الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الطريق العابر للصحراء.. من الربط الجغرافي إلى صناعة التكامل الاقتصادي القاري

Author
إيمان عبروس 10 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يعد الطريق العابر للصحراء أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي تجسد طموح القارة الإفريقية نحو تعزيز الترابط الاقتصادي والتجاري بين دولها، من خلال ربط شمال إفريقيا بعمقها القاري عبر شبكة طرق عابرة للحدود، تفتح آفاقا جديدة للتنمية والاستثمار والتبادل التجاري.

ومع اقتراب استكمال مختلف مكونات هذا المشروع، تتجه الأنظار اليوم إلى مرحلة أكثر أهمية، تتمثل في كيفية تحويل هذه البنية التحتية الضخمة إلى أداة فعالة لدعم الاندماج الاقتصادي الإفريقي وتحفيز النمو في المناطق التي يعبرها.

وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور هواري تيغيرسي، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن الطريق العابر للصحراء يمتلك مقومات التحوّل من مجرد مشروع للنقل والربط الجغرافي إلى محرك اقتصادي وجيوسياسي عابر للحدود، شريطة استغلاله ضمن رؤية تنموية متكاملة تقوم على خلق القيمة المضافة وتعزيز النشاط الاقتصادي والاستثماري على امتداد مساره.

الجغرافيا في خدمة الاقتصاد

يرى الخبير تيغيرسي أن الأهمية الاستراتيجية للطريق العابر للصحراء تنبع من قدرته على تحويل الموقع الجغرافي إلى عنصر فاعل في التنمية الاقتصادية. فالمشروع يربط الجزائر بعدد من الدول الإفريقية، على غرار النيجر ونيجيريا وتشاد ومالي، ما يسمح بإنشاء ممر بري يمتد من سواحل البحر الأبيض المتوسط إلى عمق القارة الإفريقية.

ويشكل هذا الربط فرصة لتقليص العزلة الجغرافية التي عانت منها العديد من المناطق الصحراوية لعقود طويلة، وتحويلها إلى فضاءات اقتصادية مفتوحة أمام الاستثمار والتجارة. فكلما تحسنت شبكات النقل وانخفضت تكاليف اللوجستيك، ازدادت القدرة التنافسية للمنتجات والخدمات، وارتفعت جاذبية المناطق الداخلية بالنسبة للمستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين.

ويؤكد المصرح أن الاقتصاد الحديث لم يعد يعتمد فقط على وفرة الموارد الطبيعية، بل أصبح يرتكز على جودة البنية التحتية وقدرتها على تسهيل حركة الأشخاص والسلع ورؤوس الأموال، وهو ما يمنح الطريق العابر للصحراء بعداً تنموياً يتجاوز دوره التقليدي كوسيلة للنقل.

دفع التجارة البينية

تشكل محدودية المبادلات التجارية بين الدول الإفريقية أحد أبرز التحديات التي تواجه مسار التكامل الاقتصادي في القارة. فرغم الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها إفريقيا، ما تزال التجارة البينية تسجل مستويات متواضعة مقارنة بالتكتلات الاقتصادية الأخرى في العالم.

وفي هذا الإطار، يرى تيغيرسي أن الطريق العابر للصحراء يمثل أداة عملية لتغيير هذا الواقع، من خلال تسهيل انتقال السلع والبضائع بين الأسواق الإفريقية المختلفة. فالممر البري الجديد يسمح بتقليص مدة نقل المنتجات بين الموانئ الشمالية والأسواق الإفريقية، ويخفض تكاليف الشحن، كما يساهم في تحسين انسيابية حركة المنتجات الفلاحية والصناعية والخدماتية.

ومن شأن هذه الديناميكية أن تمنح المؤسسات الإفريقية، خاصة الصغيرة والمتوسطة منها، فرصا أوسع للوصول إلى أسواق جديدة، بما ينسجم مع أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية الرامية إلى رفع حجم المبادلات التجارية داخل القارة وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دولها.

أقطاب تنموية جديدة

ويؤكد الخبير أن القيمة الحقيقية للطريق لا تكمن في البنية التحتية ذاتها، بل في الأنشطة الاقتصادية التي يمكن أن تنشأ حوله. فالتجارب الدولية أثبتت أن الطرق العابرة للحدود تصبح أكثر فعالية عندما تتحول إلى ممرات تنموية متكاملة تضم مختلف الأنشطة الاقتصادية والخدماتية.

وفي هذا السياق، يفتح الطريق العابر للصحراء المجال أمام إنشاء مناطق لوجستية ومراكز توزيع ومخازن كبرى، إلى جانب مناطق صناعية وتحويلية ومناطق تجارة حرة قادرة على استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

كما يمكن أن يشكل حافزا لتطوير خدمات النقل والصيانة والتموين والتخزين، وهو ما يساهم في خلق مناصب شغل جديدة وتنشيط الحركة الاقتصادية بالمناطق الصحراوية التي ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن مراكز النشاط الاقتصادي الكبرى.

ويرى تيغيرسي أن نجاح هذه الرؤية يتطلب إدماج الطريق ضمن مخططات تنموية شاملة تراعي خصوصيات المناطق التي يعبرها وتستثمر في مؤهلاتها الاقتصادية المختلفة.

الأمن الاقتصادي والطاقوي

ومن بين الأبعاد المهمة التي أشار إليها تيغيرسي، مساهمة الطريق العابر للصحراء في تعزيز الأمن الاقتصادي والطاقوي للدول الإفريقية. فالبنى التحتية الحديثة لم تعد تقتصر على نقل الأشخاص والبضائع فقط، بل أصبحت تشكل حوامل لمشاريع استراتيجية متعددة تشمل الطاقة والاتصالات والخدمات الرقمية.

وأوضح أن الطريق يمكن أن يشكل قاعدة لاحتضان مشاريع الربط الكهربائي وخطوط الطاقة والألياف البصرية، بما يسمح بإنشاء منظومة متكاملة من البنى التحتية العابرة للحدود.

كما يتقاطع هذا المشروع مع عدد من المبادرات الاقتصادية الكبرى، مثل مشاريع المناجم والتحويل الصناعي والممرات اللوجستية الحديثة، ما يعزز فرص بناء شبكة اقتصادية مترابطة قادرة على دعم التنمية في مختلف المناطق الإفريقية.

استقطاب الاستثمارات النوعية

وأشار المتحدث إلى أن المستثمرين يبحثون دائما عن بيئة تتوفر فيها ثلاثة عناصر أساسية، تتمثل في اتساع السوق، وانخفاض تكاليف النقل، وفعالية الخدمات اللوجستية.

ومن هذا المنطلق، فإن تحويل الطريق العابر للصحراء إلى ممر اقتصادي فعال من شأنه أن يرفع جاذبية الاستثمار في العديد من القطاعات الحيوية، مثل الصناعة والزراعة والتعدين والخدمات اللوجستية والتخزين.

كما يوفر المشروع فرصا مهمة لإقامة شراكات اقتصادية عابرة للحدود بين المؤسسات الإفريقية، ويساهم في خلق سلاسل إنتاج وتوزيع متكاملة تستفيد من الموارد والإمكانات المتاحة في مختلف الدول.

ويضيف الخبير أن هذه الديناميكية الاستثمارية يمكن أن تعزز مساهمة القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية وتدعم جهود تنويع الاقتصاد في العديد من البلدان الإفريقية.

نحو اندماج اقتصادي فعلي

ورغم أهمية الإنجازات المحققة على مستوى البنية التحتية، يرى تيغيرسي أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من مرحلة الربط الجغرافي إلى مرحلة الاندماج الاقتصادي الفعلي.

وأوضح أن تحقيق هذا الهدف يتطلب جملة من الإجراءات المرافقة، تشمل تسهيل حركة العبور عبر الحدود، وتبسيط الإجراءات الجمركية، وتوحيد المعايير التنظيمية، واعتماد حلول رقمية لتسريع المعاملات التجارية.

كما تبرز أهمية تطوير آليات التمويل المشترك للمشاريع الاقتصادية وتعزيز التنسيق بين السياسات الاقتصادية للدول المعنية، بما يسمح بتحقيق أقصى استفادة من هذا الممر الاستراتيجي.

ويرى الخبير أن الطريق، مهما بلغت أهميته، يحتاج إلى منظومة متكاملة من الإصلاحات والسياسات الاقتصادية حتى يؤدي دوره الكامل في دعم التنمية والتكامل القاري.

رؤية لمستقبل إفريقيا

ويؤكد تيغيرسي أن الطريق العابر للصحراء يمثل اليوم أكثر من مجرد مشروع للنقل، بل يجسد رؤية جديدة لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية الإفريقية على أسس تقوم على الترابط والتكامل والاستثمار المشترك.

فالرهان الحقيقي، بحسب المتحدث، لا يقاس بحجم الاستثمارات التي أنجزت في المشروع أو بعدد الكيلومترات التي تم تشييدها، بل بمدى قدرته على خلق حركة تجارية جديدة، واستقطاب الاستثمارات، وإقامة صناعات تحويلية، وتحويل المناطق المعزولة إلى فضاءات للإنتاج والتنمية.

رافعة للتكامل القاري

وفي المحصلة، يبدو الطريق العابر للصحراء مؤهلا لأن يصبح أحد أهم الممرات الاقتصادية في إفريقيا خلال السنوات المقبلة، بفضل موقعه الاستراتيجي وقدرته على الربط بين الأسواق والموارد ومراكز الإنتاج. كما يشكل فرصة حقيقية لتعزيز التجارة البينية الإفريقية ودعم أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، من خلال خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والتبادل التجاري.

ومع استكمال المشاريع المرافقة وتطوير المناطق الاقتصادية واللوجستية المرتبطة به، يمكن لهذا المشروع أن يتحوّل إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة والتكامل الاقتصادي، وأن يساهم في بناء إفريقيا أكثر ترابطا وقدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، بما يعزز مكانة القارة كقطب اقتصادي صاعد على الساحة الدولية.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.