الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العرب

العلاقات الروسية الصينية.. تحالف استراتيجي تفرضه التحولات الدولية والعقوبات الغربية

Author
ربيعة خطاب 23 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تأتي تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، لتؤكد عمق الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وبكين، حيث شدد على أن العلاقات الروسية الصينية تتجاوز في طبيعتها الأطر التقليدية للتحالفات العسكرية والسياسية، لتصل إلى مستوى من التنسيق طويل الأمد في مجالات الطاقة والاقتصاد والسياسة الدولية. كما أشار لافروف إلى غموض الموقف الأمريكي تجاه الصين في الملف الإيراني، في مقابل تأكيد روسيا التزامها الكامل بتوريد الطاقة إلى بكين، وترحيبها بأي تفاهمات أمريكية – صينية في هذا المجال دون تدخل في علاقاتهما التجارية.

وفي هذا السياق، يصرح حسام البقيعي، مدير مركز رع لدراسات الإستراتيجية، لـ”الأيام نيوز”، بأن العلاقات الصينية الروسية تعد واحدة من أهم العلاقات الثنائية على المستوى الدولي، بالنظر إلى مكانة الدولتين في النظام العالمي، إضافة إلى الإمكانات الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي يتمتع بها الطرفان.

وأوضح حسام البقيعي أن جذور هذه العلاقات تعود إلى مرحلة تأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949، حيث وقّعت بكين وموسكو آنذاك معاهدة الصداقة والتحالف والمساعدة المتبادلة، والتي وفرت إطارًا واسعًا للتعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية. غير أن هذا التقارب لم يستمر طويلًا، إذ شهدت العلاقات بين البلدين تراجعا حادا، منتصف خمسينيات القرن الماضي، بعد وصول نيكيتا خروتشوف إلى قيادة الاتحاد السوفياتي، نتيجة خلافات أيديولوجية بين الطرفين رغم انتمائهما إلى الفكر الشيوعي ذاته.

وأشار البقيعي إلى أن الخلافات الأيديولوجية بين الصين والاتحاد السوفياتي تطورت لاحقًا إلى مواجهات عسكرية مباشرة سنة 1969 في جزيرة زينباو، وكادت أن تتحول إلى حرب مفتوحة بين البلدين، الأمر الذي دفع بكين آنذاك إلى التقرب من الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة النفوذ السوفياتي، واستمرت حالة التوتر والقطيعة السياسية بين موسكو وبكين إلى غاية سنة 1989، مع زيارة الزعيم السوفياتي، ميخائيل غورباتشوف، إلى العاصمة الصينية، وهي الزيارة التي شكلت نقطة تحوّل بارزة أعادت العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي قبيل انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

ويرى حسام البقيعي أن المرحلة الأهم في مسار العلاقات الروسية الصينية بدأت مع وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى السلطة في موسكو، حيث شهدت العلاقات تنسيقا غير مسبوق على أعلى المستويات وفي مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، إلى جانب تنسيق المواقف داخل المنظمات الدولية.

وأضاف حسام البقيعي أن هذا التقارب وصل إلى حد اعتماد العملات المحلية في المبادلات التجارية والمالية بين البلدين والاستغناء التدريجي عن الدولار الأمريكي، وهو ما يعكس رغبة مشتركة في تقليص الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي.

وأكد البقيعي أن هذا التقارب يعود إلى مجموعة من العوامل المشتركة، من بينها رفض الطرفين لانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي، إضافة إلى توافق رؤيتهما في عدد من القضايا الدولية الحساسة، مثل رفض استقلال كوسوفو، ومعارضة توسع حلف شمال الأطلسي خاصة باتجاه جورجيا وأوكرانيا بالنسبة لروسيا، فضلًا عن قضايا الطاقة وتايوان وحقوق الإنسان بالنسبة للصين.

وفيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، أوضح حسام البقيعي أن العقوبات الغربية الواسعة التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا على موسكو منذ ضم شبه جزيرة القرم سنة 2014، والتي تصاعدت بشكل أكبر بعد اندلاع الحرب، جعلت من الصين العمود الفقري للاقتصاد الروسي، بالنظر إلى رفض بكين الالتزام بالعقوبات الغربية أو المشاركة في عزل روسيا سياسيا واقتصاديا.

وأشار حسام البقيعي إلى أن الصين أصبحت تمتلك اليد العليا نسبيا داخل هذه العلاقة، مستفيدة من حاجة موسكو المتزايدة إلى الأسواق الصينية والتعاون الاقتصادي مع بكين، خاصة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والتجارة.

ويرى البقيعي أن العلاقات الصينية الروسية تبقى في جوهرها “علاقات اضطرارية أكثر منها اختيارية”، موضحا أن البلدين سعيا في فترات مختلفة إلى بناء علاقات طبيعية مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، غير أن تعثر تلك المحاولات والضغوط الغربية دفعهما إلى التقارب بشكل أكبر.

وأضاف حسام البقيعي أن هذه العلاقات لم تنشأ في ظروف طبيعية بالكامل، بل فرضتها اعتبارات استراتيجية مرتبطة بفشل كل طرف في إقامة شراكة مستقرة مع الغرب، إلى جانب حاجة روسيا إلى كسر العزلة والعقوبات الغربية المفروضة عليها.

وفي سياق متصل، تطرّق البقيعي إلى ما وصفه بـ”الغموض الأمريكي” تجاه الصين في الملف الإيراني، موضحا أن الولايات المتحدة تبدو مرتبكة بين رغبتها في إنهاء الأزمة الإيرانية قبل التورط بشكل أعمق فيها، وما قد يترتب عن ذلك من تداعيات سياسية داخلية قد تؤثر على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وبين حرصها في الوقت نفسه على عدم منح الصين دورًا أكبر في الشرق الأوسط عبر إشراكها بشكل مباشر في الضغط على إيران.

كما أشار حسام البقيعي إلى وجود قلق روسي من احتمال حدوث تقارب أو تفاهمات بين واشنطن وبكين قد تكون على حساب موسكو، وهو ما يفسر، بحسبه، سعي الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى تعزيز التنسيق مع الصين وتحديد موعد لزيارة رسمية إلى بكين.

وأكد البقيعي على أن قطاع الطاقة، رغم أهميته في بناء التحالفات الدولية، لا يكفي وحده لضمان استمرارية تلك التحالفات، مستشهدًا بعدة نماذج دولية، من بينها العلاقات الصينية الفنزويلية، وكذلك التحالف القائم بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربي، متسائلا عما إذا كانت واشنطن قد وفرت الحماية الكاملة لحلفائها الخليجيين رغم عقود طويلة من الشراكة العسكرية والطاقوية، أم أنها فضلت في نهاية المطاف حماية مصالح الكيان الصهيوني بالدرجة الأولى.