السبت، 12 سبتمبر 2026 — 28 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الطاهر وطار في ذكراه الـ”16”.. الشمعة التي بقيت مضيئة في دهاليز الرواية الجزائرية 

Author
هارون عمري 12 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تستعيد الساحة الثقافية الجزائرية في الثاني عشر من أوت الذكرى السادسة عشرة لرحيل الروائي الطاهر وطار، أحد أبرز مؤسسي الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية، وسط دعوات أكاديمية وثقافية إلى قراءة أعماله خارج الطابع الاحتفائي الموسمي، بالنظر إلى ما تختزنه روايات «اللاز» و«الزلزال» و«الحوات والقصر» و«الشمعة والدهاليز» من أسئلة حول الثورة والسلطة والهوية وموقع المثقف داخل المجتمع، وهي أسئلة حافظت على حضورها بعد رحيله في 12 أوت 2010، لأن صاحب «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» كتب الجزائر من داخل صراعاتها التاريخية والاجتماعية، وحول الرواية إلى مساحة لمساءلة الذاكرة الوطنية ومتابعة ما جرى للإنسان الجزائري خلال الثورة وبعد الاستقلال. 

وتنظم المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية الجزائر بالتعاون مع الجمعية الثقافية الجاحظية يوم 13 أوت 2026 تظاهرة بعنوان «الطاهر وطار صوت الهوية الأدبية الجزائرية»، تتضمن عرض فيلم وثائقي عن مسيرته، وندوة حول البعد الوطني والإنساني في أعماله، ومعرضا لمؤلفاته وصوره، وقراءات وشهادات يقدمها باحثون وأدباء وأصدقاء الكاتب، في موعد يعيد مشروعه الروائي إلى المؤسسة التي أسسها وجعلها طوال سنوات فضاء للحوار بين المثقفين ومقرا مفتوحا أمام التيارات الأدبية والفكرية المختلفة. 

الشهداء يعودون إلى ذاكرة الأدب 

ولد الطاهر وطار في 15 أوت 1936 بمنطقة عين الصنب في سوق أهراس، وتلقى تعليمه الأول في مدرسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ثم انتقل سنة 1952 إلى معهد الإمام عبد الحميد بن باديس بقسنطينة، قبل أن يلتحق بجامع الزيتونة في تونس، وقد جمع تكوينه بين علوم العربية والدراسات الدينية والقراءة المبكرة لأعمال طه حسين وجبران خليل جبران ومخائيل نعيمة والرافعي، ثم انفتح على الرواية والمسرح والسرد العالمي المترجم، فتشكلت تجربته داخل بيئة تجمع الثقافة العربية الموروثة وأسئلة التحرر الوطني والأفكار الاجتماعية الحديثة. 

التحق وطار بصفوف جبهة التحرير الوطني سنة 1956 وعمل في مجال الإعلام، كما مارس الصحافة في تونس وشارك في تأسيس صحيفتي «النداء» و«لواء البرلمان»، وعمل في يومية «الصباح» ومجلة «الفكر»، ثم أسس بعد الاستقلال أسبوعية «الأحرار» سنة 1962 وأسبوعية «الجماهير» سنة 1963 و«الشعب الثقافي» سنة 1974، وقد منحته هذه التجربة معرفة مباشرة بلغة الخبر وبنية المؤسسة ومزاج الشارع، وهي معرفة انتقلت إلى رواياته في صورة حوارات حادة وشخصيات مأخوذة من الريف والمدينة والإدارة والحزب والهامش الاجتماعي. 

يستدعي عنوان «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» سؤالا بقي أساسيا في أدب وطار، ويتعلق بمصير قيم الثورة عندما تدخل زمن الاستقلال، فقد اشتغل الكاتب على الذاكرة بوصفها مجالا للمراجعة الأخلاقية والسياسية، ووضع شخصياته أمام ما تحقق وما ضاع من الوعود، ودرست بحوث جامعية جزائرية العلاقة بين هذا العمل و«اللاز» من زاوية إعادة إنتاج التاريخ داخل النص الأدبي، حيث تتحول الثورة من مادة محفوظة في السجل الرسمي إلى تجربة إنسانية تخضع لتعدد الرؤى وتعارض المصالح وقلق الأفراد. 

اللاز يفتح ملف الثورة من الداخل 

منحت رواية «اللاز» الصادرة خلال سبعينيات القرن الماضي للطاهر وطار مكانة مركزية في تاريخ الرواية الجزائرية بالعربية، إذ دخل بها إلى المساحات المعقدة في التجربة الثورية، وكتب عن المناضلين والقرى والاختلافات الفكرية داخل حركة التحرر، مع حضور واضح لصراع الأفكار ومصير المثقف عندما تتقاطع قناعته مع منطق التنظيم والسلطة، وقد قرأ النقاد الرواية بوصفها معالجة أدبية للتاريخ تستند إلى التخييل وتعدد الأصوات وتبتعد عن تقديم الثورة في صورة أحادية. 

ويعمل عنوان «اللاز» في الذاكرة الأدبية علامة على كتابة جزائرية واجهت الموضوع الوطني بأدوات السرد والنقد، وسمحت للشخصية الهامشية بأن تدخل مركز الرواية وتقدم معرفتها الخاصة بالأحداث، وهو اختيار حافظ عليه وطار في مراحل لاحقة من مساره، حيث منح الفلاح والعامل والمناضل والمقهور والمثقف أصواتا متباينة داخل النص، وجعل الحوار مساحة تكشف المواقف ودرجات الوعي من دون أن يحول الرواية إلى تقرير سياسي مباشر. 

وأسهم انتشار «اللاز» وترجمة أعمال وطار إلى أكثر من عشر لغات في نقل صورة الرواية الجزائرية العربية إلى قراء خارج البلاد، كما أصبحت مؤلفاته موضوعا للدراسات الجامعية والرسائل الأكاديمية، وهو حضور يدعو إلى إعداد طبعات نقدية موثقة تجمع اختلاف النسخ وتشرح السياق التاريخي للمؤلفات وتحفظ مقالات الكاتب وحواراته الصحفية، حتى تتاح تجربته للباحثين ضمن مدونة متكاملة تجمع الأدب والصحافة والعمل الثقافي. 

الزلزال يكشف اضطراب المجتمع الجديد 

كتب وطار في «الزلزال» عن المجتمع الجزائري خلال مرحلة بناء الدولة واستعادة الأراضي وتنفيذ السياسات الاجتماعية، واختار شخصية تحمل رؤية مرتبطة بالمصالح القديمة لتكون مدخلا إلى تفكيك موقف الفئات التي رأت في التغيير تهديدا لمكانتها، فجاءت الرواية مشبعة بصراع الملكية والعدالة والانتماء وباللغة التي تستخدمها الشخصيات للدفاع عن مواقعها، وأصبح الزلزال عنوانا لاضطراب اجتماعي أصاب البنى والعلاقات والقيم التي حكمت الحياة قبل الاستقلال. 

وتكشف قراءة «الزلزال» إلى جانب «رمانة» و«الطعنات» و«دخان من قلبي» اتساع المجال الاجتماعي في كتابة وطار، حيث انتقل بين الريف والمدينة وبين الشخصيات المتعلمة والفئات التي تعيش على الهامش، واهتم بما يطرأ على الإنسان عندما يواجه الفقر أو السلطة أو الخوف أو انكسار الحلم، وقد منح هذا التنوع مشروعه قدرة على تسجيل أنماط من السلوك واللغة والعلاقات اليومية خلال عقود متتابعة من تاريخ الجزائر. 

وتحتاج هذه الأعمال اليوم إلى قراءة تستفيد من علم الاجتماع والتاريخ والنقد الثقافي، لأن الشخصيات الوطارية تقدم مادة ثرية لفهم تكوين النخب المحلية وعلاقة المثقف بالمؤسسة وانتقال المجتمع من زمن الثورة إلى زمن الإدارة، كما تسمح لغتها بتتبع حضور العامية والأمثال والموروث الديني والتعبير الشعبي داخل النص الفصيح، وهي عناصر أسهمت في بناء نبرة روائية جزائرية واضحة المرجع والبيئة. 

الحوات والقصر يختبران ميزان القوة 

يحمل عنوان «الحوات والقصر» تكثيفا لمواجهة غير متكافئة بين فرد قادم من الهامش وبنية تملك النفوذ والحماية، وقد استخدم وطار هذه العلاقة لقراءة آليات القوة وكيفية تشكل الخوف والصمت والمقاومة داخل المجتمع، معتمدا على الرمز والحكاية الشعبية وبناء سردي يسمح بتعدد التأويلات، وهو ما جعل الرواية تحتفظ بقابليتها للقراءة في أزمنة مختلفة كلما عادت أسئلة العدالة وموقع الفرد أمام المؤسسة. 

وامتدت متابعة الكاتب للواقع الجزائري إلى «العشق والموت في الزمن الحراشي» و«عرس بغل» و«تجربة في العشق»، حيث استثمر عناوين صادمة ومفارقة لتقديم بيئات مضطربة وشخصيات تبحث عن المعنى داخل علاقات تسيطر عليها الرغبة والمصلحة والعنف، وتظهر في هذه الروايات قدرته على التبديل بين الواقعية والرمز والسخرية والغرائبية، مع حفاظه على ارتباط النص بالأحياء والفضاءات والتوترات المعروفة في الحياة الجزائرية. 

ووجدت بعض أعماله طريقها إلى الخشبة والشاشة، فحولت قصة «نوة» المأخوذة من مجموعة «دخان من قلبي» إلى فيلم تلفزيوني، واقتبست «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» في عرض مسرحي قدمه المسرح الوطني الجزائري سنة 1987، بما يدل على احتواء كتابته على مشاهد وشخصيات وصراعات قابلة للانتقال من السرد إلى الفرجة المسرحية والسمعية البصرية. 

الشمعة تضيء دهاليز التسعينيات 

صدرت «الشمعة والدهاليز» في مناخ التسعينيات الجزائرية، وحملت آثار المرحلة بما عرفته من عنف واستقطاب وخوف وأسئلة حادة حول دور المثقف، وقد وضع العنوان صورتين داخل فضاء واحد، ضوء هش تحاصره ممرات معتمة، وهي صورة تلائم موقع الكاتب الذي حاول فهم القوى المتصارعة ومصادر الخطاب الذي غذى الأزمة، مع إبقاء الإنسان الجزائري في قلب التجربة الروائية. 

جاء نشاط جمعية الجاحظية موازيا لهذه الكتابة، فقد أسسها وطار سنة 1989 وجعل شعارها «لا إكراه في الرأي»، وتحولت خلال التسعينيات إلى فضاء يجتمع فيه كتاب وباحثون ينتمون إلى اتجاهات مختلفة، وهو ما يفسر اختيار مقر الجمعية لإحياء الذكرى السادسة عشرة لرحيله، لأن المكان يحتفظ بجانب عملي من مشروعه يتصل بصناعة النقاش ورعاية المواهب ونشر الكتاب وتوفير منبر للثقافة العربية في الجزائر. 

وشغل وطار منصب المدير العام للإذاعة الجزائرية بين 1991 و1992، فجمع في مسيرته بين الرواية والصحافة والإدارة الثقافية والعمل الجمعوي، وتوضح هذه المسارات أن أثره تكون من الكتب والمنابر التي شارك في إنشائها والمؤسسة الإعلامية التي أدارها والجمعية التي استمرت بعد وفاته، وهو ما يمنح ذكراه بعدا مؤسساتيا يحتاج إلى التوثيق وحفظ الأرشيف والمراسلات والحوارات والمواد السمعية المرتبطة به. 

الولي الطاهر يعود إلى مقامه الأدبي 

شهدت المرحلة الأخيرة من تجربة وطار صدور «الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي» و«الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء»، وهما عملان اتجه فيهما إلى بناء سرد يستثمر التراث والرحلة والرمز واللغة الصوفية في معالجة واقع عربي مثقل بالحروب والانقسامات، ثم كتب «قصيد في التذلل» خلال مرضه وناقش من خلاله علاقة المثقف بالسلطة ومسؤوليته الاجتماعية، فبقي السؤال الثقافي حاضرا في نصوصه حتى سنواته الأخيرة. 

ويكشف برنامج إحياء ذكراه اليوم عن اهتمام متجدد بموقعه في الرواية الجزائرية المعاصرة، وتحتاج استمرارية هذا الاهتمام إلى جمع أرشيفه الصحفي وإعداد ببليوغرافيا دقيقة لأعماله وترجماته وإطلاق مشاريع أكاديمية تقرأ نصوصه في ضوء تاريخ الجزائر الاجتماعي والسياسي، مع تقريب مؤلفاته من القراء الشباب عبر الندوات والمسارح والجامعات والمكتبات العمومية. 

بعد ستة عشر عاما على رحيله، يعود الطاهر وطار إلى «مقامه الزكي» كلما فتحت رواياته ملف الثورة أو السلطة أو الهامش أو المثقف، ويعود «اللاز» شاهدا مضطربا على التاريخ، ويتحرك «الحوات» أمام «القصر»، وتبقى «الشمعة» مشتعلة داخل «الدهاليز»، بينما يواصل «الشهداء يعودون هذا الأسبوع» طرح سؤاله على الذاكرة الجزائرية عن مصير القيم التي رحل من أجلها الشهداء. 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"