الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

العلاقات الجزائرية – التركية.. من إرث تاريخي إلى شراكة استراتيجية صاعدة

Author
بثينة صايفي 06 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في عالم يتجه بسرعة نحو إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية، تبرز العلاقات الجزائرية – التركية كواحدة من أبرز نماذج الشراكات الإقليمية الصاعدة التي تعكس تحولات عميقة في طبيعة التعاون الدولي، فلم تعد هذه العلاقة مجرد امتداد لروابط تاريخية وثقافية تعود لقرون، بل تحولت، خلال السنوات الأخيرة، إلى مسار استراتيجي متكامل، مدفوع بإرادة سياسية واضحة لدى قيادتي البلدين، وسياق دولي يفرض البحث عن تحالفات أكثر مرونة وتنوعا.

فبين ارتفاع حجم التبادل التجاري، وتزايد الاستثمارات التركية في السوق الجزائرية، وتوسع مجالات التعاون لتشمل قطاعات حيوية كالصناعة والطاقة والدفاع، تتشكل ملامح شراكة جديدة تتجاوز الأطر التقليدية نحو تكامل اقتصادي أعمق، غير أن هذا الزخم يطرح في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول قدرة الطرفين على تحويل هذه الديناميكية إلى نموذج متوازن ومستدام، يحقق قيمة مضافة حقيقية لكلا الجانبين في ظل تحولات اقتصادية عالمية متسارعة.

 

التحوّل من علاقات تقليدية إلى شراكة استراتيجية

يرى المحلل السياسي، أيوب عرفي، أن العلاقات الجزائرية – التركية تشكل امتدادا لجذور تاريخية وحضارية عميقة، غير أنها شهدت في السنوات الأخيرة تحولا نوعيا متسارعا، خاصة في ظل قيادة عبد المجيد تبون ورجب طيب أردوغان، ويؤكد أن هذا التحوّل لم يكن مجرد تطور تدريجي في وتيرة التعاون، بل يمثل إعادة تشكيل حقيقية لطبيعة العلاقة بين البلدين، حيث انتقلت من إطارها التقليدي الذي كان يركز أساسا على البعد السياسي والروابط الثقافية والتاريخية، إلى شراكة اقتصادية استراتيجية متعددة الأبعاد.

ويشرح عرفي أن المرحلة السابقة من العلاقات كانت تقوم على منطق التعاون الدبلوماسي والتبادل الرمزي، مع حضور محدود نسبيا للاستثمارات والتكامل الاقتصادي، غير أن التحولات التي شهدها النظام الدولي، خاصة في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، دفعت البلدين إلى إعادة تقييم أولوياتهما، والبحث عن صيغ تعاون أكثر عمقاً وفعالية، في هذا السياق، برزت الحاجة إلى بناء شراكة قائمة على المصالح الاقتصادية المباشرة، قادرة على تحقيق مكاسب ملموسة للطرفين.

ويضيف أن هذا الانتقال تجسد عمليا في توسع حجم المبادلات التجارية بشكل ملحوظ، وارتفاع وتيرة الاستثمارات التركية في الجزائر، إلى جانب تنويع مجالات التعاون لتشمل قطاعات استراتيجية مثل الطاقة، والصناعة، والدفاع، والتكنولوجيا، كما ساهمت الإرادة السياسية لدى قيادتي البلدين في تسريع هذا المسار، من خلال إطلاق آليات مؤسسية للتنسيق، وتوقيع اتفاقيات ثنائية تهدف إلى تأطير التعاون وتعزيزه على المدى الطويل.

وبحسب عرفي، فإن ما يميز هذه المرحلة الجديدة هو أنها لم تعد تقتصر على تبادل المنافع الآنية، بل تسعى إلى بناء تكامل اقتصادي حقيقي، يقوم على نقل التكنولوجيا، وتطوير القدرات الإنتاجية، وتعزيز الاستثمار المشترك، وهو ما يعكس تحولا في الرؤية الاستراتيجية لكلا البلدين، من شراكة ظرفية إلى شراكة هيكلية ترتبط بمشاريع تنموية طويلة الأمد.

كما يشير إلى أن هذا التحول من علاقات تقليدية إلى شراكة استراتيجية يعكس إدراكا متزايدا لدى الجزائر وتركيا بأهمية توحيد الجهود في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، واستغلال الفرص المتاحة ضمن بيئة دولية متغيرة، ما يجعل هذه العلاقة مرشحة لمزيد من التعمق في السنوات القادمة، إذا ما تم الحفاظ على نفس الزخم السياسي والاقتصادي.

أيوب عرفي.. محلل سياسي
أيوب عرفي.. محلل سياسي

 

مؤشرات رقمية تعكس ديناميكية متصاعدة

ويستند عرفي إلى جملة من المؤشرات الاقتصادية التي تعكس هذا التحوّل، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري من أكثر من 4 مليارات دولار سنة 2019 إلى ما يفوق 6 مليارات دولار في 2025، بمعدل نمو سنوي يقارب 8 بالمائة، ما يجعل تركيا من أبرز الشركاء التجاريين للجزائر، كما يشير إلى أن الاستثمارات التركية المباشرة تجاوزت 7,7 مليارات دولار، مع نشاط أكثر من 1600 شركة تركية في الجزائر، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في السوق الجزائرية وطموحاً لبلوغ 10 مليارات دولار في المبادلات التجارية خلال السنوات القادمة.

 

من التبادل التجاري إلى الاستثمار الاستراتيجي

ويبرز المتحدث أن مسار العلاقات مرّ بعدة مراحل، بداية بالتوسع التجاري، ثم الانتقال إلى الاستثمارات المباشرة، وصولاً إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية الحالية التي تتميز بمشاريع كبرى ونقل للتكنولوجيا وتعاون في قطاعات حساسة، ويضيف أن هذه المرحلة تعكس نضجا في العلاقة الثنائية، خاصة مع تفعيل آليات مؤسسية مثل مجموعة التخطيط المشتركة، وفتح قنصلية تركية في وهران، إلى جانب وجود عشرات الاتفاقيات قيد التفاوض، ما يعزز الإطار القانوني والتنظيمي لهذه الشراكة.

وفي تفصيله لمجالات التعاون، يؤكد عرفي أن الشراكة ترتكز على عدة محاور أساسية، أبرزها قطاع الطاقة الذي يمثل ركيزة لأمن الطاقة التركي في ظل سعي أنقرة لتنويع مصادرها بعيدا عن الاعتماد الأحادي، كما يشير إلى تطور التعاون في الصناعة الدفاعية، حيث تسعى الجزائر لتنويع شركائها العسكريين، إلى جانب توسع الاستثمارات التركية في قطاع التصنيع بمختلف فروعه، فضلا عن التعاون في مجالات التعليم والتدريب من خلال المنح الدراسية وتبادل الخبرات.

 

شراكة في سياق تحولات عالمية متسارعة

ويضع المحلل هذه الديناميكية ضمن سياق عالمي يتسم بتحولات عميقة، من بينها الانتقال نحو الطاقات النظيفة، وتسارع الرقمنة، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، ويرى أن هذا السياق يعزز من أهمية الشراكة الجزائرية – التركية، حيث تبحث الجزائر عن تنويع شركائها والاستفادة من الخبرات الصناعية التركية، في حين ترى تركيا في الجزائر شريكا استراتيجيا وموردا مهما للطاقة في منطقة حيوية.

وفيما يتعلق بإمكانية تحقيق توازن يخدم الطرفين، يؤكد عرفي أن ذلك ممكن لكن بشروط واضحة، من بينها تحسين بيئة الاستثمار في الجزائر، وتطوير الأطر التنظيمية، والتركيز على الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية ونقل التكنولوجيا، كما يشدد على ضرورة التزام الجانب التركي بفهم خصوصيات السوق الجزائرية والاستثمار طويل المدى، بعيدا عن منطق الربح السريع.

 

شراكة على المحك.. آفاق واعدة وتوصيات لصناعة توازن مستدام

ويقدم المتحدث جملة من التوصيات لتعزيز هذه الشراكة، أبرزها تنويع الاستثمارات نحو قطاعات مستقبلية كالتكنولوجيا والطاقات المتجددة، وتعزيز التكامل في سلاسل التوريد، والاستثمار في رأس المال البشري عبر التعليم والتدريب، كما يدعو إلى تعزيز الشفافية والحكامة الاقتصادية، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب إنشاء مناطق صناعية مشتركة تجمع بين الاستثمار التركي والموارد الجزائرية والعمالة المحلية، وتطوير أطر قانونية واضحة تضمن الاستقرار والشفافية.

ويبرز أيوب عرفي أن العلاقات الاقتصادية الجزائرية – التركية تمثل اليوم نموذجا متقدما للشراكات الإقليمية الصاعدة، ليس فقط من حيث حجم المبادلات أو تنوع الاستثمارات، بل من حيث طبيعة التحول الذي عرفته هذه العلاقة، إذ انتقلت من منطق التبادل التجاري الكلاسيكي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تقوم على التكامل الاقتصادي والتنسيق المؤسسي وتبادل المصالح طويلة المدى، هذا التحول يعكس وعيا متزايدا لدى الطرفين بضرورة بناء علاقات تتجاوز الطابع الظرفي نحو شراكات قائمة على الاستدامة والمرونة في مواجهة التحولات الدولية.

غير أن هذا التقدم، رغم أهميته، لا يعني بالضرورة تحقيق توازن تلقائي في المصالح، حيث يبقى نجاح هذه الشراكة مرهونا بقدرة كل طرف على تعظيم مكاسبه دون الإضرار بالطرف الآخر، ففي الحالة الجزائرية، يبرز التحدي في تحويل الاستثمارات الأجنبية، ومنها التركية، إلى رافعة حقيقية للتنمية عبر نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وتعزيز القدرات الإنتاجية المحلية، بما يحد من التبعية الاقتصادية ويضمن خلق قيمة مضافة مستدامة، أما بالنسبة لتركيا، فإن الحفاظ على موقعها كشريك موثوق يتطلب تبني مقاربة قائمة على الاستثمار طويل الأمد، واحترام خصوصيات السوق الجزائرية، والانخراط في مشاريع نوعية تساهم في التنمية المشتركة بدل الاكتفاء بمنطق الربح السريع.

ويخلص عرفي إلى أنه في ظل عالم اقتصادي يتسم بتسارع التحولات، سواء على مستوى سلاسل الإمداد العالمية أو التحول نحو الاقتصاد الأخضر والرقمي، تكتسب هذه الشراكة بعدا استراتيجيا إضافيا، إذ تتيح للجزائر فرصة تنويع اقتصادها والانفتاح على خبرات صناعية متقدمة، كما تمنح تركيا منفذا مهما نحو الموارد والأسواق الإفريقية، ومن هذا المنطلق، فإن العلاقات الجزائرية – التركية تمثل في آن واحد فرصة واعدة لتعزيز التكامل الاقتصادي، واختبارا حقيقيا لقدرة البلدين على بناء نموذج شراكة متوازن، قائم على المصالح المشتركة والاستجابة الفعالة لتحديات المستقبل.

من التبادل التجاري إلى التحالف الاستراتيجي.. قفزة نوعية في العلاقات

من جهة أخرى، يرى المحلل السياسي لعروسي رابح أن العلاقات الجزائرية-التركية لم تعد تندرج ضمن إطار الشراكة التجارية التقليدية القائمة على التبادل الكلاسيكي للسلع، بل دخلت مرحلة أكثر تقدّمًا يمكن توصيفها بـ“التحالف الاقتصادي الاستراتيجي”، ويستند في هذا الطرح إلى مؤشرات رقمية لافتة، أبرزها بلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 8 مليارات دولار، مع تسجيل وتيرة نمو متسارعة خلال أقل من عشر سنوات، ما يعكس قفزة نوعية مقارنة بنمط التعاون السابق الذي كان محدودًا في طابعه وأدواته، غير أن رابح يشدّد على أن أهمية هذه الأرقام تظل نسبية إذا لم تُترجم إلى نتائج ملموسة على مستوى البنية الاقتصادية.

وفي هذا السياق، يبرز أن الرهان الحقيقي لا يكمن في تضخيم حجم المبادلات فحسب، بل في طبيعتها واتجاهها، أي في قدرة هذه الشراكة على إحداث تحوّل هيكلي داخل الاقتصاد الجزائري، ينقله من نموذج يعتمد أساسًا على الاستيراد والاستهلاك، إلى نموذج إنتاجي قائم على التصنيع المحلي وخلق القيمة المضافة، كما يلفت إلى أن تحقيق هذا الهدف يمرّ عبر توطين الاستثمارات الصناعية، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وتطوير سلاسل إنتاج مشتركة، بما يسمح بإرساء توازن فعلي في المصالح بين الطرفين، ويجنّب الوقوع في علاقة غير متكافئة تُعيد إنتاج التبعية الاقتصادية في شكل جديد

رابح لعروسي محلل سياسي
رابح لعروسي محلل سياسي

الاستثمار والإنتاج المشترك.. نحو خلق قيمة مضافة حقيقية

ويشير رابح إلى أن الحضور التركي في الجزائر لم يعد مقتصرًا على التصدير، بل أصبح يرتكز بشكل متزايد على الاستثمار المباشر، مع وجود أكثر من 1800 شركة تركية تنشط في السوق الجزائرية في مجالات متعددة، كما أصبحت الجزائر الوجهة الأولى للاستثمارات التركية في إفريقيا، وهو ما يعكس توجّهًا نحو خلق قيمة مضافة من خلال نقل التكنولوجيا وتوفير مناصب الشغل، ويستدل على ذلك بمشاريع صناعية كبرى، على غرار مصنع توسيالي بوهران، الذي يمثل نموذجًا ناجحًا للتحول من الاستيراد إلى الإنتاج المحلي، مع طموحات لتطوير الصادرات، خاصة في قطاع الحديد والصلب، بما يعزز استقلالية الاقتصاد الوطني.

رهانات التوازن والشراكة الذكية في سياق عالمي متحوّل

وفي سياق متصل، يطرح رابح تساؤلًا جوهريًا حول مدى توازن هذه الشراكة، معتبرًا أن تحقيقه يبقى مشروطًا بتوسيع مجالات التعاون لتشمل نقل التكنولوجيا، وتكوين اليد العاملة، والتوجه نحو التصدير المشترك نحو إفريقيا وأوروبا، كما يبرز أهمية هذه الشراكة في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، خاصة اضطراب سلاسل الإمداد والتوجه نحو توطين الصناعات بالقرب من الأسواق، ويرى أن تكامل عناصر القوة بين البلدين من خبرة صناعية وتكنولوجية لدى تركيا، وموارد طاقوية وموقع استراتيجي وسوق واعدة لدى الجزائر يمكن أن يؤسس لقطب اقتصادي متوسطي قوي، إذا ما تم استثماره ضمن رؤية استراتيجية قائمة على التنويع والتكامل