الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

فتح ملفات الفساد بين الجزائر وفرنسا وتسليم المتورطين.. اختبار جديد للعلاقات الثنائية

Author
بثينة صايفي 19 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل تصاعد النقاش حول ملفات الفساد العابر للحدود، يعود ملف التعاون القضائي بين الجزائر وفرنسا إلى الواجهة مجددا، تزامنا مع الزيارة التي يؤديها وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، إلى الجزائر، رفقة وفد قضائي رفيع المستوى، خاصة فيما يتعلق باسترجاع الأموال المنهوبة وتسليم المتورطين في قضايا فساد تحوم حول شبكات مالية معقدة تمتد بين البلدين.

ويطرح هذا الملف تساؤلات عميقة حول مدى جدية الإرادة السياسية لدى الطرفين في فتح هذه القضايا الشائكة، وتحويلها من مجرد تصريحات دبلوماسية إلى إجراءات قضائية ملموسة.

 

التعاون القضائي بين الجزائر وفرنسا.. اختبار نوايا أكثر من شراكة مستقرة

يرى المحلل السياسي، أيوب عرفي، أن هذا التعاون لا يزال في مرحلة “اختبار النوايا”، أي أنه لم يرتقِ بعد إلى مستوى شراكة مؤسساتية مستقرة تقوم على الثقة الكاملة وتبادل المعلومات بشكل منتظم وفعّال، فبرأيه، ما يجري بين البلدين في ملفات مثل الفساد، تبييض الأموال، ومكافحة الإرهاب، لا يزال محكومًا باعتبارات سياسية أكثر من كونه تعاونا قضائيا خالصا، إذ تتداخل فيه حسابات السيادة، وحساسية الملفات المرتبطة بشخصيات نافذة وأموال عابرة للحدود.

أيوب عرفي محلل سياسي
أيوب عرفي محلل سياسي

في هذا السياق، تأتي زيارة وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانان، إلى الجزائر باعتبارها خطوة تهدف إلى إعادة ترميم العلاقات الثنائية بعد فترة من التوتر الدبلوماسي، هذا التوتر انعكس بشكل مباشر على بطء أو تجميد بعض قنوات التعاون القضائي، خاصة في الملفات التي تطلب تسليم مطلوبين أو تتبع أموال يُشتبه في تحويلها نحو الخارج.

كما يلفت المحلل إلى أن الملفات المطروحة – خاصة “الأموال المنهوبة” ومكافحة الإرهاب – ليست تقنية فقط، بل تحمل أبعادا سياسية حساسة، لأن كل طرف ينظر إليها من زاوية مختلفة، الجزائر من منظور استرجاع الأموال وتعزيز السيادة القضائية، وفرنسا من زاوية حماية منظومتها القانونية وتوازناتها الداخلية وعلاقاتها مع شبكات مالية واستثمارية معقدة.

ويضيف عرفي أن مستقبل هذا التعاون سيظل مرهونا بنتائج ملموسة على الأرض، مثل تسليم المطلوبين أو تجميد أصول مالية مشبوهة، لأن الخطابات السياسية وحدها لا تكفي لبناء ثقة دائمة، وبالتالي، فإن هذا الملف قد يتحوّل إلى معيار لقياس مدى تحسن العلاقات الجزائرية الفرنسية أو استمرارها في دائرة التوتر والتقلب.

 

بين التصريحات والإرادة السياسية

يؤكد المحلل أن الإشكال الأساسي لا يكمن في التصريحات الرسمية، بل في مدى استعداد الجانب الفرنسي لتحويل التعاون القضائي إلى إجراءات عملية تطال شخصيات نافذة وشبكات مالية معقدة تمتد بين البلدين، ويرى أن الاختبار الحقيقي يكمن في الانتقال من الخطاب السياسي إلى التنفيذ الفعلي في ملفات حساسة.

من الناحية النظرية، يشير عرفي إلى وجود بعض المؤشرات الإيجابية، أبرزها اعتراف باريس بتلقي عشرات الطلبات الجزائرية المتعلقة باسترجاع الأموال المنهوبة وتتبع الممتلكات المشبوهة، كما أن حديث الجانب الفرنسي عن “فتح فصل جديد” في التعاون القضائي يعكس، بحسبه، وجود إرادة سياسية لخفض التوتر، خاصة أن الملفات المطروحة لم تعد تقتصر على الفساد، بل تشمل الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات، ما يجعل التنسيق القضائي والأمني جزءًا من معادلة أوسع.

 

عراقيل سياسية وقانونية معقدة

في هذا السياق، يبرز المحلل أن التعاون القضائي بين الجزائر وفرنسا لا يتحرك في فراغ قانوني محض، بل تحكمه شبكة معقدة من الاعتبارات السياسية والقانونية التي تحدّ من فعاليته وتؤثر على وتيرة نتائجه، فالعلاقات الثنائية بين البلدين لها دور مباشر في تحديد مستوى الانفتاح أو التجميد في الملفات القضائية الحساسة، إذ غالبا ما يصبح التعاون رهينة لحالة التقارب أو التوتر السياسي، ما يجعل بعض القضايا العالقة تتحرك ببطء أو تُجمَّد مؤقتا تبعا لما يمكن وصفه بـ”المناخ الدبلوماسي” السائد.

إلى جانب ذلك، تبرز عوائق قانونية مرتبطة بطبيعة النظام القضائي الفرنسي، الذي يعتمد معايير صارمة في التعامل مع طلبات التسليم وتتبع الأموال، إذ يشترط القضاء الفرنسي تقديم أدلة قوية وملفات مكتملة ومبنية وفق المعايير الأوروبية لحقوق الإنسان والإجراءات القضائية، وهو ما قد يشكل تحديًا أمام بعض الطلبات القادمة من الجانب الجزائري إذا لم تستوفِ هذه الشروط التقنية والقانونية الدقيقة.

كما أن بعض المطلوبين في هذه الملفات يستفيدون من تعقيدات الوضع القانوني الدولي، سواء من خلال الحصول على اللجوء السياسي أو امتلاك الجنسية المزدوجة، ما يمنحهم هامشا إضافيا للطعن في إجراءات التسليم أو إطالة المسار القضائي، ويُضاف إلى ذلك إمكانية الاعتراض على بعض الطلبات بدعوى عدم توفر ضمانات المحاكمة العادلة في بلد الطلب، وهو عنصر غالبا ما يأخذه القضاء الفرنسي بعين الاعتبار قبل اتخاذ أي قرار نهائي.

وبين هذه الاعتبارات السياسية المتقلبة والتعقيدات القانونية الدقيقة، يبقى التعاون القضائي بين البلدين عملية معقدة ومتدرجة، لا تُحسم بالنيات السياسية وحدها، بل تتطلب توافقا مؤسساتيا وقانونيا متينا لضمان نتائج ملموسة وفعّالة.

 

تعقيدات ملفات الإرهاب والفساد المالي

يؤكد المحلل أيوب عرفي أن ملفات مكافحة الإرهاب بين الجزائر وفرنسا تُعد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا داخل مسار التعاون القضائي، ليس فقط بسبب طبيعتها الأمنية، بل أيضا بسبب التشابك السياسي والإعلامي الذي يحيط بها، ففي كثير من الحالات، لا يُنظر إلى المطلوبين في هذه القضايا من زاوية قانونية صرف، بل يتم تقديم بعضهم داخل الفضاء الفرنسي كـ”معارضين سياسيين” أو شخصيات مثيرة للجدل، وهو ما يخلق تباينا واضحا في توصيف القضايا بين البلدين.

هذا الاختلاف في التوصيف القانوني والسياسي يؤدي غالبا إلى تحويل ملفات التسليم إلى مسارات طويلة ومعقدة داخل القضاء الفرنسي، حيث تتداخل الاعتبارات الحقوقية مع الحسابات السياسية والضغوط الإعلامية ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، ونتيجة لذلك، تصبح بعض الطلبات محل جدل واسع، لا يُحسم بسرعة، بل يدخل في سلسلة من الطعون والمراجعات القانونية التي قد تمتد لسنوات.

أما فيما يتعلق بملفات الأموال المنهوبة والفساد المالي، فيشير التحليل إلى أن التعقيد هنا يأخذ طابعا تقنيا وماليا أكثر منه سياسيا مباشرا، لكنه لا يقل صعوبة، فالأموال المشبوهة غالبا ما تُمرَّر عبر شبكات مالية معقدة تشمل شركات وهمية، حسابات مصرفية في دول متعددة، وعقارات مسجلة بأسماء وسطاء أو أطراف ثالثة، ما يجعل عملية التتبع أشبه بتفكيك شبكة مالية عابرة للحدود.

هذا التشابك في المسارات المالية يفرض ضرورة تعاون دولي واسع لا يقتصر على الجزائر وفرنسا فقط، بل يشمل أيضا دولا ومؤسسات مالية وهيئات رقابة مصرفية في عدة بلدان، وبالتالي، فإن استرجاع هذه الأموال لا يعتمد فقط على الإرادة السياسية، بل يتطلب أدوات تحقيق مالية متقدمة، وتنسيقا قضائيا دوليا دقيقا، وقدرة على تتبع التدفقات المالية المعقدة عبر أنظمة مصرفية متعددة.

 

شروط نجاح التعاون القضائي

يرى المحلل أن تحسين فرص النجاح في هذا الملف يرتبط بجملة من الإجراءات، أبرزها رفع جودة الملفات القضائية الجزائرية من حيث التوثيق والدقة، وتفعيل الاتفاقيات الدولية وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

كما يشدد على أهمية إنشاء فرق تحقيق مشتركة بين البلدين لتبادل المعلومات بشكل مباشر، إلى جانب تسريع الرقمنة وتعزيز التعاون المالي الدولي لمواكبة تطور الجريمة المنظمة العابرة للحدود.

ويؤكد عرفي أن التحدي الأهم يبقى في فصل الملفات القضائية عن التوترات السياسية، وهو ما يعتبره شرطًا صعب التحقق في ظل تاريخ العلاقات الجزائرية الفرنسية، حيث تتحول الملفات الحساسة في كثير من الأحيان إلى أدوات ضغط سياسي.

ويخلص المحلل إلى أن زيارة جيرالد دارمانان قد تشكل بداية مهمة إذا تُرجمت إلى خطوات ملموسة، مثل تسليم مطلوبين أو تجميد أصول مالية أو تنفيذ إنابات قضائية بفعالية. أما إذا بقيت في إطار التصريحات واللجان، فسيظل التعاون القضائي، حسب تعبيره، مجرد “عنوان سياسي” لإدارة الأزمات أكثر من كونه مسارا فعليا لتحقيق العدالة واسترجاع الأموال المنهوبة.