الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

العلاقات الجزائرية الإسبانية.. نحو شراكة استراتيجية مستدامة

Author
بريش عبد القادر 20 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشكل زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر محطة سياسية واقتصادية ذات دلالات تتجاوز إطارها السياسي والدبلوماسي، بالنظر إلى أنها جاءت في لحظة تحولات إقليمية ودولية تشهد إعادة تشكيل موازين القوة، وإعادة رسم خرائط الطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد العالمية. وفي هذا السياق، تبرز العلاقات الجزائرية الإسبانية بوصفها نموذجا لعلاقة يمكن أن تنتقل من منطق إدارة المصالح الآنية إلى بناء شراكة استراتيجية أكثر رسوخا واستدامة، تستند إلى القرب الجغرافي، والروابط التاريخية والحضارية، وتشابك المصالح الاقتصادية، ووحدة التحديات الأمنية في الفضاء المتوسطي.

ولعل أهم ما يميز هذه الزيارة أنها جاءت بعد مرحلة استعاد فيها البلدان ديناميكية الحوار السياسي، بما يؤكد أن ما عرفته العلاقات الثنائية سنة 2022 لم يكن سوى محطة عابرة أو “سحابة صيف” فرضتها ظروف سياسية استثنائية، قبل أن يدرك الطرفان أن اعتبارات الجغرافيا، وحجم المصالح المتبادلة، وضرورة الحفاظ على الاستقرار في غرب البحر الأبيض المتوسط، تظل عوامل أكثر رسوخا واستدامة من أي تباين ظرفي.

وفي هذا الإطار، اكتسبت إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون، الموقعة في مدريد بتاريخ 8 أكتوبر 2002، أهمية خاصة باعتبارها الإطار المؤسسي الناظم للعلاقات الثنائية. فقد أرست هذه المعاهدة آليات دائمة للتشاور السياسي، وعززت التعاون في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والطاقوية والأمنية والثقافية والعلمية، على أساس الاحترام المتبادل، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بالحوار لمعالجة القضايا ذات الاهتمام المشترك. وقد شكل قرار إعادة تفعيلها رسالة سياسية واضحة تؤكد إرادة البلدين في الانتقال من مرحلة استعادة الثقة إلى مرحلة بناء شراكة أكثر استقرارا واستشرافا للمستقبل.

وتؤكد الأدبيات الحديثة في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية أن نجاح الشراكات الاقتصادية بين الدول لا يرتبط فقط بتكامل الموارد أو تشابك المصالح التجارية، وإنما يتأثر كذلك بوجود بيئة سياسية مستقرة، وإطار مؤسسي واضح، وثقة متبادلة تسمح بتقليص درجة المخاطر وتعزيز قابلية الاستثمار طويل الأجل. ومن هذا المنظور، فإن التقارب السياسي بين الجزائر وإسبانيا لا يمثل غاية في حد ذاته، بل يشكل عاملا مؤسسيا داعما لتوسيع التعاون الاقتصادي، وتعزيز الشراكات الاستثمارية، وبناء مشاريع استراتيجية قادرة على الصمود أمام التحولات الإقليمية والدولية.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية مضاعفة إذا ما استحضرنا المكانة الجيوسياسية للبلدين. فالجزائر تمثل عمقا استراتيجيا للضفة الجنوبية للمتوسط، وتمتلك موقعا محوريا يربط أوروبا بإفريقيا، في حين تشكل إسبانيا إحدى أهم البوابات الأوروبية نحو الفضاءين المتوسطي والإفريقي. وضمن هذا التداخل الجغرافي والاستراتيجي، لم تعد العلاقات الثنائية تقتصر على تبادل السلع والخدمات، بل أصبحت ترتبط بقضايا أكثر عمقا، تشمل أمن الطاقة، والأمن البحري، وسلاسل الإمداد، والاستثمار الصناعي، والانتقال الطاقوي، والأمن الاقتصادي.

ومن هنا، فإن قراءة نتائج هذه الزيارة ينبغي أن تتجاوز بعدها الدبلوماسي المباشر، لتندرج ضمن رؤية جيواقتصادية أوسع، ترى في التقارب السياسي مدخلا لبناء شراكة استراتيجية ذكية ومستدامة، قوامها المصالح الاقتصادية المشتركة، والتكامل الصناعي، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز القدرة التنافسية للبلدين في فضاء متوسطي يشهد تحولات متسارعة.

وفي هذا الإطار، تبرز منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط بوصفها المجال الحيوي الذي تتقاطع فيه المصالح الاستراتيجية للجزائر وإسبانيا. فاستقرار هذا الفضاء لم يعد يرتبط فقط بالاعتبارات الأمنية التقليدية، وإنما أصبح مرتبطا كذلك بأمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، وأمن سلاسل الإمداد، واستقرار الأسواق، وهي كلها عناصر باتت تشكل ركائز أساسية في مفهوم الأمن الاقتصادي المعاصر.

ومن هذه الزاوية، يتقاسم البلدان مصلحة مشتركة في الحفاظ على أمن الملاحة البحرية، وتعزيز التعاون في مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والاتجار غير المشروع، والهجرة غير النظامية، في إطار مقاربة شاملة توازن بين المتطلبات الأمنية والأبعاد التنموية والإنسانية. كما أن استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط يظل عاملا حاسما لضمان استقرار الضفة الشمالية، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الأوروبي، والإسباني على وجه الخصوص، بالدور المحوري الذي تضطلع به الجزائر في محيطها الإقليمي.

ويمتد هذا التقاطع إلى منطقة الساحل الإفريقي، التي أصبحت تمثل إحدى أكثر بؤر التوتر الجيوسياسي في العالم. وفي هذا السياق، تلتقي رؤية الجزائر وإسبانيا حول أهمية إعطاء الأولوية للحلول السياسية والتنموية، ومعالجة الأسباب العميقة للأزمات، وفي مقدمتها ضعف التنمية، وانتشار الفقر، وتراجع مؤسسات الدولة، باعتبار أن المقاربات الأمنية وحدها أثبتت محدودية فعاليتها في تحقيق الاستقرار المستدام.

ولا يقتصر التقارب بين البلدين على القضايا الأمنية والإقليمية، بل يمتد إلى عدد من الملفات الدولية التي تشكل مرجعيات أساسية في سياستهما الخارجية. ويبرز في مقدمتها الموقف من القضية الفلسطينية، حيث تؤكد الجزائر وإسبانيا تمسكهما بحل الدولتين، وضرورة احترام الشرعية الدولية، ورفض استهداف المدنيين، والدعوة إلى تسوية عادلة تضمن للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة وفق قرارات الأمم المتحدة.

كما تمثل قضية الصحراء الغربية أحد الملفات ذات الأهمية الخاصة في العلاقات الثنائية. فالجزائر تؤكد باستمرار أن تسوية هذا النزاع ينبغي أن تتم في إطار الأمم المتحدة، وبما يكفل للشعب الصحراوي ممارسة حقه في تقرير المصير وفق قرارات الشرعية الدولية. وخلال الفترة الأخيرة، برزت مؤشرات على عودة الخطاب الإسباني إلى التشديد على مركزية الأمم المتحدة ودعم جهود مبعوثها الشخصي، بما يعكس توجها نحو مقاربة أكثر انسجاما مع المرجعية الدولية، وهو تطور من شأنه أن يسهم في تهيئة مناخ سياسي أكثر استقرارا بين البلدين، دون أن يعني بالضرورة تطابقا كاملا في المواقف.

إن أهمية هذه التقاطعات السياسية لا تكمن في بعدها الدبلوماسي فحسب، وإنما فيما توفره من مناخ ملائم لتوسيع التعاون الاقتصادي. فالتجارب الدولية تؤكد أن الاستثمارات الكبرى، ولا سيما في قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية، تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة، وإلى درجة عالية من الثقة المتبادلة بين الحكومات والمؤسسات الاقتصادية.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن التقارب السياسي بين الجزائر وإسبانيا يمثل عاملا مساعدا على توسيع مجالات التعاون الاقتصادي، لأنه يرسخ الثقة، ويوفر إطارا مؤسسيا أكثر استقرارا، ويمنح الفاعلين الاقتصاديين رؤية أوضح عند اتخاذ قرارات الاستثمار. وبذلك، يتحول الحوار السياسي من مجرد أداة لإدارة العلاقات الثنائية إلى رافد يدعم بناء شراكة اقتصادية واستراتيجية أكثر عمقا، قوامها المصالح المشتركة، والاستقرار، والرؤية بعيدة المدى.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه الشراكة لا تقاس فقط بمدى التقارب السياسي، وإنما بقدرة البلدين على ترجمة هذا المناخ الإيجابي إلى مشاريع اقتصادية وصناعية واستثمارية ملموسة. وهنا تبرز أهمية الانتقال من منطق المبادلات التجارية التقليدية إلى منطق التكامل الجيواقتصادي، القائم على الاستثمار المنتج، والصناعة، ونقل التكنولوجيا، وبناء سلاسل قيمة مشتركة، وهي القضايا التي ستحدد مستقبل العلاقات الجزائرية الإسبانية خلال السنوات المقبلة.

Author بريش عبد القادر
نائب في البرلمان الجزائري استاذ في العلاقات دولية