مجالات التعاون وإدارة التباينات بروح من الاحترام المتبادل والمساواة والمنفعة المشتركة، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الدولي وتخفيف حالة عدم اليقين التي تخيّم على المشهد العالمي.

وفي المقابل، تبدو واشنطن مدركة لأهمية الحفاظ على قنوات الحوار مع بكين، خاصة في ظل تصاعد التحديات الاقتصادية والأمنية العالمية، وهو ما يمنح هذه الزيارة بعداً يتجاوز الطابع البروتوكولي، لتتحول إلى محطة سياسية مفصلية قد تسهم في رسم ملامح المرحلة المقبلة من العلاقات الدولية.

وفي هذا السياق، أكد الكاتب والباحث السياسي، أحمد عرابي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن زيارة ترامب إلى الصين، الممتدة من الأربعاء إلى الجمعة من الأسبوع الجاري، بحسب ما أعلنه البيت الأبيض، تمثل أول زيارة للرئيس الأمريكي إلى بكين منذ عام 2017، خلال ولايته الرئاسية الأولى، مشيرا إلى أن القمة المرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني، شي جين بينغ، ستناقش ملفات شديدة الحساسية تتعلق بالعلاقات الثنائية ومستقبل التوازنات الدولية.

وأوضح عرابي أن جدول المحادثات لن يقتصر على القضايا السياسية التقليدية، بل سيمتد ليشمل ملفات التجارة العالمية، والرسوم الجمركية، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وهي قضايا أصبحت تمثل جوهر الصراع الاستراتيجي بين واشنطن وبكين خلال السنوات الأخيرة.

وأشار إلى أن الزيارة كانت مقررة في مارس الماضي، غير أن اندلاع الحرب الإيرانية دفع الإدارة الأمريكية إلى تأجيلها، نظراً إلى أن هذا الملف أصبح من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الصينية-الأمريكية، خاصة وأن إيران تعد أحد أبرز الحلفاء الاستراتيجيين للصين في الشرق الأوسط، فضلاً عن كونها مصدرا مهما للطاقة بالنسبة للاقتصاد الصيني.

ويرى عرابي أن الحرب الإيرانية ستكون من أبرز الملفات القادرة على التأثير المباشر في أجواء القمة، موضحا أن الصين، رغم تشجيعها لطهران على التفاوض مع واشنطن، لا ترغب في الانخراط المباشر في معالجة الأزمة، باعتبار أن بكين تنظر إلى الحرب بوصفها في الأساس أزمة مرتبطة بالسياسات الأمريكية في المنطقة.

وأضاف أحمد عرابي أن التوترات السياسية بين البلدين تترافق مع تصاعد واضح في أدوات “الحرب الاقتصادية”، حيث فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، في أبريل الماضي، عقوبات على مصفاة صينية بسبب شرائها النفط الإيراني، وهو ما دفع بكين إلى اتخاذ موقف مضاد عبر توجيه شركاتها بعدم الالتزام بهذه العقوبات، إلى جانب إصدار قواعد جديدة تمنح السلطات الصينية صلاحيات أوسع للتحقيق مع الشركات والحكومات الأجنبية.

وأكد أحمد عرابي أن هذه الملفات ستكون من أبرز نقاط الخلاف التي ستفرض نفسها على طاولة المحادثات بين الجانبين، في وقت يسعى فيه كل طرف إلى حماية مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية دون الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تضر بالاقتصاد العالمي.

كما أشار عرابي إلى أن الحرب الإيرانية أثارت مخاوف واسعة لدى المحللين بشأن قدرة الولايات المتحدة على مواصلة الدفاع عن تايوان، خاصة مع استنزاف جزء من مخزون الذخائر الأمريكية في الحرب، وهو ما يمنح الصين فرصة لإعادة تقييم موازين القوى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وفي المقابل، يشير أحمد عرابي إلى أن الرئيس الصيني يواجه تحديات اقتصادية داخلية متزايدة، ترتبط بتباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، إضافة إلى تصاعد المخاوف من ركود اقتصادي عالمي قد ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الصيني الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات الخارجية والأسواق الدولية.

وأوضح عرابي أن إدارة ترامب من جهتها تضع المكاسب الاقتصادية في مقدمة أولوياتها، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، حيث يسعى الرئيس الأمريكي إلى تحقيق إنجازات اقتصادية وتجارية يمكن تسويقها داخلياً باعتبارها نجاحات للإدارة الأمريكية في مواجهة الصين.

وأشار إلى أن الجانبين يعملان حاليا على تطوير آلية “مجلس تجاري” جديد يهدف إلى تعزيز تدفق البضائع والتبادل التجاري بين البلدين، دون الإضرار بمقتضيات الأمن القومي، في محاولة لإيجاد صيغة توازن بين التنافس الاستراتيجي والتعاون الاقتصادي.

ويرى عرابي أن القمة قد تساعد في إعادة تنظيم قواعد التنافس بدلا من إنهائه بالكامل، موضحا أن طبيعة العلاقة بين واشنطن وبكين لم تعد تقوم فقط على التعاون أو الصراع، بل على مزيج معقد من المصالح الاقتصادية والتنافس الجيوسياسي.

وأكد عرابي أن نتائج اللقاء لن تنعكس على العلاقات الثنائية فقط، بل سيكون لها تأثير مباشر على الاستقرار الاقتصادي والسياسي العالمي، في ظل ارتباط الاقتصاد الدولي بمستقبل العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم.

وأشار أحمد عرابي إلى أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لا يقوم عادة بزيارات خارجية دون السعي لتحقيق مكاسب واضحة للولايات المتحدة، متوقعاً أن تشهد القمة الإعلان عن صفقات أو تفاهمات اقتصادية جديدة تخدم المصالح الأمريكية، خصوصا في مجالات التجارة والطاقة والتكنولوجيا.

وشدد عرابي على أن زيارة بكين تمثل اختبارا حقيقيا لطبيعة العلاقة بين ترامب وشي جين بينغ، في ظل تداخل الحسابات السياسية والاقتصادية وملف الحرب الإيرانية، مؤكدا أن مخرجات هذه القمة قد تحمل نتائج غير متوقعة على الاستقرار الاقتصادي والسياسي العالمي خلال المرحلة المقبلة، سواء من خلال تهدئة التوترات أو إعادة رسم ملامح التنافس الدولي بين القوتين العظميين.