الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

الضمير العالمي والأدبي.. في مرايا المبدعين

Author
أشرف قاسم 23 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

ماذا يُفهم من تعبير “الضمير العالمي”؟ وهل تخصيص يوم للاحتفال به هو إقرار بوجوده وضرورة الحفاظ على حيويته ويقظته، أم هو اعتراف بأنه يعيش في أزمة عالمية أو هو “محجور عليه”؟ وماذا عن الضمير الأدبي والفني، وما مدى حضور “الضمير” في إبداعات المبدعين باعتباره حارسا؟، وأيضا باعتباره موضوعا في أعمالهم؟ وكيف تقرؤون “اليوم العالمي للضمير” من منظور أدبي وثقافي، ومن منطلق تجاربهم الإبداعية؟ توجهنا بتلك التساؤلات إلى نخبة من المبدعين، وفيما يلي رؤاهم التي تبلورت من خلال كتاباتهم.

الكاتب المصري محمد نجار الفارسي

في المنظور الأدبي والثقافي، لا يُقرأ اليوم العالمي للضمير بوصفه مناسبة عابرة، بل بوصفه سؤالًا أخلاقيًّا موجَّهًا إلى الإنسان في جوهر وجوده. فالضمير في الأدب، ليس شعارًا يُرفع، وإنما طاقة داخلية تُحرّك الكتابة وتمنحها مشروعيتها الإنسانية. وحين يمرّ هذا اليوم دون صدى يُذكر، فإن ذلك لا يعني غياب الضمير بقدر ما يكشف عن أزمة في الإصغاء إليه، أو في القدرة على تحويله إلى فعلٍ ثقافيٍّ مؤثر.

فمفهوم “الضمير العالمي” أدبيًّا يُفهم بوصفه مساحة مشتركة من التعاطف الإنساني، فيه تتلاقى التجارب المختلفة في الدفاع عن قيم العدالة، والحرية، والكرامة. وتخصيص يوم له قد يكون تذكيرًا بضرورته، لكنه في الوقت نفسه اعتراف ضمني بأن هذا الضمير يتعرض للإنهاك والتهميش، وأنه يحتاج إلى من يوقظه من سباته الرمزي.

أما الضمير الأدبي، فهو الحارس الخفي للنص؛ يوجّه الكاتب نحو مشاغل الإنسانية وهمومها.

في تجربتي الإبداعية، يحضر الضمير بوصفه بوصلةً داخلية تدفعني للانحياز إلى المهمّشين، وإلى الإنسان البسيط الذي يكافح كي يحافظ على كرامته ووجوده، فالانحياز للمهمشين تيمتي المفضلة، فجل رواياتي ومجموعاتي القصصية بداية من أول مجموعة (الفوارس) عام 1999 حتى أخر مجموعة (على حافة المجرة) التي نشرت عام 2025، تؤكد هذا الانحياز. وأعتقد أن انغماس الكاتب أو الفنان على وجه العموم في حياة العامة ومشاركتهم إياها، يجعل الأدب والفن مساحة لاستعادة الضمير، لا للاحتفاء الشكلي به فقط.

الشاعر الأردني سلطان الركيبات

تجلَّى لي قليلًا ثمَّ غابا — كمثلِ تساؤلٍ يأتي جوابا

ونبَّهني لوسوسةٍ بصدري — تواصلُ نحوَ أعضائي اقترابا

سَألتُ ومن تكون؟ فقالَ: إنِّي — ضميرُكَ.. حين تفتقدُ الصَّوابا

الكاتبة الروائية المصرية نجوى عبد الرحمان

أرى ضرورة تذكر هذا اليوم جيدا خاصة للمهتمين بالشأن الثقافي والأدبي والفني. الكلمة مسؤولية وهي أيضا سلاح ذو حدين، سلاح نحارب به الظلم والقسوة، ونؤكد بها هويتنا وتاريخنا بدون تزييف أو افتراء. وهي أيضا سلاح لنشر العداوة والتمييز والجهل والخرافات وكل العادات السيئة والتي تربي عقولاً غير قادرة على التمييز بين الجيد والغث.. ثقافة “التيك أواي” مثل “التيك توك” وغيرها من الأمراض التي أصابت المجتمعات مؤخراً

فإذا كان الكاتب أو الأديب أو الفنان يحمل بداخله ضميرا إنسانيا فسيكون مرآة تعكس ذلك في كتاباته وإبداعاته وتكون مرشده الذي يهديه إلي طريق الحق، لأن القيم الإنسانية مجتمعة من الخير والحق والجمال هي التي تنير دروب المبدع وتؤثر بشكل إيجابي على المجتمع، ويكون ضميره الإنساني هو طريقه للبقاء.

ولذلك لابد من الاهتمام بإحياء هذه المناسبة لنذكر بها من فقد بوصلته بالعودة للطريق الأمثل، وليكون حارسا حقيقيا لكل القيم الرائعة والإنسانية من حق وخير وعدل وجمال.. هذا هو هم المبدع الحقيقي وآليات وجوده واستمراريته.

الكاتب الليبي د. خالد خميس السحاتي

اليومُ العالميُّ للضَّمير هُو في الأساس يومٌ أطلقتهُ مُنظمة الأُمم المُتحدة في يوليو/ جويلية 2019، وتمَّ الاحتفالُ به لأوَّل مرَّةٍ عام 2020، كان الهدفُ الأُمميُّ من، هذه المُبادرة هدفٌ جميلٌ ومثاليٌّ، يتمثلُ فيما سمَّتهُ المُنظمة: “التذكيرُ بالدَّور الجوهريِّ للضَّمير في دفع النُّفُوس إلى دُرُوب السِّلم والصَّفح، والاحترام المُتبادل، وهُو يومٌ ما أُعلن عنه إلا ليُوقظ فينا جذوة التأمُّل الأخلاقي، ويستحثَّ فينا الرَّحمة، في زمنٍ تشتدُّ فيه الأزماتُ وتتقاطعُ فيه التَّحدِّياتُ على امتداد الأُفُق”.. وتضيف المنظمة: “بأنه لا سلام بلا ضمير، ولا عدالة بلا مسؤولية مشتركة، ولا إنسانية بلا تضامُن. فبمثل هذه المبادئ تسمو الأمم، وتُشيّد معالم عالم أكثر تناغمًا، أعدل في جوهره، وأشمل في إنسانيته”..

إذًا سبب هذا الاحتفاء مثالي بحت، لا يمتّ للواقع بأي صلة، لأن هذه المنظمة ذاتها تعاني من التجاهل الواضح ومن عدم احترام مبادئها وإعلاناتها وميثاقها المنشئ لها، وخصوصا من جانب الدول الكبرى، المُهيمنة عليها، فنجدُ العالم يعُجُّ بالحروب والصِّراعات المُسلَّحة وغير المُسلَّحة، ولا نجدُ ذلك الضمير الإنساني المنشُود للأسف الشديد.. مدن تدك، ودول تقصف، وضحايا بالآلاف، وضمير العالم في غفلة عن كل هذا، لا نجد فيه الرحمة، ولا نرى تطبيق العدالة، ولا نسمع عن المبادئ الإنسانية المشتركة، أكثر من سبعين ألف شهيد سقطوا في الحرب الأخيرة على غزة، وما تزال الحروب مستمرة تحصد الأرواح والأحلام بدون هوادة، فعن أي ضمير يتحدثون؟ وبأي احتفاء يتشدقون؟ وأين هو السلام والعدل والتضامن الإنساني والمسؤولية المشتركة؟ فيأيها العالم البائس اصمُت، ولا تنكأ جروحنا الغائرة، فجذوة التأمل الأخلاقي – التي تتحدث عنها – انطفأت منذ زمن، وأصبحنا نعيشُ عتمة الحُزن العميق، وموت الضمير الإنساني، وغياب الرحمة والسلام والعدل.

الأديبة المصرية نجلاء خليل

في الخامس أفريل من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للضمير؛ بهدف تحفيز المجتمعات الدولية على تعزيز ثقافة السلام، وحل النزاعات، ونبذ العنف، انطلاقاً من أن الضمير هو المحرك الأساسي للعدالة. ولنتساءل: ما هو الضمير؟

الضمير مفهوم معقد، تشابكت في تعريفه العلوم الإنسانية والفلسفة والأديان؛ ويمكن تفسيره لغويا في اللغة العربية من “الضُمور” أو “الإضمار”، وهو ما يستتر داخل النفس. أما في اللغات اللاتينية، فالمعنى يشير إلى المعرفة المشتركة مع الذات

وتراه الفلسفة المحكمة الداخلية التي تجعل الفرد يميز بين الحق والباطل، والخير والشر. ويرى الفيلسوف “إيمانويل كانط “أن الضمير هو تشريع خاص يفرضه الفرد على نفسه، ويراه آخرون بوصلة أخلاقية تمنح الإنسان الشعور بالراحة عند فعل الخير، والندم أو وخز الضمير عند الخطأ.

وسيكولوجيًّا عند “فرويد”، يرتبط بما يسميه “الأنا العليا”؛ وهي مخزن القيم والمبادئ التي يكتسبها الإنسان خلال رحلة عمره من المجتمع والأسرة ليكبح بها رغباته. وبشكل عام، الضمير هو مراقبة الأفعال وتقييمها وفقا لمعايير الصواب والخطأ.

وفي ظل التحولات التكنولوجية مثل: الذكاء الاصطناعي والحروب البيولوجية والأزمات البيئية، أصبح الضمير ضرورة وجودية. ويحضرني في هذا الصدد سؤال هام: هل للذكاء الاصطناعي ضمير؟ وهو المحرك الرئيسي حاليا لكل ما يدور في عالمنا. إنه سؤال وجودي يلمس الفرق بين الخوارزمية والروح؛ وتأتي الإجابة المباشرة: لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ضميرا بالمفهوم الإنساني الوجداني، لكنه في حقيقة الأمر يمتلك ما نسميه الضمير البرمجي أو الأخلاق الاصطناعية.

فالضمير عند الإنسان هو نبض داخلي ومحكمة عقلية ترتبط بالتعاطف، والتربية، والإيمان، والألم النفسي. أما الذكاء الاصطناعي، فلا يشعر بالألم ولا بالتعب، ولكن لديه مجموعة من القيود البرمجية والمبادئ الأخلاقية التي يضعها ويطورها المبرمجون، ولا يتجاوزها مهما حاول المستخدمون.

وإذا استعرنا مصطلح “فرويد”: الأنا العليا، فإن المبرمِجين هم “الأنا العليا” للذكاء الاصطناعي؛ هم من يحددون ماهية العدل والتحيز والحقيقة، بمعنى أن ضمير الذكاء الاصطناعي مرتبط بضمير من يبرمجه. فهل من الممكن أن يطور نفسه في المستقبل ليكون له فلسفته الخاصة للضمير؟ أم سيظل مرآة للضمير البشري وأداة مثل السكين؛ ليس لها ضمير، بل الضمير لمن يمسك بها؟

لماذا يشغلنا الضمير اليوم؟ لأنه صوت الحقيقة وسط هذا الكم من الزيف، وهو المحرك للاعتراض على الظلم، والقهر، والإبادة، واستخدام الوسائل اللاإنسانية في الحروب، والقمع الفكري.

فالضمير لم يعد مجرد خاطر شخصي بل ضرورة وجودية. وأنا ككاتبة، ما يهمني هو الضمير الإبداعي؛ فالكتابة بلا ضمير مجرد ضجيج فارغ لا نفع فيه. فالكتابة شهادة مهمة على العصر، وهي صوت الحقيقة عندما يصمت العالم ويتخاذل؛ فالقوانين وحدها لا تصنع السلام، بل الضمائر الحية هي التي تفعل.

إن الضمير ليس حدثا ليحتفل به الإعلام، بل هو سياق يجب أن تتنفسه الإنسانية. وتجاهله هو الدليل الأكبر على حاجتنا الماسة لاستعادته؛ ليس كشعار، بل كأداة وحيدة لترميم إنسانيتنا المتشظية. الضمير هو نصّنا المفتوح الذي لم يكتمل بعد، ومسؤوليتنا كأدباء ومثقفين هي ألا نسمح بتحويله إلى مجرد هامش في كتاب التاريخ.

الشاعر والباحث المصري شعبان البنا

تعريف الضمير بشكل عام: هو مجموعة مشاعر انسيابية تراقب تصرفات وأفعال الأفراد وتحدد ميولهم وطرائق تفكيرهم.

غير أن الميل أو الوازع الأدبي (الأخلاقي) دائما يعتبر السّنتر أو المركز الذي تدور في فلكه مجموعة العناصر المشكلة للضمير والمندرجة تحت مسماه.. تعتبر درة العقد الذي ينتظم تاج القيم والأخلاق. ويخطئ من يظن أن أي فكرة يمكن لها الدوران خارج فلك الأخلاق تحيط بها إحاطة الأسورة بالمعصم.

وعندما يتحقق الضمير الأدبي فإنه يضفي على الشكل الإنساني من قيمته ويعلى من شأنه، ويضفى عليه من بريقه ويؤكد للجماهير الهدف من وجوده، ذلك الوجود الذي لم يكن سوى مجموعة الفضائل والخلال المتعلقة بالإنسان في الشرق والغرب.

وتتجلى سمات الضمير الأدبي في مجموعة التعاليم المأخوذة عن الفكر الإنساني والإبداع البشري الذي يتبنّى نشر الفضائل والحض على معاني الخير والحب والسلام على كوكب الأرض، وإعلاء قيم التسامح الإنساني والتساند البشري بين شعوب الأرض، والتي بدونها تطغى الشهوات وتتجلى مظاهر العداء والاحتراب بين الأمم. ولنأخذ (الزرادشتية) مثلاً للتدليل على تبني مثل فكرة البحث الدائم عن الإنسان المتفوق أو “الأنسان الراقي”، لنتأكد كيف وصل المجتمع الألماني بأمثال هذه الأفكار إلى ما وصل إليه من رقي حضاري وإنساني على اعتبار، إن “فريدريك نيتشه “هو صاحب فكرة الإنسان المتفوق أو (السوبر مان) وهكذا… وقد قال الشاعر “الحطيئة” وأجاد:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه — لا يذهب العرف بين الله والناس

القاص المصري حسام المقدم

اليوم العالمي للضمير، يا له من اسم! إذا بدأنا بالجانب الأدبي والفني؛ فهنا مملكة الضمير الحقيقي. لا شيء يمكن أن يُجبر كاتبا أو فنانا على قول ما يخالف ضميره الفني إلا ذهابه هو نفسه إلى هناك! ممارسة الفن هي “فجر الضمير” لو أخذنا عنوان كتاب “برستيد” لشهير. في الفن يتحرك الضمير ويتقلقل داخل الفنان الحقيقي اعتراضا على أي شائبة تمس روح الفن، بخلاف ممارسات الحياة الأخرى التي قد يتأخر أو يتقدم فيها الضمير تبعا للأهواء والظروف.

أما على المستوى العالمي، فيوم للضمير اقترحته وحددته الأمم المتحدة، التي هي نفسها محل تشكيك في ضميرها! يبدو الأمر أقرب للهزل، في وجود الوصاية “الأمريكية” والحصار واختطاف البشر والثروات.. وهل من الضمير أن يختلف الإنسان في أوكرانيا، عن إنسان غزة، عن إنسان إيران، عن إنسان أفريقيا؟ في وجود الحروب والمصالح ومافيا السلاح العابرة للقارات لا تَسل عن ضمير، سيبدو السؤال حالما وسط نار تسعى لأكل البشر والحجر.

واقع الحال يقول إن الأمر بهذه القتامة الغالبة؛ وإن كانت هناك أصوات ضمير لبعض الدول والمنظمات وحتى الأفراد يقفون على جانب آخر، حيث الحق والجمال وحقوق الإنسان، لكن.. ماذا يمثل هؤلاء وسط محيط شامل من القبح والتمييز والاستغلال؟ ولنرجع إلى صلاح جاهين: “إيه رأيك في البُقع الحَمرا.. يا ضمير العالم يا عزيزي”.

Author أشرف قاسم
كاتب من مصر