الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الضمور العضلي الشوكي.. خبراء يشددون على حتمية التشخيص المبكر لإنقاذ المرضى

Author
إيمان عبروس 02 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

يطرح الضمور العضلي الشوكي نفسه كأحد أبرز الأمراض الوراثية النادرة التي تستدعي يقظة طبية ومجتمعية عالية، نظرًا لتأثيره العميق على الأطفال منذ سن مبكرة. وبين تطور الطب وتوفر علاجات مبتكرة، يبقى التشخيص المبكر العامل الحاسم الذي يفصل بين مسار مرضي متدهور وإمكانية العيش بحياة أكثر استقرارًا.

مكي عز الدين

تأثير الغياب التدريجي للبروتين على القوة والحركة

وحول الموضوع يقول البروفيسور مكي عز الدين، رئيس مصلحة طب الأطفال بمستشفى حسين داي، في تصريح خص به “الأيام نيوز” إن مرض الضمور العضلي الشوكي ناتج عن خلل جيني يؤثر على بروتين أساسي مسؤول عن بقاء الخلايا العصبية الحركية، وهي الخلايا التي تلعب دورًا محوريًا في التحكم بالحركة ونقل الإشارات العصبية من الدماغ إلى العضلات.

وأوضح أن غياب هذا البروتين يؤدي إلى موت تدريجي للموتونيرونات، ما يتسبب في ضعف عضلي متفاقم واضطرابات حركية قد تبدأ بشكل بسيط لكنها تتطور مع مرور الوقت لتصل في بعض الحالات إلى عجز كامل، خاصة إذا لم يتم التدخل في الوقت المناسب.

أنماط سريرية متفاوتة الخطورة

وأضاف المتحدث أن المرض لا يظهر بنفس الحدة لدى جميع المرضى، بل يتخذ عدة أشكال سريرية تختلف من حيث الشدة وسرعة التطور، حيث يوجد نوع شديد يظهر في الأشهر الأولى من الحياة وقد يؤدي إلى الوفاة في سن مبكرة نتيجة مضاعفات تنفسية، ونوع متوسط يسمح للطفل بالجلوس دون القدرة على المشي، إضافة إلى نوع أقل حدة يمكن فيه للطفل المشي في البداية قبل أن يفقد هذه القدرة تدريجيًا.

وشدد في هذا السياق على أن العامل الحاسم في التكفل هو التشخيص المبكر، مبرزًا أن غياب برامج الكشف الروتيني عند حديثي الولادة في الجزائر لا يزال يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه التكفل الأمثل بهذا المرض.

نويوة صونيا

تطور علاجي يتطلب تكفلا شاملا

ومن جهتها، أكدت البروفيسور نويوة صونيا، أخصائية أمراض الأعصاب بمستشفى شرشال، في تصريح خصت به “الأيام النيوز” أن هذا المرض معروف منذ سنوات طويلة، وكان التكفل به يعتمد أساسًا على التشخيص الجيني ومرافقة الأعراض، مشيرة إلى أن التطور العلمي أتاح اليوم توفر علاجات حديثة غيرت من مسار المرض بشكل واضح.

غير أنها شددت على أن هذه الأدوية، رغم أهميتها، لا تمثل حلا كاملا بمفردها، مؤكدة أن التكفل يجب أن يكون شاملا ومتعدد التخصصات، يأخذ بعين الاعتبار جميع الجوانب الصحية للمريض.

أهمية المتابعة متعددة التخصصات

وفي هذا الإطار، أوضحت المختصة أن التكفل الفعال يتطلب إدماج عدة تخصصات طبية، من بينها العلاج الفيزيائي الذي يهدف إلى الحفاظ على الكتلة العضلية وتحسين القدرات الحركية، إلى جانب الوقاية من تشوهات العمود الفقري مثل الجنف، التي قد تنتج عن ضعف العضلات، إضافة إلى المتابعة الطبية المستمرة حسب تطور كل حالة.

كما أشارت إلى أن الانطباع السائد بارتفاع عدد الحالات في الجزائر يعود في جزء كبير منه إلى تحسن وسائل التشخيص وتوفرها بشكل أوسع، مؤكدة في المقابل الحاجة الملحة إلى إنشاء سجل وطني دقيق للأمراض النادرة ، يسمح بتحديد العدد الحقيقي للمصابين وتحسين آليات التكفل بهم.

حلال سهام

العلاج متوفر لكن بشروط

وبدورها، أوضحت البروفيسور حلال سهام، مختصة في البيوكيمياء وعلم الوراثة بالمركز الاستشفائي الجامعي مصطفى باشا، في تصريحها لـ”الأيام النيوز” أن المرض مرتبط بطفرة في الجين المسؤول عن إنتاج بروتين SMN، وهو ما يؤدي إلى الخلل في عمل الخلايا العصبية الحركية. وأكدت أن الجزائر شرعت في تشخيص هذا المرض منذ سنة 2010، ما سمح بتحسين الكشف عنه وتوجيه المرضى نحو التكفل المناسب، مضيفة أن العلاج أصبح متوفرا في الآونة الأخيرة، ما يمثل بارقة أمل حقيقية للمرضى وعائلاتهم بعد سنوات من غياب الحلول الفعالة.

التشخيص المبكر شرط للاستفادة من العلاج

غير أن المتحدثة شددت على أن هذا التقدم العلاجي يبقى مرتبطا بشكل وثيق بسرعة التشخيص، موضحة أن فعالية العلاج تبقى مشروطة بالتشخيص المبكر، لأن الخلايا العصبية التي تتلف نتيجة المرض لا يمكن استرجاعها، وهو ما يجعل كل تأخير في اكتشاف الحالة ينعكس سلبًا على تطورها ويحد من فرص تحسينها.

وأضافت أن التدخل في المراحل الأولى، بل وحتى قبل ظهور الأعراض في بعض الحالات، يمكن أن يحدث فارقًا كبيرًا في المسار الصحي للطفل.

دعوة إلى تعميم الفحص عند الولادة

وفي سياق متصل، شدد المختصون على ضرورة تعميم الفحص المبكر عند حديثي الولادة، خاصة خلال الأيام الأولى، باعتباره خطوة أساسية نحو تحسين التكفل وتقليص المضاعفات.

وأكدوا أن اعتماد مثل هذه البرامج من شأنه تمكين الأطباء من التدخل في الوقت المناسب، قبل حدوث تلف كبير في الخلايا العصبية، كما دعوا إلى تعزيز التكوين المستمر لفائدة الأطباء العامين وأطباء الأطفال، حتى يتمكنوا من التعرف على العلامات الأولى للمرض وتوجيه الحالات بسرعة نحو التشخيص الجيني المتخصص.

الأولياء في صلب المعادلة

كما وجه الأطباء في هذا الإطار رسالة واضحة إلى الأولياء، خاصة الذين لديهم تاريخ عائلي مع المرض، بضرورة التحلي باليقظة وإجراء الفحوصات الجينية المبكرة، سواء قبل أو بعد الولادة. وأكدوا أن الكشف المبكر، حتى في غياب الأعراض، يمكن أن يغير بشكل جذري مسار حياة الطفل، ويفتح أمامه فرصًا أكبر للنمو بشكل طبيعي والاندماج في المجتمع، بدل مواجهة مضاعفات قد تكون خطيرة في حال التأخر في التشخيص.

نحو استراتيجية وطنية شاملة

وأجمع المتدخلون على أن تحسين التكفل بمرض الضمور العضلي الشوكي في الجزائر يتطلب وضع استراتيجية وطنية شاملة ومتكاملة، ترتكز على تعميم التشخيص المبكر، وتطوير قدرات التشخيص الجيني عبر مختلف ولايات الوطن، وضمان استمرارية توفير العلاج، إلى جانب إنشاء سجل وطني دقيق للحالات، وتعزيز التكوين الطبي المتخصص في مجال الأمراض العصبية العضلية.

كما شدد المختصون على أهمية التنسيق بين مختلف الفاعلين في القطاع الصحي لتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي