الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الطبعة الـ21 لصالون الماء.. موعد دولي يجمع الخبراء وتكنولوجيات المياه

Author
صبرينة عيلان 01 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تبرز التكنولوجيات الحديثة والابتكارات البيئية كأحد أهم الحلول الاستراتيجية لضمان استدامة الموارد المائية، ومواجهة آثار التغيرات المناخية وارتفاع الطلب على المياه.

ومن هذا المنطلق، تحتضن الجزائر الطبعة الـ21 من الصالون الدولي للتجهيزات وتكنولوجيات وخدمات الماء، ابتداء من 1 إلى 4 جوان الجاري، بقصر المعارض بالعاصمة، في موعد اقتصادي وعلمي، يُنتظر أن يشكل فضاء لتبادل الخبرات وعرض أحدث الحلول والتقنيات المتعلقة بقطاع المياه والبيئة.

ويكتسي هذا الحدث الدولي أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات الكبرى التي يشهدها قطاع المياه، سواء من حيث الاعتماد المتزايد على تحلية مياه البحر، أو تطوير أنظمة إعادة استخدام المياه المعالجة، أو تعزيز الاقتصاد الدائري والتمويل الأخضر كآليات جديدة لتحقيق التنمية المستدامة.

وفي الموضوع، أكد البروفيسور إبراهيم موحوش، عضو المجلس الوطني للبحث العلمي والتكنولوجيا والخبير في الاقتصاد والتسيير المائي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الجزائر دخلت، خلال السنوات الأخيرة، مرحلة جديدة في مقاربة ملف الأمن المائي، تقوم على الانتقال من منطق التسيير التقليدي للموارد المائية إلى منطق الأمن المائي المستدام القائم على التنويع، والابتكار، والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، خاصة في ظل التحديات المناخية والضغوط الديمغرافية والاقتصادية المتزايدة.

ويعكس الصالون اهتمام الجزائر المتنامي بتطوير منظومتها المائية وتعزيز قدراتها في مجالات التسيير الذكي للمياه، عبر الانفتاح على التجارب الدولية والتكنولوجيات الحديثة.

ومن المرتقب أن تعرف هذه الطبعة مشاركة واسعة لـ170 عارضا يمثلون 16 دولة من مختلف القارات، في صورة تؤكد المكانة التي باتت تحتلها الجزائر في النقاشات الإقليمية والدولية المرتبطة بالمياه والبيئة.

كما ستشهد التظاهرة حضورا قويا للشركات الجزائرية التي تمثل حوالي 70 بالمائة من إجمالي العارضين، ما يعكس تطور النسيج الوطني المتخصص في الصناعات والتجهيزات والخدمات المرتبطة بالمياه.

وسيشارك في هذا الموعد الاقتصادي والتقني متعاملون وخبراء ومؤسسات من دول عدة، على غرار ألمانيا، المملكة العربية السعودية، الصين، مصر، إسبانيا، فرنسا، الهند، إيطاليا، الأردن، هولندا، البرتغال وتونس، إضافة إلى توقعات باستقطاب قرابة 10 آلاف زائر مهني من مختلف التخصصات، ما يجعل من الصالون منصة حقيقية لعقد الشراكات وتبادل التجارب واستشراف مستقبل القطاع.

كما ستتخلل فعاليات الصالون ندوات ولقاءات علمية متخصصة لمناقشة أبرز الإشكاليات الراهنة المرتبطة بالمياه والبيئة، من بينها تحلية مياه البحر، والاقتصاد الدائري المطبق على الصناعة، وإعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة، والتمويل الأخضر، إلى جانب قضايا حماية السواحل ومكافحة تلوث المياه البحرية، وهي ملفات باتت تحتل مكانة محورية في السياسات التنموية للدول، خاصة في ظل التحديات البيئية والمناخية العالمية.

تحلية مياه البحر رهان الجزائر لمواجهة الجفاف

وأوضح الخبير موحوش أن تكنولوجيات تحلية مياه البحر لم تعد مجرد خيار تقني ظرفي تلجأ إليه الدول في أوقات الأزمات، بل أصبحت اليوم خيارا سياديا بالنسبة للجزائر، بالنظر إلى التحولات المناخية التي يشهدها العالم، والتراجع المستمر في معدلات التساقط، والانخفاض المقلق في مخزون السدود والموارد الجوفية.

وأشار موحوش إلى أن الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وامتدادها الساحلي الكبير، تمتلك مؤهلات قوية لتطوير نموذج وطني متكامل في مجال تحلية مياه البحر، مؤكدا أن الدولة استثمرت خلال السنوات الماضية بشكل مكثف في إنجاز محطات التحلية الكبرى، ما سمح بتخفيف الضغط على الموارد التقليدية وضمان استمرارية التموين بالمياه الصالحة للشرب، خاصة بالمناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وأضاف أن التحلية أصبحت تمثل اليوم أحد أعمدة الأمن القومي المائي، لأن الاعتماد الحصري على الأمطار والسدود لم يعد كافيا في ظل التقلبات المناخية الحادة التي تعرفها المنطقة المتوسطية، موضحا أن الجزائر مطالبة بمواصلة الاستثمار في هذا المسار، مع العمل في الوقت ذاته على تخفيض تكاليف الإنتاج الطاقوي المرتبط بالتحلية، عبر التوجه نحو الطاقات المتجددة وربط محطات التحلية بالطاقة الشمسية مستقبلا.

وبخصوص التحولات العالمية في تسيير المياه، شدد البروفيسور موحوش على أن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على توفير المياه فقط، وإنما يتعلق أيضا بكيفية ترشيد استغلالها وضمان استدامتها اقتصاديا وبيئيا، وهنا يبرز الدور المحوري للاقتصاد الدائري في إعادة صياغة طرق استهلاك المياه داخل القطاعات الصناعية.

وأوضح أن الاقتصاد الدائري يقوم على مبدأ تقليص الهدر وإعادة الاستخدام والتثمين المستمر للموارد، عكس النموذج الاقتصادي التقليدي القائم على الاستهلاك ثم الرمي، مشيرا إلى أن تطبيق هذا النموذج في القطاع الصناعي يسمح بتقليص الاستهلاك المفرط للمياه، وإعادة تدوير المياه الصناعية ومعالجتها واستعمالها مجددا داخل الدورات الإنتاجية.

وأكد المتحدث أن عددا كبيرا من الصناعات يستهلك كميات ضخمة من المياه بشكل يومي، وهو ما يستدعي التحول نحو أنظمة ذكية لتسيير المياه الصناعية تعتمد على إعادة الاستخدام وتقنيات المراقبة الرقمية وتقليص التسربات وتحسين النجاعة المائية.

وأضاف موحوش أن الاقتصاد الدائري لا يمثل فقط حلا بيئيا، بل هو أيضا خيار اقتصادي مربح، لأنه يساهم في تقليص تكاليف الإنتاج، ورفع مردودية المؤسسات، وتقليل الضغوط على الشبكات العمومية للمياه، فضلا عن تقليص حجم التلوث الصناعي وتأثيراته البيئية.

وفي سياق حديثه عن التحديات الفلاحية، اعتبر البروفيسور إبراهيم موحوش أن إعادة استخدام المياه المعالجة أصبحت من أهم الحلول المستقبلية لمواجهة ندرة المياه في القطاع الزراعي، خاصة وأن الفلاحة تستهلك النسبة الأكبر من الموارد المائية في الجزائر.

التمويل الأخضر رهان الجزائر لمشاريع المياه المستدامة

وأوضح موحوش أن العديد من الدول المتقدمة أصبحت تعتمد بشكل واسع على المياه المعالجة في السقي الفلاحي، بعد إخضاعها لمعايير صحية وبيئية دقيقة، مؤكدا أن الجزائر تمتلك إمكانات كبيرة لتطوير هذا المجال، خصوصا مع التوسع التدريجي في إنشاء محطات تصفية ومعالجة المياه المستعملة.

وأشار إلى أن إعادة استخدام المياه المعالجة يمكن أن يحقق عدة مكاسب استراتيجية في آن واحد، من بينها الحفاظ على المياه الصالحة للشرب، وتقليص الضغط على السدود والمياه الجوفية، وضمان استمرارية النشاط الفلاحي حتى في فترات الجفاف، إضافة إلى دعم الأمن الغذائي الوطني.

وأكد أن الرهان الأساسي يكمن في بناء منظومة متكاملة تشمل شبكات خاصة لنقل المياه المعالجة نحو المحيطات الفلاحية، إلى جانب وضع إطار تنظيمي وتقني صارم يضمن جودة هذه المياه وسلامة استخدامها.

كما شدد البروفيسور موحوش على ضرورة تكثيف البحث العلمي والابتكار في مجالات الاقتصاد المائي، داعيا الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الناشئة إلى الانخراط بشكل أكبر في تطوير حلول تكنولوجية ذكية مرتبطة بمعالجة المياه، والري الذكي، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي في مراقبة الشبكات المائية.

وفي معرض حديثه عن التمويل الأخضر، أكد البروفيسور موحوش أن التحول نحو مشاريع مائية وبيئية مستدامة يحتاج إلى موارد مالية ضخمة، وهو ما يجعل التمويل الأخضر أحد أهم الأدوات المستقبلية لدعم التحول البيئي والطاقوي في الجزائر.

وأوضح أن التمويل الأخضر يسمح بتمويل المشاريع الصديقة للبيئة، مثل محطات التحلية منخفضة الانبعاثات، ومشاريع إعادة تدوير المياه، والطاقة المتجددة، ومعالجة النفايات الصناعية، والاقتصاد الدائري، مؤكداً أن العالم يتجه اليوم بقوة نحو ربط التمويل بمعايير الاستدامة البيئية.

وأضاف أن الجزائر مطالبة بالاستفادة من الآليات الدولية الخاصة بالتمويل الأخضر، عبر تطوير مشاريع مهيكلة وقابلة للاستثمار، وتشجيع البنوك والمؤسسات المالية الوطنية على الانخراط في تمويل المشاريع البيئية والمائية ذات البعد الاستراتيجي.

كما اعتبر أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر لم يعد خيارا ثانويا، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالمناخ والأمن الغذائي والمائي والطاقة.

وأكد البروفيسور إبراهيم موحوش أن الجزائر تمتلك اليوم فرصة تاريخية لبناء نموذج وطني متوازن في مجال الأمن المائي، يقوم على التكامل بين تحلية مياه البحر، وإعادة استخدام المياه المعالجة، والاقتصاد الدائري، والتمويل الأخضر، معتبرا أن نجاح هذه الرؤية يتطلب مواصلة الاستثمار، وتعزيز الحوكمة، وتوسيع الاعتماد على البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة، من أجل ضمان حق الأجيال القادمة في الموارد المائية وتحقيق تنمية مستدامة وشاملة.