الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

العطلة الصيفية.. فرصة لصناعة شخصية الأبناء وتنمية مهاراتهم

Author
إيمان عبروس 18 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تعد العطلة الصيفية واحدة من أهم المحطات التربوية في حياة الطفل والتلميذ، ليس فقط باعتبارها فترة راحة بعد عام دراسي طويل، ولكن أيضاً لأنها تمثل مساحة زمنية مرنة يمكن استثمارها في إعادة تشكيل التوازن النفسي، وتنمية القدرات، وصقل المهارات، وتعزيز الاستقلالية لدى الأبناء.

وفي ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة، والتوسع الكبير في استخدام الوسائط الرقمية، باتت هذه المرحلة من السنة تحمل أبعادا تربوية أعمق، تتجاوز فكرة الترفيه إلى بناء الشخصية وتوجيه السلوك وإعادة ضبط الإيقاع اليومي للطفل.

وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور أحمد قوراية خبير في الصحة النفسية وأستاذ جامعي ، في تصريح خص به “الأيام نيوز “أن العطل المدرسية ليست فراغا زمنيا، بل هي جزء من المنظومة التربوية صُممت خصيصا لمساعدة التلميذ على استعادة توازنه النفسي والجسدي والعقلي بعد أشهر من الجهد المتواصل، بما يسمح له بالعودة إلى الدراسة بطاقة جديدة وقدرة أفضل على الاستيعاب.

العطلة كآلية لإعادة التوازن النفسي

أشار قوراية إلى أن الطفل خلال السنة الدراسية يعيش ضغطا يوميا متراكما بين الدراسة والواجبات والامتحانات، ما يجعل حاجته إلى الراحة ضرورة بيولوجية ونفسية في آن واحد.

وتقوم هذه الراحة على الانتقال من نمط دراسي صارم ومنظم إلى نمط يومي أكثر مرونة وتوازنا، بما يتيح إعادة شحن الطاقة الذهنية وتعزيز الاستعداد النفسي لدى الطفل.

ويؤدي سوء استغلال العطلة إلى جملة من الانعكاسات السلبية، من بينها اضطراب النوم، السهر المفرط، فقدان الإيقاع اليومي المنظم، إضافة إلى ارتفاع مستوى الاعتماد على الشاشات الإلكترونية، وتراجع القدرة على التركيز ، إلى جانب صعوبة العودة إلى الدراسة في بداية الموسم الجديد.

كما أكد المختص أن الطفل الذي يقضي عطلة غير منظمة غالباً ما يحتاج إلى فترة أطول للتأقلم عند العودة إلى مقاعد الدراسة، مقارنة بالطفل الذي يحافظ على نمط حياة متوازن.

الفراغ التربوي وأثره على سلوك الطفل

ومن أخطر ما قد يواجه الطفل خلال العطلة، حسب المختصين، هو “الفراغ التربوي”، أي غياب أي نشاط موجه أو هدف يومي واضح.

فالطفل في هذه الحالة يجد نفسه أمام وقت طويل غير مستثمر، ما يجعله أكثر عرضة للانجذاب نحو الأنشطة السلبية، وعلى رأسها الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية.

وأشار قوراية إلى أن الفراغ لا يعني الراحة، بل قد يتحول إلى عامل ضغط نفسي غير مباشر، يؤدي إلى الملل، والعزلة، وضعف الدافعية، وتراجع الحس الإبداعي لدى الطفل. ومن هنا تبرز أهمية دور الأسرة في ملء هذا الفراغ بأنشطة متنوعة تجمع بين الترفيه والتعليم.

العطلة فضاء لاكتشاف المواهب

تمنح العطلة الصيفية مساحة أوسع للتجربة والتجريب مقارنة بالمدرسة التي تركز بشكل أساسي على الجانب الأكاديمي، ما يتيح للأطفال فرصة اكتشاف قدراتهم المتنوعة التي قد لا تظهر داخل القسم الدراسي، وتبرز بشكل أوضح في بيئات أكثر حرية، مثل الرسم والتشكيل الفني، والرياضة الفردية والجماعية، والأنشطة العلمية والتجارب البسيطة، إلى جانب الكتابة والقراءة الإبداعية، والموسيقى والمسرح.

ويساهم هذا الاكتشاف المبكر للقدرات في تعزيز ثقة الطفل بنفسه، وتحديد ميوله المستقبلية، وتكوين فهم أعمق لذاته وشخصيته.

الذكاء العاطفي وبناء العلاقات الاجتماعية

وتتجلى أهمية العطلة الصيفية أيضا في بعدها الاجتماعي، حيث تسهم الأنشطة الجماعية في تنمية الذكاء العاطفي لدى الطفل، من خلال توفير فرص للاحتكاك المباشر داخل فضاءات متنوعة مثل دور الشباب والمكتبات والنوادي الرياضية.

وتساعد هذه الأنشطة على تعزيز مهارات التواصل، وترسيخ قيم احترام الآخر وتقبل الاختلاف، إلى جانب تنمية القدرة على العمل ضمن فريق، وتعلم إدارة المشاعر، واكتساب أساليب إيجابية في حل النزاعات.

تعلم اللغات وتنمية القدرات المعرفية

وتعد العطلة الصيفية حسب المتحدث فترة مثالية لتطوير المهارات اللغوية والمعرفية خارج الإطار المدرسي التقليدي، حيث يمتد التعلم ليشمل أنشطة متنوعة مثل تعلم لغات أجنبية بشكل مبسط، ومتابعة محتويات تعليمية رقمية موجهة، والمشاركة في ورشات تكوينية، إلى جانب قراءة كتب مناسبة للعمر وممارسة ألعاب ذهنية محفزة.

ويسهم هذا التنوع في مصادر التعلم في الحفاظ على نشاط الدماغ وتعزيز القدرات الذهنية، كما يدعم استمرارية التعلم ويقلل من آثار الانقطاع الدراسي خلال فترة العطلة.

تحدي الشاشات الرقمية

من أبرز التحديات الحديثة التي تواجه الأسر هو الاستخدام المفرط للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، فقد أصبحت الشاشات جزءا أساسيا من حياة الأطفال، ما يفرض على الأولياء دوراً أكثر وعياً في تنظيم هذا الاستخدام.

وأشار المختص إلى أن الإفراط في التعرض للشاشات ينعكس على عدة جوانب من حياة الطفل، من بينها ضعف التفاعل الاجتماعي، واضطرابات النوم، وتراجع مستوى التركيز، إلى جانب الميل نحو العزلة وانخفاض النشاط البدني.

ويدعو في هذا السياق إلى اعتماد قواعد تنظيمية داخل الأسرة، تقوم على تحديد ساعات استخدام الأجهزة الإلكترونية، مع تعزيز الأنشطة البديلة التي توفر توازنا صحيا بين التكنولوجيا والحياة اليومية.

الأنشطة البدنية ودورها في بناء الشخصية

تعتبر الرياضة أحد أهم الركائز في بناء شخصية الطفل خلال العطلة الصيفية، حيث تسهم في تعزيز الصحة الجسدية والنفسية، وتلعب دورا محوريا في تطوير الانضباط، وتقوية روح الفريق، وتنمية الإرادة، إضافة إلى تفريغ الطاقة السلبية وتحسين المزاج العام. كما تساهم الممارسة المنتظمة للرياضة في ترسيخ نمط حياة صحي لدى الطفل، يمتد أثره إلى مراحل لاحقة من حياته اليومية.

الحرف اليدوية وتعزيز الهوية الثقافية

تشكل الحرف اليدوية والأنشطة التطبيقية وسيلة فعالة لربط الطفل ببيئته وثقافته، من خلال تعلم مجموعة من الأنشطة البسيطة مثل الخياطة، والرسم على الخشب، والصناعات التقليدية، وإعادة التدوير الإبداعي. وتساعد هذه الممارسات الطفل على اكتساب مهارات عملية تعزز استقلاليته، وتغرس فيه قيم العمل والصبر والدقة، كما تمنحه شعورا بالإنجاز يساهم في تقوية ثقته بنفسه وتنمية قدراته الشخصية

المسجد فضاء تربوي وروحي

وأشار قوراية إلى أن الفضاءات الدينية، وعلى رأسها المسجد، تؤدي دوراً تربوياً مهماً خلال العطلة الصيفية، من خلال إتاحة فرص للأطفال تشمل حفظ القرآن الكريم، وتعلم القيم الأخلاقية، وتعزيز السلوك الإيجابي، وتنمية الجانب الروحي، إلى جانب تحسين مهارات القراءة والحفظ.

ويؤكد أن هذا البعد الروحي يسهم في تحقيق التوازن النفسي والسلوكي لدى الطفل، ويعزز استقراره الداخلي.

الحفاظ على المكتسبات التعليمية

تشكل فترة ما بعد العطلة مرحلة قد تظهر فيها بعض التحديات المرتبطة بتراجع عدد من المهارات الأساسية لدى التلاميذ، خاصة في مجالي القراءة والكتابة، نتيجة الانقطاع عن الممارسة اليومية المنتظمة.

ومن هذا المنطلق، أوصي قوراية بتخصيص وقت يومي قصير للمطالعة، ومراجعة خفيفة للدروس السابقة، وممارسة الكتابة البسيطة، إضافة إلى توظيف ألعاب تعليمية محفزة. وتساعد هذه الممارسات على ضمان استمرارية التعلم والحفاظ على المكتسبات في أجواء مرنة وغير ضاغطة.

التوازن بين الترفيه والتعلم

يرتكز نجاح العطلة الصيفية على قدرة الأسرة على تحقيق توازن دقيق بين الترفيه والتعلم، بما يلبي حاجات الطفل النفسية والتربوية. ويحتاج الطفل خلال هذه المرحلة إلى اللعب والاستمتاع، واكتشاف العالم المحيط به، والانخراط في التعلم غير الرسمي، وتعزيز التواصل الاجتماعي، إلى جانب ممارسة أنشطة إبداعية متنوعة. وتبرز أهمية البرامج العائلية التي تجمع بين المتعة والفائدة، مثل الرحلات، والمسابقات الثقافية، والأنشطة الخارجية، لما توفره من تجارب تربوية متكاملة.

دور الأسرة والمؤسسات التربوية

وفي هذا الجانب أوضح أدقوراية أنه يجب استثمار العطلة الصيفية بشكل فعال تكاملا بين الأسرة والمؤسسات التربوية، حيث تضطلع الأسرة بدور أساسي في التوجيه اليومي والمتابعة، بينما تسهم المؤسسات في تنظيم مخيمات صيفية، وفتح ورشات تعليمية، وتقديم أنشطة رياضية وثقافية، إلى جانب دعم برامج اكتشاف المواهب.

العطلة استثمار في المستقبل

في ختام تصريحه، يؤكد البروفيسور أحمد قوراية أن العطلة الصيفية تمثل فرصة تربوية حقيقية تتجاوز فكرة التوقف عن الدراسة، لتشكل محطة مؤثرة في مسار الطفل وتطوره. ويعكس حسن استغلال هذه الفترة أثرا إيجابيا على التحصيل الدراسي، والصحة النفسية، والتوازن الاجتماعي، ويسهم في بناء شخصية مستقلة واثقة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.