السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

العالم يحبس أنفاسه.. ماذا يعني إغلاق مضيق “هرمز”؟

Author
رتيبة عماري 01 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيدا لم يسبق له مثيل، مع عدوان أمريكي – صهيوني داخل الأراضي الإيرانية، وإطلاق صواريخ إيرانية ردا عليه، ما وضع مضيق هرمز — شريان النفط والغاز العالمي — تحت نار حقيقية، فقد وصلت التحذيرات إلى السفن عبر الموجات اللاسلكية من الحرس الثوري الإيراني، الذي أعلن عدم السماح لأي عبور، في مؤشر يفضح هشاشة الاقتصاد العالمي واعتماده على ممر واحد حيوي. ويواصل المضيق اليوم تصدر العناوين بوصفه ميدان اختبار لقدرة القوى الكبرى على إدارة صدمات الطاقة، وسط أسواق تتفاعل بسرعة مع أي خطر داهم، ما يهدد أسعار النفط وسلاسل الإمداد، وحتى استقرار الاقتصاد الدولي بأسره.

 

أفادت وكالة “رويترز” نقلا عن مسؤول أوروبي أن سفنا في مضيق هرمز تتلقى رسائل عبر الموجات اللاسلكية من الحرس الثوري الإيراني، تحذر فيها من “عدم السماح لأي سفينة بعبور المضيق”، ويأتي هذا التحذير في ظل اشتعال نيران الحرب بالمنطقة المنطقة، حيث تعتبر إيران المضيق شريانا حيويا لتصدير النفط والغاز، ويربط أكبر منتجي الطاقة في الخليج بخليج عمان وبحر العرب، ما يجعل أي تهديد بإغلاقه مصدر قلق عالمي، نظرا لأنه يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا.

وتأتي هذه التطورات بعد أن شنت الولايات المتحدة وومن ورائها الكيان الصهيوني، أمس السبت، سلسلة من الضربات داخل الأراضي الإيرانية، بما فيها العاصمة طهران، وسط تقارير عن وقوع دمار واسع وسقوط ضحايا من المدنيين. وردت إيران بإطلاق صواريخ على الأراضي الإسرائيلية، بالإضافة إلى استهداف مواقع عسكرية أمريكية في المنطقة، ما يزيد من حدة التوتر ويضع مضيق هرمز في قلب صراع قد يغير قواعد اللعبة الاقتصادية العالمية. وبالتوازي مع هذا التصعيد، أعلنت عدة دول في الشرق الأوسط إغلاقا جزئيا أو كليا لمجالاتها الجوية، في خطوة تهدف إلى حماية مواطنيها ومصالحها الاقتصادية من آثار النزاع المتصاعد.

ويشير مراقبون إلى أن هذه الضربات جاءت رغم المفاوضات التي جرت الخميس الماضي في جنيف بين واشنطن وطهران حول الملف النووي الإيراني، والتي تمت بوساطة عُمانية، ما يوضح أن النزاع قد تجاوز حدود المفاوضات الدبلوماسية، ليصل إلى مرحلة العمليات العسكرية الفعلية على الأرض.

وفي الوقت نفسه، قالت أربعة مصادر تجارية إن بعض شركات النفط الكبرى علّقت شحنات النفط الخام والوقود عبر مضيق هرمز بسبب المخاطر المحتملة، مشيرة إلى أن السفن ستبقى في مواقعها لعدة أيام. وفي تصريح له، أكد مسؤول تنفيذي بارز في إحدى شركات التجارة أن هذه الخطوة تهدف إلى تجنب التعرض للخطر، لكنها قد تؤدي إلى تعطّل الملاحة بشكل مؤقت، ما يعكس هشاشة تدفق الطاقة عالميا.

ويعد مضيق هرمز، الذي يفصل بين إيران وسلطنة عُمان، من أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره نحو خُمس إجمالي استهلاك النفط العالمي. وتصدر من خلاله السعودية وإيران والإمارات والكويت والعراق معظم نفطها، لا سيما إلى آسيا، بينما تنقل قطر غالبية إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق، في ظل حماية الأسطول الأمريكي الخامس المتمركز في البحرين للملاحة التجارية. وقد سبق أن أعلن قائد في البحرية الإيرانية استعداد البحرية لإغلاق المضيق إذا قررت القيادة السياسية في طهران ذلك، ما يعكس حساسية الممر وارتباطه الوثيق بالموازين العسكرية والسياسية في المنطقة.

 

المعادلة العسكرية في هرمز

وتوضح بيانات من شركة “فورتيكسا” أن أكثر من 20 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات والوقود كانت تمر يوميا عبر المضيق في المتوسط العام الماضي، ما يجعل أي تعطّل فيه مؤثرا على الأسواق العالمية للطاقة. ويشير أحمد الرمح، مختص في شؤون السياسة الدولية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن الأحداث حول المضيق “مؤشر على تصعيد استراتيجي بالغ الخطورة”، مضيفا أن ما يحدث يتجاوز مجرد تعطّل السفن أو تأخر الشحنات، ليصل إلى جوهر معادلة الطاقة العالمية. ويقول الرمح إن الحديث يدور حول ممر يمر عبره “قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من النفط وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا”، إضافة إلى حصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي تهديد بإغلاقه أزمة عالمية محتملة.

أحمد الرمح، مختص في شؤون السياسة الدولية

ويشرح الرمح أن أسواق الطاقة بطبيعتها تتفاعل بسرعة مع أي احتمالات للتعطيل، إذ تكفي مجرد الإشارات إلى توقف جزئي للشحنات لرفع أسعار النفط والغاز نتيجة ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما يخلق صدمة نفسية وفعلية في الأسواق. ويضيف أن ارتفاع تكاليف التأمين على الناقلات البحرية يزيد من تكلفة البرميل قبل وصوله إلى الأسواق، ما يؤدي إلى ضغوط تضخمية عالمية، حتى لو لم يحدث إغلاق فعلي للمضيق بعد.

ويؤكد الرمح أن التأثير الأعمق سيبدأ إذا تحوّل التهديد إلى واقع فعلي، حيث سيؤدي أي إغلاق كامل للمضيق إلى اضطراب واسع في سلاسل الإمداد العالمية، وتأثر أسواق الأسهم والعملات، خاصة لدى الدول المستوردة للطاقة. وفي هذه الحالة، لن تبقى الأزمة محصورة في قطاع النفط والغاز، بل ستطال الاقتصاد العالمي بأسره، مع إعادة صياغة مؤقتة لمعادلة الطاقة الدولية على الأقل.

ويشير عباس عساف، خبير في شؤون السياسة الدولية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن البدائل الاقتصادية لمصدري النفط محدودة لكنها موجودة. ويضيف أن الخيار الأول يتمثل في تفعيل خطوط أنابيب بديلة تتجاوز المضيق نحو موانئ على البحر الأحمر أو بحر العرب، غير أن هذه المسارات لا تستطيع استيعاب الكميات الضخمة التي تمر يوميا عبر المضيق، ما يجعل دورها تخفيفيا لا تعويضيا بالكامل.

أما الخيار الثاني فيتمثل في السحب من المخزونات الاستراتيجية أو التجارية، وهو إجراء مؤقت يتيح التعامل مع صدمات قصيرة الأمد، لكنه لا يعيد فتح الممرات البحرية المغلقة. وفي موازاة ذلك، قد تلجأ الدول إلى إعادة توجيه الشحنات وإعادة ترتيب أولويات التصدير، مع إعطاء الأفضلية للأسواق المرتبطة بعقود طويلة الأجل، ما يعكس البعد السياسي للتجارة الطاقوية في أوقات الأزمات.

 

أزمة عالمية على الأبواب

ويخلص عساف إلى أن أي إغلاق فعلي للمضيق “سيكشف هشاشة الاعتماد العالمي على ممر واحد حيوي”، وسيجبر المنتجين والمستهلكين على إعادة التفكير في خرائط أمن الطاقة، سواء عبر تنويع المسارات أو التسريع نحو مصادر بديلة للطاقة. ويعتبر هذا التحدي جزءا من واقع جيوسياسي متشابك، حيث تتقاطع مصالح الطاقة مع الحسابات العسكرية والاستراتيجية للدول الكبرى في المنطقة.

وفي البعد العسكري، يوضح علي بيضون، محلل سياسي في لبنان، أن التعامل الأمريكي والغربي مع تهديدات تعطيل الملاحة التاريخية يقوم على الردع الوقائي. ويقول بيضون في تصريح لـ”الأيام نيوز” إن واشنطن اعتبرت المضيق خطا أحمر استراتيجيا، وعملت على تعزيز حضورها البحري عبر الأسطول الخامس في البحرين، مع تكثيف الدوريات المشتركة ومرافقة ناقلات النفط خلال فترات التوتر. وأضاف أن أي تهديد بإغلاق المضيق منذ سبعينيات القرن الماضي كان يدفع القوى الكبرى لتطوير مقاربات خاصة لمنع تحول التهديد إلى واقع.

علي بيضون، محلل سياسي في لبنان

ويشير بيضون إلى أن العدوان العسكري الأمريكي – الصهيوني ضد إيران، الذي بدأ أمس السبت، يضع المضيق تحت النار بالفعل، رغم وجود أطر التنسيق البحري متعددة الجنسيات لضمان حرية الملاحة. ويؤكد أن الاستراتيجية الغربية تقوم على ثلاثة مسارات متوازية: تعزيز الحضور البحري، إنشاء تحالفات لتأمين الملاحة، واستخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي لاحتواء التصعيد. والهدف هو منع أي تثبيت لواقع جديد في المضيق، إذ إن أي سابقة بإغلاقه ستقوض منظومة التجارة الدولية بأكملها. ومع اندلاع الحرب الآن، تظهر هشاشة الاعتماد العالمي على ممر واحد حيوي، ويصبح المضيق ورقة جيوسياسية قادرة على إعادة تشكيل قواعد اللعبة الاقتصادية الدولية.

وفي المجمل، تكشف التطورات أن أي تعطّل طويل الأمد في مضيق هرمز لن يقتصر أثره على النفط والغاز، بل سيمس الاقتصاد العالمي بأسره، ويعيد إلى الواجهة التساؤلات حول تنويع مسارات الطاقة وأمن الإمداد العالمي، ما يجعل المضيق اليوم محورا أساسيا للتوازن العسكري والاقتصادي في منطقة الخليج والعالم.