الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

العلاج النفسي والرقية الشرعية.. تكامل مطلوب أم منافسة غير معلنة؟

Author
بثينة صايفي 07 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل تزايد الاهتمام بقضايا الصحة النفسية في المجتمع الجزائري، لا يزال التعامل مع الاضطرابات النفسية يطرح جدلاً واسعا بين مسارين أساسيين: العلاج النفسي الحديث القائم على أسس علمية وأكاديمية، والرقية الشرعية المرتبطة بالثقافة الدينية والاجتماعية للمجتمع، وبين هذا وذاك، تتباين مواقف الأفراد بين من يضع ثقته في الطب النفسي باعتباره مسارا علاجيا منظما، ومن يفضل اللجوء إلى الرقية باعتبارها امتدادا لموروث ديني راسخ.

هذا التباين لا يعكس فقط اختلافا في طرق العلاج، بل يكشف أيضا عن إشكال ثقافي أعمق يتعلق بمدى تقبل المجتمع لفكرة المرض النفسي بعيدا عن الوصمة الاجتماعية التي ما تزال تحيط به، وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والصحية في بناء وعي متوازن يدمج بين التفسير العلمي والدعم الروحي، دون إقصاء أو تضاد.

 

الجزائريون يثقون في الرقية الشرعية أكثر من العلاج النفسي

وفي هذا السياق يرى المختص النفساني، مسعود بن حليمة، أن الإقبال الكبير على الرقية الشرعية مقارنة بالعلاج النفسي في المجتمع الجزائري لا يمكن فصله عن البنية الثقافية والاجتماعية التي تشكل وعي الأفراد تجاه المرض النفسي وطرق التعامل معه، فبحسبه، لا يزال العلاج النفسي يُعد ثقافة حديثة نسبيا، لم تأخذ بعد الوقت الكافي لترسخ في الوعي الجمعي أو لتصبح خيارا أوليا لدى غالبية المواطنين عند مواجهة الاضطرابات النفسية أو السلوكية.

مسعود بن حليمة.. مختص في علم النفس
مسعود بن حليمة.. مختص في علم النفس

في المقابل، ترتبط الرقية الشرعية بمنظومة قيم دينية واجتماعية عميقة الجذور، نشأ عليها الفرد منذ طفولته داخل الأسرة والبيئة المحيطة، ما جعلها حاضرة بقوة في المخيال الجماعي كخيار علاجي تلقائي ومألوف، ويشير بن حليمة إلى أن هذا الارتباط لا يقوم فقط على الجانب الديني، بل يمتد أيضا إلى البعد العاطفي والوجداني الذي يمنح الأفراد شعورا بالطمأنينة والثقة عند اللجوء إلى هذا النوع من العلاج.

ويؤكد المختص أن هذا التوجه نحو الرقية الشرعية لا ينبغي النظر إليه من زاوية سلبية، بل يمكن اعتباره جزءا من الهوية الثقافية والدينية للمجتمع، ما دام في إطاره الصحيح والمنضبط، فالتأثير الروحي والديني، بحسبه، قد يشكل دعامة نفسية مهمة تساعد الفرد على التماسك ومواجهة الضغوط، خاصة في ظل حساسية القضايا المرتبطة بالصحة النفسية داخل المجتمع.

 

المشكلة ليست في الرقية.. بل في بعض من يمارسونها

ويشدد المختص النفساني مسعود بن حليمة على أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الرقية الشرعية بحد ذاتها، باعتبارها ممارسة ذات بعد ديني وروحي راسخ في المجتمع، وإنما في بعض الممارسات التي خرجت عن إطارها الصحيح وأصبحت تُقدَّم للناس بشكل غير منضبط، فبحسبه، من الضروري التفريق بين الرقية الشرعية الأصيلة القائمة على القرآن الكريم والضوابط الدينية، وبين ممارسات أخرى يقوم بها أشخاص يدّعون امتلاك هذا الاختصاص دون توفر الحد الأدنى من التأهيل العلمي والديني اللازم.

ويؤكد أن الراقي الشرعي الحقيقي لا يمكن أن يُختزل في ممارسة عشوائية أو اجتهاد فردي، بل ينبغي أن يكون متمكنا من القرآن الكريم، وملما بأحكام الشريعة الإسلامية، ومطلعا على تفسير النصوص، بما يضمن ممارسة الرقية في إطارها الصحيح والمتوازن، بعيدا عن أي استغلال أو تأويل خاطئ للنصوص الدينية، هذا التأطير، يضيف المتحدث، هو ما يمنح الرقية مشروعيتها ويجعلها ممارسة مقبولة وذات أثر نفسي إيجابي على الأفراد.

في المقابل، يحذر بن حليمة من انتشار بعض الرقاة المتجولين الذين يستغلون هشاشة بعض الحالات النفسية ومعاناة الأفراد، فيحوّلون الحاجة إلى العلاج أو الدعم إلى فرصة للربح أو التأثير غير العلمي، ويرى أن هذا النوع من الممارسات لا يسيء فقط إلى صورة الرقية الشرعية، بل قد يؤدي أيضا إلى تأخير حصول المريض على العلاج المناسب، أو حتى تفاقم حالته النفسية بسبب غياب التشخيص العلمي الدقيق والتدخل العلاجي الصحيح.

في المقابل، يؤكد المختص أن العلاج النفسي يعد علما أكاديميا مستقلا يستند إلى مناهج علمية وتجارب مخبرية وأدوات تشخيص معتمدة، ويعتمد الأخصائي النفسي على وسائل علمية متعددة، مثل المقابلات العيادية والاختبارات النفسية المتخصصة، من أجل فهم الحالة النفسية للمراجع ومساعدته على استعادة توازنه وثقته بنفسه، ويعتبر أن هذه الآليات تجعل العلاج النفسي مسارا علميا يهدف إلى إعادة بناء الشخصية وتعزيز قدرات الفرد على التكيّف مع مختلف الضغوط.

 

وصمة اجتماعية ما تزال تعيق اللجوء إلى المختصين

ويلاحظ بن حليمة أن أحد أبرز التحديات التي تواجه الصحة النفسية في الجزائر يتمثل في استمرار النظرة السلبية تجاه العلاج النفسي، فالكثير من الأشخاص يرفضون زيارة الطبيب النفسي اعتقادا منهم أن ذلك مرتبط بالجنون أو الأمراض العقلية الخطيرة، ويرى أن هذه الأفكار المسبقة ما تزال تشكل حاجزا نفسيا واجتماعيا يمنع العديد من المحتاجين للمساعدة من التوجه إلى المختصين.

ويؤكد المتحدث أن الاهتمام بالصحة النفسية لا يقل أهمية عن الاهتمام بالصحة الجسدية، بل إن الاستقرار النفسي ينعكس مباشرة على الحالة العضوية للإنسان، فالتوتر والقلق المستمران قد يتسببان في ظهور أعراض ومشكلات صحية مختلفة، بينما يساعد التوازن النفسي على تحسين جودة الحياة والوقاية من العديد من الاضطرابات.

 

الأسرة والمدرسة والمسجد.. ثلاثية الوقاية والدعم

ويطرح المختص النفساني مسعود بن حليمة رؤية شمولية تقوم على مبدأ التكامل بين ثلاثة فضاءات أساسية داخل المجتمع، باعتبارها خط الدفاع الأول في الوقاية من الاضطرابات النفسية ودعم الأفراد في مراحلهم المختلفة، ويؤكد أن معالجة القضايا النفسية لا ينبغي أن تبقى محصورة داخل العيادات أو عند ظهور الأعراض المتقدمة، بل تبدأ من محيط الفرد اليومي الذي يشكل وعيه وسلوكه منذ الطفولة.

ففي إطار الأسرة، يشدد بن حليمة على أن دور الأولياء محوري وأساسي في ملاحظة أي تغيرات سلوكية أو نفسية قد تطرأ على الأبناء، مثل القلق المفرط، الانعزال، أو اضطراب التركيز والانفعال، ويرى أن التعامل مع هذه المؤشرات يجب أن يكون مبكرا وواعيا، من خلال التوجه إلى المختصين النفسيين دون تردد أو شعور بالخجل، لأن التدخل المبكر يساهم بشكل كبير في تفادي تفاقم الحالة وتطورها إلى اضطرابات أكثر تعقيدا.

أما المدرسة، فيعتبرها فضاءً تربويا لا يقل أهمية عن الأسرة، بل قد يكون أكثر قدرة على رصد السلوكيات اليومية للتلاميذ داخل محيط جماعي، لذلك، يبرز دور المعلمين والأطر التربوية في ملاحظة أي اضطرابات في التركيز أو التفاعل أو السلوك، والتواصل مع الأولياء لتوجيههم نحو ضرورة المتابعة النفسية عند الحاجة، بما يضمن مرافقة تربوية ونفسية متوازنة للتلميذ.

وفيما يتعلق بالمسجد، يشير المختص إلى دوره التوعوي والروحي المهم، ليس فقط في تعزيز القيم الدينية، بل أيضا في نشر فهم صحيح ومتوازن لمفهوم الرقية الشرعية، بعيدا عن الممارسات غير المنضبطة أو الاستغلالية، ويؤكد أن هذا الفضاء يمكن أن يساهم في توجيه الأفراد نحو التعامل السليم مع القضايا النفسية، من خلال دعم الجانب الروحي دون إقصاء أو تعارض مع المسار العلاجي الطبي، في إطار من التكامل الذي يخدم صحة الفرد النفسية والجسدية على حد سواء.

 

الطبيب النفسي أولاً.. والرقية الشرعية عند الحاجة

وفي معرض حديثه عن الأشخاص الذين يتجهون مباشرة إلى الرقية الشرعية عند مواجهة اضطرابات نفسية أو سلوكية، يؤكد المختص النفساني مسعود بن حليمة أن الدعوة إلى تعزيز ثقافة العلاج النفسي لا تعني بأي حال من الأحوال رفض الرقية الشرعية أو التقليل من قيمتها الدينية والاجتماعية، بل على العكس، يوضح أن كلا المسارين يمكن أن يتكاملا إذا تم التعامل معهما ضمن إطار علمي وديني متوازن، يراعي خصوصية الحالة الفردية ويضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار.

غير أن بن حليمة يشدد على أن الخطوة الأولى والأساسية في أي مسار علاجي يجب أن تبدأ دائما باستشارة الطبيب أو الأخصائي النفسي، باعتبار أن التشخيص العلمي الدقيق هو المدخل الحقيقي لفهم طبيعة الحالة وتحديد أسبابها، سواء كانت نفسية أو سلوكية أو مرتبطة بضغوط حياتية معقدة، فالتقييم المهني، بحسبه، يسمح بوضع خطة علاجية واضحة قد تشمل جلسات علاج نفسي، أو دعما سلوكيا، أو حتى توجيه الحالة نحو اختصاصات طبية أخرى عند الحاجة.

وفي بعض الحالات، يضيف المختص، قد لا تكفي المقاربة الطبية وحدها لتفسير بعض الجوانب التي يعيشها المريض أو لطمأنة محيطه الاجتماعي، وهنا يمكن، بعد استنفاد المسار العلاجي العلمي، اللجوء إلى الرقية الشرعية باعتبارها دعماً روحيا ونفسيا إضافيا، شريطة أن تمارس وفق ضوابطها الشرعية الصحيحة وبعيدا عن أي استغلال أو مبالغة. ويؤكد أن هذا التدرج في التعامل مع الحالة يعكس وعيا متقدما يوفق بين الإيمان والتخصص العلمي، ويجعل من الرقية والعلاج النفسي مسارين لا يتعارضان، بل يلتقيان في هدف واحد هو تحقيق التوازن النفسي والجسدي للمريض في إطار من التوكل على الله والأخذ بالأسباب.