الحرية ليست أن تكون دون قيود، لكنها ليست قيودا أيضا. الحرية ما بين وبين، هي تقع في منتصف الأشياء. أنا من أولئك الذين يرون أن في كل شيء نسبية؛ فالنسبية موجودة في كل أمر تقريبا. لكنني أناقض ذاتي أحيانا، عندما أشرد في معنى...
عندما أشرد في معان كبرى، كالحب مثلا، أجدني عاجزة عن وضعه في المنتصف، لأنني أشعر أنني، وإن فعلت، أكون قد سرقت منه روحه الكاملة. فهو يأبى أنصاف الحضور. وكذلك الحرية، أشعر دائما، في كل شرود، أنها إما أن تكون أو لا تكون. لا يجوز أن تكون ناقصة، ولا أن تجزأ.
ولكن، بعد لحظات، أجدني أحيانا أطلبها مطلقة، دون حدود. وهذا طبيعي، لأنني بشر؛ ثم أستفيق من شرودي، وأذكر نفسي: من لا يمتلك جناحين للطيران… سيلقى حتفه حتما.
وأحيانا أحمل ذاتي عبئا لا يحتمل، فأضيق على نفسي الحال، وأحجم الحرية ضمن قالب ضيق، لكن، بعد برهة من التفكر، أدرك أن النفس تحتاج لأن تتنفس، أن تعيش… أن تكون.
أصدقائي، أعزائي… أعترف أنني ضعت، وضيعت بوصلتكم أيضا، لكن… اعذروني، ربما أنتم أكثر من قد يفهمني، وأقرب من يدرك معنى هذا الضياع. ضعت… نعم، لكنني أكتب، وأفكر، وأشرد، وهذا ما ينجيني.
أعزائي، لا أحب أن أتكلم عن الأشياء بمثالية، فالمثالية الزائدة تشبه الكذبة المزينة القاتلة، نصدقها أحيانا، لكنها تقتل الحقيقة في داخلنا. أشعر دوما أن من يتحدث عن كل شيء وكأنه كامل ومثالي، يبتعد عن الواقع الذي نعيشه، ويظلم ذاته وواقعه.
لذلك، لا أريد أن أقول إن الحرية المقيدة فقط، المحكومة بالقوانين والأنظمة، هي الأنموذج الذي يجب أن نتبعه كي لا يلومنا الناس أو يحكموا علينا. وفي الوقت نفسه، لا أستطيع أن أمجد الحرية المطلقة حد الإفلات من كل شيء.
أنا لا أحتكم للمثالية، وأكره النظريات الجاهزة. أكره أن أستمع إلى شخص يلقي علينا ما حفظه من نظريات معلبة لا تشبه الواقع، ولا تراعي اختلافاتنا وتناقضاتنا كأشخاص نحاول أن نفهم ذواتنا وندرك أعماقنا.
فالنفس لا تحتاج إلى قوانين جامدة تقصيها، ولا إلى انفلات من كل شيء يضيعها. النفس بحاجة إلى مرونة تحتويها، وتوازن ينصفها. فالنسبية موجودة في كل شيء، والتوازن هو الحكم العادل في كل شيء.
دعونا نفكر سويا في عمق الحرية. تخيلوا معي أستاذا يترك تلاميذ صفه أثناء شرحه للدرس بحريتهم: فهذا يحدث صديقه، وذاك يرسم على اللوح، وتلك تنظر من النافذة، وآخر يجلس في المقعد الخلفي شاردا، والأستاذ يشرح درسه، والفوضى من حوله في كل مكان. هل برأيكم سيصل هو وتلاميذه إلى أي جدوى؟ طبعا لا، فالحرية التي أعطيت بعشوائية هنا أحدثت فوضى ضيعت كل شيء.
ومن مقلب آخر، تخيلوا معي العكس: صف مضبوط من كل الجوانب، غير مسموح فيه حتى بابتسامة، أو همسة خفيفة في أذن صديق. الأستاذ مقيد ذاته، محكم نفسه، يشرح الدرس فقط، والتلاميذ يتحركون تبعا لأوامر مرسومة، لا مجال فيه لمبادرة أو تعبير.
هل سيحب الطلاب هذا الصف؟ بالطبع لا، يا أصدقائي. ففي الحالة الأولى، الحرية المطلقة قتلت روح الصف، وجرته نحو الانفلات. وفي الثانية، الحرية المقيدة حد الاختناق، قتلت الشغف وأعدمته.
من هنا، أعزائي، يمكننا أن نستنتج سويا أمرا في غاية الأهمية، وهو مفهوم الحرية. فلم تفسر في الأولى على أنها فوضى، ولم تأخذ في الثانية معناها الحقيقي ضمن الانضباط المتوازن.
هذا هو الضياع الذي بدأت بالتفكير فيه منذ البداية؛ فاستنتجت أن للحرية كفة ميزان: كفة إن رجحت نحو التفلّت، مالت، وإن رجحت نحو التقييد، مالت أيضا. لكنها لا تستقيم ولا تثمر إلا إذا وزنت ومورست بالعقل.
وهذا يعيدنا إلى قول أبي العلاء المعري: "أيها الغر، إن خصصت بعقل فاتبعه، فكل عقل نبي". الإنسان يا أصدقائي ابن الطبيعة، يجد ضالته فيها، وتشرح له دروسا تعلمه مفاهيم يعجز أحيانا عن إدراكها بنفسه.
إنني أجد في الطبيعة خير معلم، ففي مداورة فصولها نتعلم الانتظام، وفي جريان نهرها نتعلم أن الفوضى لا مكان لها؛ فالنهر يجري بحرية ضمن مجراه، ولا يخرج عنه إلا إن فاض، فيؤذي ويضيع.
والطيور فيها تحلق بانسجام، وتهاجر وفق فصول محددة، لا عبثا، بل وفق وجهة يرسمها جناحاها. وحين نضع عصفورا في قفص، ندرك أننا وإن أبقيناه حيا؛ فقد قصصنا جناحيه… سلبنا حريته… خرقنا نظامه.
اعذروني يا أصدقائي، واعذروا ضياعي، لقد تكلمت عن حرية العصفور، وأنا أنظر إلى العصفور الذي أحتجز حريته في قفص ليته كان قفصا من ذهب، لكنت خففت عن نفسي عبء احتجازه… ولو قليلا. تحدثت عن حرية عصفور طليق في السحاب، وأنا أقيد عصفورا بين قضبان ضيقة. لكن الاعتراف بالخطأ، كما يقولون، فضيلة. أدرك الآن، في هذه اللحظة، كم قسوت عليه، وكم ظلمته، كم من مرة نظرت إليه ولم أفهم صوته، لم يكن يغني… بل يتألم.
كان يقول في كل نغمة:
"أنا لم أخلق إلا لأحلق،
لم أخلق لتحبني وتحبسني خلف القضبان.
ففي الحرية… كل الحب".
أصدقائي، لقد تعلمت من عصفوري درسا وأنا أكتب الآن عن الحرية المتوازنة والواعية، تعلمت أن الحرية ليست مجرد إفلات وإطلاق سراح، لمجرد أنني نقضت ذاتي في كتابتي، بل وعي عميق بالحق في الطيران،
وعي عميق بأن الحرية سلوك يمارس تحت الإيمان بالفكرة.
لقد أدركت الآن أن الضياع الذي شعرت به وأنا أكتب عن الحرية، بين الانفلات المطلق والقيد المشدد، هو لحظة إنقاذ دائما تضعني على السكة الصحيحة. فـالضياع كان ولا يزال بوصلتي التي تنير دربي.
أدركت أن الضياع لم يكن سوى بوصلتي التي تهديني في طريق الفهم والتفكر، وهو الضياع نفسه الذي قادني نحو فهم أعمق لمعنى الحرية الواعية والمتوازنة. أدركت أن الضياع لم يكن عبثيا، إنما طريقا سريًّا أوصلني إلى ضالتي.

