الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

العار المغربي مدون بدماء المهاجرين.. “جمعة الموت” تعود بعد 4 سنوات

Author
الأيام نيوز 24 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

بعد 4 سنوات من مجزرة مليلية التي ارتكبها بوليس المخزن على الحدود المغربية-الإسبانية صيف عام 2022، لا تزال جراح الضحايا والناجين مفتوحة، فيما تواصل الشهادات الإنسانية كشف تفاصيل واحدة من أكثر المآسي دموية في تاريخ الهجرة نحو أوروبا. وبين قتلى ومفقودين وناجين حملوا آثار تلك الأحداث في أجسادهم وذاكرتهم، تعود الذكرى اليوم، 24 جوان، لتجدد المطالب بكشف الحقيقة كاملة، وفتح ملفات الدم المسكوت عنها، وملاحقة مسؤولي سلطة المخزن عن الجرائم التي طبعت تلك المأساة، بدل تركها في منطقة الإفلات من الحساب وكأن الأرواح سقطت بلا ثمن ولا مساءلة، ولتسلط الضوء على واقع آلاف المهاجرين الأفارقة الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين حلم العبور إلى الضفة الأخرى من المتوسط وسياسات أمنية مغربية حولت الحدود إلى فضاء للموت والمعاناة. وفي هذا السياق، تستطلع “الأيام نيوز”، آراء عدد من الخبراء والمهتمين بالملف لفهم أبعاد هذه المأساة، والبحث في أسباب استمرار الصمت، بما في ذلك من الجانب الأوروبي، بعدما تحول المهاجرون إلى أوراق ضغط ومساومة في حسابات سياسية تتجاوز مصائرهم الإنسانية وحقوقهم الأساسية.

في شهادات ميدانية سابقة خلال ماي الماضي، تحدث مهاجرون سودانيون من الناجين عن تفاصيل ما جرى في 24 جوان 2022، حين حاول المئات عبور السياج الحدودي بين المغرب وإسبانيا، وانتهت الواقعة بسقوط عشرات القتلى من شباب قادمين من دول جنوب الصحراء، وتذهب أصوات الشهود وكل المتابعين للملف إلى اتهام مباشر للسلطات المغربية باستغلال ملف الهجرة كورقة ضغط سياسية في حسابات إقليمية، حيث تتحول حركة البشر إلى أداة تفاوض غير معلنة، وفي المقابل، يواجه هذا الملف صمتا أوروبيا يضيف طبقة جديدة من الجدل حول مسؤولية الشمال في استمرار دورة العنف على حدود المتوسط، وترك الضحايا بين نار الواقع وحدود الحسابات السياسية.

الكاتب السوداني الحافظ تارجوك، أحد الناجين، وثق ما عاشه في تلك اللحظات ضمن رواية حملت عنوان “جمعة الموت”، حيث قدم سردا مباشرا لما تعرض له المهاجرون خلال محاولتهم العبور. ويروي تارجوك، البالغ من العمر 28 سنة، أنه نجا من الموت في ذلك اليوم بعد إصابة خطيرة على مستوى العين نتيجة الضرب، بينما فقد عددا من رفاقه الذين رافقوه في رحلة البحث عن حياة أفضل. ويشير في حديثه إلى أن جزءا من الناجين تعرض لاحقا لتهم ثقيلة وأحكام بالسجن.

ويصف تارجوك مشاهد المواجهة قائلا: “واجهونا بالغازات المسيلة للدموع والمضادة للتنفس والحركة والرصاص المطاطي والعصي، ما أسفر عن عشرات القتلى ومصابين بعاهات مستديمة”. ويضيف في روايته: “بعد أن تعبوا من تعذيبنا، أبعدونا عن الحدود”. ويؤكد أن القوات أبعدت المصابين قبل نقل الجثث، وفق ما يعتبره محاولة لإخفاء العدد الحقيقي للضحايا، مع استمرار وجود مفقودين لم يُكشف مصيرهم حتى الآن.

ويربط المتحدث هذه الوقائع بما يعتبره إجماعا داخل أوساط المهاجرين حول توظيف ملف الهجرة في سياق سياسي ضاغط على أوروبا. كما يعبر عن مطلب واضح يتمثل في إطلاق سراح المهاجرين الذين ما زالوا داخل السجون، وفتح مسار قضائي دولي يضع الملف أمام محكمة العدل الدولية، مع تعويض عائلات الضحايا عن خسائرها.

وفي شهادة أخرى، يروي شاب سوداني يبلغ 22 سنة تفاصيل فقدان إخوته خلال أحداث المعبر الحدودي. ويصف اللحظة قائلا: “كنا على بعد أمتار قليلة من الوصول إلى الأراضي الأوروبية، عندما قام الجيش المغربي بضربنا بوحشية. كسروا أرجلنا وانهالوا علينا بالضرب القاسي جدا”. ويضيف أنه جرى اقتياده لاحقا إلى مراكز الشرطة حيث وقع على وثائق دون الاطلاع على مضمونها، قبل أن تُوجه إليه تهم لم يرتكبها، وفق روايته.

ويتابع الشاهد حديثه بالإشارة إلى نقله إلى عدة سجون، وتوزيعه على مؤسسات سجنية مختلفة دون السماح له بالتواصل مع عائلته. ويربط بين هذه الإجراءات وبين ما يعتبره استخداما للملف في سياق ضغط سياسي يخدم مصالح محددة.

أما شاب سوداني ثالث يعيش في مدينة الدار البيضاء ويستعمل اسما مستعارا هو “محمد”، فيقدم رواية أخرى عن ظروف ما بعد الأحداث. ويصف الوضع الذي عاشه المهاجرون قبل الاقتحام بأنه حصار امتد لأيام داخل الغابة المحيطة بالمعبر الحدودي، حيث انقطعت عنهم الإمدادات الأساسية من غذاء وماء، وفق قوله.

ويضيف أن المهاجرين وجدوا أنفسهم أمام وضع دفعهم إلى محاولة اقتحام جماعي، ما أدى إلى اندلاع المواجهات. ويروي أنه فقد وعيه تحت الضرب، ثم استيقظ داخل محيط جثث مكدسة، قبل نقله إلى مركز للشرطة. ويشير إلى أن التحقيقات جرت وفق اتهامات جاهزة، وأن المطلوب تمثل في التوقيع فقط على محاضر لم يناقش محتواها.

ويتابع هذا الشاهد وصفه لتداعيات ما بعد السجن، حيث يتحدث عن صعوبات في إيجاد مأوى أو عمل، وعن حالات ملاحقة طالت بعض المهاجرين حتى بعد الإفراج عنهم، وفق روايته. كما يلفت إلى تدهور ظروف العيش، وغياب أي حماية فعلية حتى لمن يحملون وثائق لجوء، ما يدفع بعضهم إلى مغادرة البلاد عبر طرق غير نظامية.

ميخائيل ماهر، خبير في القانون الدولي

في سياق مواز، يقدم الخبير القانوني ميخائيل ماهر قراءة قانونية لما جرى، حيث يربط الوقائع بسلسلة انتهاكات جسيمة طالت الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية الحق في الحياة، وبمنع استخدام القوة المفرطة في سياقات ضبط الحدود. ويضع ماهر مجزرة مليلية التي ارتكبتها قوات المخزن داخل إطار قانوني لا يترك مجالا للتخفيف أو التأويل، معتبرا أن حجم الخسائر البشرية وطبيعة المعطيات الميدانية يفرضان مسار مساءلة قانونية كاملة، لا مجرد نقاش سياسي أو توصيف إداري للحادثة.

ويركز ماهر في تصريحاته لـ”الأيام نيوز” على مبدأي الضرورة القصوى والتناسب الصارم في استخدام القوة، مع اعتبار أي تجاوز لهذين المعيارين انزلاقا خطيرا نحو عنف غير مقيد في سياق ضبط الحدود. ويشدد على أن حجم الخسائر البشرية في مجزرة مليلية يفرض فتح تحقيق مستقل وشفاف وفعال، لا يكتفي بالتوصيف أو التبرير، بل يتجه مباشرة نحو تحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين دون أي تأجيل أو التفاف على جوهر الوقائع.

وفي هذا السياق، يربط الخبير غياب أي نتائج قضائية معلنة حتى اليوم بخلل مباشر في احترام الالتزامات القانونية المرتبطة بحماية الحق في الحياة، معتبرا أن هذا الصمت القضائي لا يترك فراغا إجرائيا فقط، بل يكشف مسارا مستمرا يضع سلطات المغرب أمام مساءلة قانونية مفتوحة، ويعمق الشكوك حول جدية التعامل مع واحدة من أكثر الحوادث دموية في سياق الهجرة نحو أوروبا. كما يضيف أن استمرار غياب المساءلة لا يظل في حدود التعطيل الإداري، بل ينتج حالة إفلات من العقاب تتجاوز الفراغ التنظيمي لتتحول إلى انتهاك قائم بذاته، بحكم أن واجب التحقيق والمحاسبة يشكل التزاما مستقلا في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وينتقد ماهر توصيف المهاجرين كـ”كتلة أمنية”، معتبرا أن هذا التصنيف يعيد صياغة الإنسان خارج فرديته القانونية، ويحوله إلى عنصر داخل معادلة أمنية واسعة. ويقابل هذا النهج بتأكيد أن سحب الطابع الفردي عن المهاجرين يضعف مباشرة منظومة الحماية القانونية، ويفتح الباب أمام ممارسات جماعية خارج أي رقابة فعالة، بما يضرب مبدأ المسؤولية الفردية ويقوض الضمانات الأساسية التي يفترض أن تحمي حياة الأشخاص في سياق النزاعات الحدودية.

ويخلص ماهر إلى أن استمرار هذا المسار، في ظل صمت دولي وتداخلات سياسية، يسرع تآكل دور القانون داخل إدارة ملف الهجرة، حيث تتحول الحدود إلى فضاء يعمل خارج فعالية الضبط القانوني ويخضع لمنطق القوة بدل منطق القاعدة. ويشدد على أن ملف مليلية ما يزال يفرض مسؤوليات قانونية لم تُحسم بعد، ما يستدعي فتح آليات تحقيق ومساءلة تتناسب مع خطورة الوقائع، بدل تركه داخل دائرة التجاهل السياسي التي تعيد إنتاج نفس الشروط التي سمحت بوقوع المأساة.

مسامير الأرض تحت الرصاص.. رواية النجاة المستحيلة

في رواية “جمعة الموت” للكاتب السوداني الحافظ ترجوك، تتكشف خلفيات تجربة إنسانية قاسية عاشها المؤلف على تخوم الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، ضمن سياق أحداث مجزرة مليلية. صدر الكتاب عن دار “رؤى” للنشر في ديسمبر 2024، ويقع في 130 صفحة. ويقدم شهادة سردية مباشرة تستند إلى تجربة شخصية عاشها الكاتب في تفاصيلها اليومية، كما صرح ترجوك في حديث سابق لموقع “قنطرة”، واصفا العمل بأنه “رواية واقعية لحدث عشته بجوارحي”، في إشارة إلى طبيعة التداخل بين السرد الأدبي والتجربة الميدانية.

ويأتي هذا العمل الأول للحافظ ترجوك، المنحدر من الفاشر في دارفور، ضمن محاولة أدبية توثق مسار الهجرة من الداخل، حيث مزج الكاتب بين العربية الفصحى والعامية السودانية لتقديم سرد أقرب إلى لغة الشهادة المباشرة. وقد تلقى دعما من الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن، الذي شجع خطواته الأولى في الكتابة، كما استعان بخبرة عمر ناجي، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، لتدقيق معطيات تتعلق بأعداد الضحايا من قتلى ومفقودين ومعتقلين، بما يعكس حرصه على تثبيت الوقائع داخل نص يحمل طابعا توثيقيا إلى جانب طابعه الأدبي.

تبدأ أحداث الرواية من مدينة نواذيبو على الحدود بين موريتانيا والمناطق الخاضعة لسيطرة المغرب في الصحراء الغربية، حيث يتجمع عشرات السودانيين، أغلبهم من فئة “الجَنقُو”، وهو مصطلح سوداني يطلق على العمال الموسميين الباحثين عن فرص عمل لتأمين لقمة العيش. في هذا السياق، يصف الكاتب تحول المغرب منذ عام 2021 إلى نقطة عبور بديلة للمهاجرين السودانيين الذين ابتعدوا عن طريق ليبيا بسبب ما يحمله من مخاطر أكبر.

بعد أسابيع من العمل الشاق لتأمين تكاليف الرحلة، ينطلق ترجوك برفقة خمسة من رفاقه في رحلة طويلة عبر الصحراء، حيث يواجهون الجوع والعطش وتهديدات الكلاب العسكرية المنتشرة في بعض المسارات. ينفصل عن مجموعته في مرحلة لاحقة، ويواصل الطريق بمفرده وهو يرتدي حذاء ممزقا، ويتنقل بين قرى صحراوية في وضع تنكري حتى يصل إلى بئر كندوز، ثم يتوجه إلى مدينة الداخلة على المحيط الأطلسي، حيث يقضي قرابة شهر ونصف. بعدها، ينتقل إلى رحلة أخرى تمر عبر الرباط والفقيه بنصالح قبل وصوله إلى شمال المغرب.

غير أن الوصول إلى الشمال لا ينهي معاناة المهاجرين، بل يفتح مرحلة جديدة من الحياة القاسية، حيث يعيش الكثير منهم في ظروف التشرد والعمل الهش، ويتعاملون مع مجتمع تتغير مواقفه تجاههم بشكل متقلب، إلى جانب محاولات عبور متكررة نحو الحدود الإسبانية تقابل بالقمع والترحيل إلى مدن داخلية بعيدة.

يصف ترجوك تلك المرحلة قائلا: “نحن الجنقو، مسامير الأرض، ننام في الشارع، ونقضي النهار نبحث عن عمل. نحاول ادخار ما يكفينا لمحاولة جديدة نحو الحدود الإسبانية”. ويشير هذا الوصف إلى الفترة التي امتدت قرابة عام ونصف داخل المغرب، حيث عاش المهاجرون بين التنقل والعمل المؤقت ومحاولات التنظيم الذاتي استعدادا للعبور.

ومع تعثر المحاولات الفردية، يتجه المهاجرون إلى تنظيم أنفسهم داخل مجموعات موزعة على ثماني مدن مغربية، ترتبط بقيادة مركزية في الدار البيضاء. تعتمد هذه البنية التنظيمية على تقسيم إداري داخلي يشمل مسؤولا ونائبا وأمينا ماليا وأمين خدمات لكل مجموعة. وتضع هذه التنظيمات خطة عبور جماعية تتضمن تحديد نقاط تجمع سرية تعرف باسم “التركينة”، إضافة إلى تدريب عناصر لمراقبة تحركات قوات الحدود، وتأمين المؤن، ونقل المهاجرين على دفعات عبر وسائل نقل عمومية.

داخل هذا السياق، تتولى مجموعة يطلق عليها الكاتب اسم “المافيا” مهمة فرض الانضباط داخل التنظيم، بما يشمل معاقبة من يخرق القواعد الداخلية. ويشير ترجوك إلى أنه اضطر إلى بيع ملابسه وطعامه قبل أن ينضم إلى مجموعة من المهاجرين داخل إحدى نقاط التجمع قرب سياج مليلية شرق المغرب، حيث انتظر لحظة الانطلاق وكان مكلفا بفتح بوابة السياج من الجهة المغربية.

في منتصف جوان 2022، تتصاعد التوترات بين المهاجرين والقوات المغربية، ما يدفع المجموعات إلى التراجع نحو الغابات المجاورة. في تلك اللحظة، يتمسك المهاجرون بخيار التقدم رغم المخاطر، ويرفعون شعار عدم التراجع عن الهدف، بينما تستعد القوات لمواجهة تتحول لاحقا إلى مجزرة في 24 يونيو 2022، تسفر عن مقتل 27 شخصا واعتقال عشرات آخرين وفق معطيات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

يصف الحافظ المشهد في تلك اللحظة قائلا: “كان الحال كمعركة، يسقط فيها الجنقو برصاص مطاطي يصيب العيون، وبضربات مميتة على الرؤوس، تُفقد الشخص وعيه فورا”. ويعكس هذا الوصف طبيعة المواجهات التي انتهت بسقوط عدد كبير من الضحايا وإصابات خطيرة في صفوف المهاجرين.

بعد انتهاء المواجهات، يواصل الناجون، ومن بينهم الكاتب، التعرض لأشكال من التعذيب الجسدي والنفسي. ويصف ترجوك في حديثه لموقع “قنطرة” وضعه قائلا: “كنت مهاجرا فقط، لكنهم عاملوني كمجرم حرب. كدت أفقد بصري، ورأيت أصدقائي يموتون أمامي”. ويشير إلى أن هذه التجربة شكلت دافعا مباشرا له لكتابة شهادته دون النظر إلى التصنيف الأدبي للعمل، قائلا إنه أراد توثيق ما عاشه حتى لا تضيع التفاصيل مع مرور الوقت.

بعد نجاته من المجزرة، يبقى ترجوك في المغرب لفترة قصيرة، ويشتغل في أعمال بسيطة تساعده على البقاء، قبل أن يعيد التفكير في مسار الهجرة نحو أوروبا. لاحقا، يقرر الانتقال عبر تونس، ثم يعبر إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية في أوت 2023، ويتنقل بين عدة مدن إيطالية، قبل أن يعبر بشكل غير نظامي نحو فرنسا، ثم يصل إلى كاليه، ومن هناك إلى بريطانيا حيث يحصل على حق اللجوء.

يربط الكاتب هذا المسار بتداعيات الحرب في بلاده التي دفعت ملايين السودانيين إلى النزوح الداخلي والخارجي، ويصف الخيارات المتاحة أمام الفارين من الحرب بأنها شديدة المحدودية، قائلا: “الهجرة بدون هدف محدد، انتحار بطيء”.

في الوقت نفسه، يحتفظ ترجوك بذاكرة ثقيلة عن رفاقه الذين فقدهم في أحداث مليلية، ويعتبر أن رسالته الأساسية تتمثل في تسليط الضوء على ما يتعرض له المهاجرون في شمال إفريقيا بعيدا عن التغطية الإعلامية الواسعة. ويطالب في هذا السياق بفتح ملفات المساءلة، وإطلاق سراح المعتقلين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي رافقت تلك الأحداث.

يوثق كتاب “جمعة الموت” ما لا يقل عن أربع وقائع يعتبرها الكاتب جرائم ارتكبت خلال مجزرة 24 جوان 2022 على الحدود المغربية-الإسبانية، حيث سقط عشرات القتلى أثناء محاولة عبور السياج الحدودي. ويقدم النص نفسه باعتباره شهادة مباشرة على ما يعتبره الكاتب انتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، مع دعوة صريحة إلى محاسبة المسؤولين عنها.

وفي تصريح لوكالة الأنباء الجزائرية بعد أيام من صدور الكتاب، يكرر ترجوك وصفه للأحداث باعتبارها تجاوزا خطيرا لحقوق المهاجرين المكفولة دوليا، ويشير إلى أن عدد الضحايا خلال الساعات الأولى من المواجهات بقي غير محسوم بسبب ما وصفه بتعدد عمليات الدفن السري.

كما يذكر أن العديد من المهاجرين فقدوا أجزاء من أجسادهم نتيجة العنف، بما في ذلك فقدان عيون أو أطراف أو التعرض لإصابات دائمة، ما أدى إلى إعاقات مستمرة في صفوف الناجين. ويشير أيضا إلى توثيق سجن أكثر من 130 مهاجرا من دول جنوب الصحراء، مع تمديد عقوبات لبعضهم لفترات طويلة وصلت إلى عشر سنوات في بعض الحالات.

ويستعيد الكاتب تجربته الشخصية داخل تلك الأحداث، حيث يروي تعرضه للضرب بعد إعادته من محيط مدينة مليلية، ما تسبب له في فقدان الوعي وكاد يؤدي إلى فقدان بصره في إحدى عينيه. ويؤكد أن كتابه يسعى إلى تقديم رواية مباشرة لما حدث، مع المطالبة بفتح تحقيقات دولية، وإطلاق سراح المهاجرين المعتقلين، ومساءلة الجهات المسؤولة عن الانتهاكات.

كما يشير إلى الدور الذي لعبه رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع الناظور، عمر الناجي، في توثيق المعطيات المرتبطة بالمجزرة ، إلى جانب تقارير صحفية تحدثت عن حصار المهاجرين في مناطق جبلية ومنع وصول الغذاء والماء إليهم قبل المواجهات.

وتذهب تقارير حقوقية إلى الحديث عن خروقات جسيمة خلال المحاكمات التي طالت مهاجرين على خلفية تلك الأحداث، ما يعكس استمرار تداعيات مجزرة مليلية على المستويين القانوني والإنساني، ويضع الملف ضمن القضايا المفتوحة أمام النقاش الحقوقي الدولي.

مليلية.. الدم يمر والقانون يتوقف

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون، الفلسطيني محمد أحمد ماضي قراءة قانونية تضع مجزرة مليلية داخل إطار أوسع يتعلق بإدارة الحدود وبموقع الإنسان داخل سياسات الهجرة المعاصرة. وينطلق ماضي من توصيف مباشر للوضع الذي تلا المجزرة، حيث يربط استمرار الصمت الدولي بتحول الموقف من مجرد غياب الفعل إلى حالة تحمل دلالات سياسية وأخلاقية ثقيلة. ويشير إلى أن غياب أي تحرك جاد على مستوى المساءلة يعكس خللا في التعاطي مع ملف يحمل طابعا إنسانيا وقانونيا شديد الحساسية. ويرى أن هذا الصمت لا يقف عند حدود الإهمال، بل ينتج أثرا سياسيا يرسخ استمرار الوضع القائم دون مراجعة.

محمد أحمد ماضي، أستاذ قانون – فلسطين

ويضع ماضي ما جرى في صيف 2022 خارج أي توصيف يربطه بحادث عرضي أو تدافع بشري عفوي. ويصف المشهد بأنه لحظة عنف مكثف تداخل فيها استخدام القوة مع منطق العدوانية العنصرية اعتمدته قوات المخزن المغربي خلال المجزرة، حيث تعامل مع المهاجرين ككتلة واحدة داخل مساحة مغلقة فقدت فيها عناصر الحماية الفعلية. ويؤكد أن سقوط القتلى والجرحى والمفقودين يعكس حجم الخلل الذي رافق إدارة ذلك الموقف، خاصة في ظل غياب أي ضمانات قانونية تحمي حياة الأشخاص داخل تلك اللحظة الحرجة.

ويضيف أن طريقة التعامل مع ما حدث بعد الواقعة تعمق الإشكال بدل أن تعالجه. ويرى أن غياب التحقيقات الدولية ذات الطابع الشفاف، وغياب آليات المساءلة الجادة، وظهور خطاب رسمي يعيد إنتاج المبررات الأمنية، كلها عناصر تخلق بيئة تسمح باستمرار نفس المنهج في إدارة ملف الهجرة. ويشير إلى أن هذا الخطاب يعيد صياغة الخسائر البشرية ضمن إطار أمني بحت، دون منح الاعتبار الكافي للحق في الحياة باعتباره قيمة قانونية عليا.

ويشرح ماضي أن هذا النمط في إدارة الحدود يعكس اختلالا في ترتيب الأولويات، حيث تضع بعض السياسات حماية الحدود فوق حماية الإنسان، حتى عندما يؤدي ذلك إلى نتائج قاتلة. ويشير إلى أن هذا الاختيار السياسي لا يبقى محصورا في لحظة الحدث، بل يتحول إلى ممارسة مستمرة تعيد إنتاج نفس النتائج في مناطق حدودية مختلفة، مع تغييب آليات الردع والمحاسبة.

وينتقل في تحليله إلى البنية الدولية المحيطة بملف الهجرة، حيث يرى أن ما يحدث لا يرتبط بطرف واحد، بل بمنظومة أوسع توزع الأدوار بين أطراف متعددة. ويصف هذه المنظومة بأنها شبكة غير متكافئة، يتولى فيها طرف ضبط الحركة على الأرض، ويتولى طرف آخر تقديم الدعم أو التمويل، بينما يلتزم طرف ثالث الصمت. ويشير إلى أن هذا التوزيع للأدوار يخلق بيئة غير متوازنة يتحمل فيها المهاجر العبء الأكبر.

ويؤكد ماضي أن المهاجر الإفريقي يواجه موقعا شديد الهشاشة داخل هذه المنظومة، حيث يواجه الضبط من جهة الجنوب، ويواجه الرفض من جهة الشمال، ثم يجد نفسه محاصرا في مساحة لا توفر حماية قانونية فعلية ولا تضمن له الحد الأدنى من الأمان. ويصف هذا الوضع كمسار طويل من الضغط المستمر الذي يضع الإنسان في مركز دائرة مغلقة لا تمنحه أي خيار آمن.

ويربط ماضي بين ما جرى في مليلية وبين الإطار العام لحقوق الإنسان على المستوى الدولي، حيث يرى أن المجزرة تكشف فجوة واضحة بين الخطاب العالمي حول الحقوق وبين التطبيق الفعلي على الأرض. ويشير إلى أن استمرار غياب المحاسبة يمنح انطباعا بأن بعض الأرواح لا تحظى بالقيمة نفسها داخل المعادلة السياسية، ما يفتح المجال أمام تكرار نمط العنف دون كلفة حقيقية.

ويضيف أن الخطورة لا تكمن فقط في ما حدث في يوم المجزرة، بل في المسار الذي تلاها، حيث تستمر نفس السياسات دون مراجعة جوهرية. ويعتبر أن استمرار هذا الوضع يرسخ فكرة خطيرة داخل إدارة الحدود، تقوم على التعامل مع الخسائر البشرية كأثر جانبي لا يستدعي تغييرا جذريا في السياسات أو في آليات التنفيذ.

وفي جانب آخر من قراءته، يلفت ماضي إلى أن غياب التحقيقات لا يترك فراغا قانونيا فقط، بل يخلق بيئة سياسية تسمح بإعادة إنتاج نفس السلوك. ويشير إلى أن هذا الغياب يمنح رسائل ضمنية مفادها أن المساءلة ليست جزءا ملزما من إدارة ملف الهجرة، ما يؤدي إلى إضعاف منظومة الردع القانوني الدولي.

ويواصل حديثه بالإشارة إلى أن التعامل مع الحدود كمساحة أمنية خالصة يهمش البعد الإنساني ويقلص دور القانون الدولي في حماية الأفراد. ويرى أن هذا التوجه يفتح الباب أمام استخدام القوة في سياقات لا تراعي التناسب أو الضرورة، ما يؤدي إلى نتائج خطيرة على مستوى الأرواح البشرية.

ويؤكد أن ما جرى في مليلية لا يرتبط فقط بحدث معزول، بل يعكس اختبارا حقيقيا لمنظومة حقوق الإنسان على المستوى العالمي. ويرى أن استمرار غياب المحاسبة يضع هذه المنظومة أمام تحدي المصداقية، خاصة عندما تتكرر الانتهاكات دون إجراءات فعالة توقفها أو تحد من آثارها.

ويختم ماضي قراءته بالإشارة إلى أن كل يوم يمر دون مساءلة يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الملف، ويعمق الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات الواقعية. ويرى أن هذا الوضع يكرس فكرة خطيرة داخل الوعي الدولي، تقوم على قبول ضمني بوجود تفاوت في قيمة الحياة الإنسانية داخل سياقات الهجرة والحدود، وهو ما يهدد جوهر منظومة العدالة الدولية ويضعها أمام اختبار مستمر لمصداقيتها وقدرتها على فرض المعايير التي تعلنها وإجبار المغرب على تنفيذها.

محمود خطري، باحث سياسي

في سياق إحياء الذكرى الرابعة لمجزرة مليلية، يقدم المحلل السياسي محمود خطري لـ”الأيام نيوز” قراءة سياسية حادة تضع ما جرى ضمن إطار أوسع يتعلق بكيفية إدارة ملف الهجرة على الحدود الأوروبية. ويرى خطري أن استمرار الصمت الدولي لم يعد قابلا لأي تبرير، خاصة في ظل حجم المعطيات التي وثقت تفاصيل الحادثة وما رافقها من خسائر بشرية نجمت عن استخدام الرصاص من طرف القوات المغربية ضد المهاجرين.

ويذهب خطري إلى نفي أي توصيف يحاول تقليص ما حدث إلى مجرد حادث حدودي عابر، حيث يربط الوقائع بسياق سياسي وأمني أنتج مأساة مكتملة الأركان، وفق تعبيره. ويشير إلى أن سياسات المغرب في تدبير ملف الهجرة على حدوده مع أوروبا ساهمت في تكريس هذا المسار، حيث تقدمت المقاربات الأمنية على حساب البعد الإنساني، ما انعكس مباشرة على مستوى الأرواح البشرية وسقوط ضحايا في أكثر من محطة حدودية.

وفي تحليله، يضع خطري استمرار غياب المحاسبة في صلب الأزمة، معتبرا أن هذا الغياب لا يرتبط فقط بإجراءات قانونية لم تكتمل، بل يعكس نمطا في إدارة الملف يقوم على التفاوت في المعايير. ويرى أن حجم الدم والضحايا لا يقابله أي تحرك جاد يضمن مساءلة المسؤولين أو فتح مسار قضائي واضح، وهو ما يعمق الإحساس بعدم العدالة لدى أسر الضحايا.

كما يربط خطري بين هذا الوضع وبين اختلال واضح في ترتيب الأولويات داخل السياسات المرتبطة بالهجرة، حيث تمنح الاعتبارات السياسية والأمنية مساحة أوسع مقارنة بالحق في الحياة والكرامة الإنسانية. ويشير إلى أن هذا التوجه ينتج فراغا أخلاقيا وقانونيا في التعامل مع المآسي الحدودية، ويترك الضحايا في مواجهة النسيان دون أي ضمانة لإنصافهم.

ويؤكد خطري أن ما جرى في مليلية لا يمكن عزله عن سياق أوسع من السياسات التي تعيد إنتاج النتائج نفسها مع كل أزمة حدودية. ويعتبر أن استمرار تجاهل المطالب الحقوقية والقانونية يرسخ اختلالا عميقا في موازين التعامل مع ملف الهجرة، حيث تُدفع حياة المهاجرين إلى هامش الحسابات السياسية الكبرى، بينما تتقدم اعتبارات المساومة والتغاضي، بما يمنح المخزن المغربي هامشا غير مبرر من الإفلات من أي مساءلة أو مراجعة حقيقية.

ويضيف أن هذا الواقع يكشف ازدواجية واضحة في إدارة ملف الهجرة، حيث يتباعد الخطاب المعلن عن الممارسة الفعلية على الأرض. ويشير إلى أن هذه الفجوة تُضعف مصداقية المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، خصوصا مع تكرار وقائع دامية ارتبطت بالمخزن المغربي دون أي مسار محاسبة فعلي أو مراجعة جذرية لأساليب التعامل مع الحدود. ويخلص خطري إلى أن استمرار هذا النهج يطيل معاناة ذوي الضحايا، ويحول المأساة إلى ملف مفتوح بلا أفق واضح للإنصاف، ما يفرض، وفق تقديره، إعادة النظر جذريا في مقاربة إدارة الهجرة، بما يضع الحق في الحياة والكرامة الإنسانية في صدارة الأولويات دون أي قابلية للتراجع.