الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

العمق الإفريقي.. بوابة الصناعة الجزائرية نحو التوسع والتنويع

Author
إيمان عبروس 17 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تمضي الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، نحو تعزيز حضورها داخل العمق الإفريقي ضمن رؤية اقتصادية جديدة تراهن على تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص التبعية للمحروقات، من خلال دعم الصادرات خارج قطاع النفط والغاز وتوسيع الشراكات التجارية والاستثمارية عبر القارة.

ويأتي هذا التوجه في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وما تفرضه من ضرورة بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، خاصة مع تصاعد أهمية الأسواق الإفريقية باعتبارها فضاء اقتصاديا واسعا يفتح آفاقا واسعة أمام التبادل التجاري والاستثمار والتكامل الاقتصادي.

وفي هذا الإطار، تتجه الجزائر نحو إعادة صياغة موقعها الاقتصادي داخل القارة الإفريقية عبر استراتيجية تقوم على توسيع المبادلات التجارية وتعزيز الصادرات خارج قطاع المحروقات، وربط الاقتصاد الوطني بعمقه الإفريقي ضمن رؤية قائمة على التكامل الاقتصادي والتعاون جنوب ـ جنوب. ويكتسي هذا التوجه بعدا استراتيجيا بالنسبة للجزائر، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الذي يجعلها بوابة طبيعية بين شمال القارة وعمقها الإفريقي، إضافة إلى ما تمتلكه من قدرات صناعية وخبرات متراكمة في قطاعات متعددة، تسمح لها بتوسيع حضورها داخل الأسواق الإفريقية التي تعرف طلبا متزايدا على المنتجات والخدمات والبنى التحتية، في وقت تتجه فيه دول القارة نحو تسريع مشاريع التنمية وتطوير سلاسل القيمة المحلية.

وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي العربي غويني، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن الجزائر لم تعد تعتمد فقط على مقاربة سياسية أو دبلوماسية في علاقتها مع إفريقيا، بل أصبحت تمتلك اليوم مقاربة اقتصادية متكاملة تقوم على تصدير التجربة الجزائرية في التنمية والإنتاج والاستثمار، مشيراً إلى أن التحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة فتحت المجال أمام الجزائر للتوجه بقوة نحو الأسواق الإفريقية باعتبارها امتدادا طبيعيا لحركتها التجارية والاقتصادية.
وأوضح المتحدث أن الجزائر شرعت فعليا في بناء نموذج اقتصادي جديد يرتكز على تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتقليص التبعية للمحروقات، لافتا إلى أن هذا التحول جاء نتيجة رؤية اقتصادية شاملة تستند إلى إصلاحات مالية وضريبية وصناعية وتجارية، إلى جانب إعادة تنظيم مناخ الاستثمار وتشجيع الإنتاج المحلي وفتح المجال أمام المبادرة الاقتصادية، سواء للمؤسسات العمومية أو الخاصة.

التحول نحو اقتصاد الإنتاج والتصنيع

وأشار العربي غويني إلى أن الجزائر انتقلت، خلال السنوات الأخيرة، نحو اقتصاد قائم على الإنتاج والتصنيع بدل تصدير المواد الخام، وهو ما سمح بظهور فوائض إنتاجية في عدد من القطاعات الصناعية والفلاحية والخدماتية، انعكست بشكل مباشر على تطور الصادرات خارج المحروقات.

وأضاف أن السياسة الاقتصادية الجديدة ترتكز على تثمين الموارد المحلية وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة، بدل الاكتفاء بتصدير المواد الأولية، وهو ما يساهم في رفع العائدات المالية وخلق مناصب شغل جديدة، إلى جانب دعم الاستقرار الاقتصادي وتقليص التبعية لتقلبات الأسواق العالمية للطاقة.

كما لفت إلى أن الدولة عملت على دعم الصناعات التحويلية بشكل أوسع، خصوصا في مجالات مواد البناء والسيراميك والصناعة الصيدلانية والصناعات الغذائية والحديد والصلب، وهي قطاعات أصبحت تحقق مستويات إنتاج تسمح بتغطية احتياجات السوق الوطنية وتوليد فوائض قابلة للتصدير نحو الخارج، وفي مقدمتها الأسواق الإفريقية التي تشهد طلبا متزايدا على المواد الأساسية ومستلزمات البناء والتجهيز.

الصادرات خارج المحروقات.. مؤشرات تحوّل اقتصادي متسارع

وأكد الخبير الاقتصادي أن الجزائر سجلت، خلال السنوات الأخيرة، تطورا ملحوظا في الصادرات خارج قطاع المحروقات، وهو ما يعكس بداية تشكل قاعدة إنتاجية أكثر تنوعا وقدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.

وأوضح أن المنتجات الجزائرية أصبحت تجد مكانها تدريجيا في الأسواق الإفريقية، خاصة في مجالات مواد البناء والسيراميك والمنتجات الحديدية والصناعة الصيدلانية والصناعات الغذائية، إضافة إلى بعض المنتجات الزراعية المحولة، وهي قطاعات تمتلك فيها الجزائر خبرة تراكمية وإمكانات تنافسية معتبرة تسمح لها بفرض حضورها في بيئة إفريقية تعرف نموا سريعا في الطلب.

وأضاف أن هذا التحوّل يعكس نجاح سياسة تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط والغاز، في ظل تقلبات الأسواق العالمية، والحاجة المتزايدة إلى بناء اقتصاد أكثر توازنا واستدامة، قادر على الصمود أمام الأزمات الخارجية.

العمق الإفريقي.. سوق استراتيجية واعدة

وحول التوجه نحو إفريقيا، أوضح العربي غويني أن القارة الإفريقية تمثل اليوم أحد أهم الأسواق الواعدة للاقتصاد الجزائري، بالنظر إلى النمو الديمغرافي والاقتصادي المتسارع الذي تعرفه العديد من الدول الإفريقية، إلى جانب الحاجيات الكبيرة في مجالات البنى التحتية والطاقة والصناعة والخدمات.

وأشار إلى أن الجزائر تمتلك موقعا جغرافيا استراتيجيا يؤهلها لتكون بوابة تجارية ولوجستية نحو إفريقيا، ما يمنحها قدرة أكبر على التموقع داخل هذه السوق المتنامية، خاصة في ظل تزايد الاهتمام الدولي بالقارة باعتبارها فضاء اقتصاديا مستقبليا.

وأضاف أن التوجه نحو العمق الإفريقي لا يقتصر على التصدير فقط، بل يشمل أيضا الاستثمار المباشر ونقل الخبرات والتكنولوجيا، والمساهمة في مشاريع التنمية داخل الدول الإفريقية، بما يعزز منطق الشراكة والتكامل بدل العلاقة التجارية التقليدية القائمة على التبادل المحدود.

البنية التحتية والربط اللوجستي.. شرط أساسي للاندماج

وأكد المتحدث أن نجاح التوجه الجزائري نحو إفريقيا يرتبط بشكل وثيق بتطوير البنية التحتية، خاصة في مجالات النقل واللوجستيك والربط البري والجوي والبحري، باعتبارها الحلقة الأساسية في تسهيل حركة السلع وخفض تكاليف التصدير.

وأشار إلى أهمية المشاريع الكبرى، وعلى رأسها الطرق العابرة نحو دول الساحل، إلى جانب تحديث الموانئ وتوسيع قدراتها الاستيعابية، وتعزيز أسطول النقل التجاري، بما يسمح بربط الجزائر بعمقها الإفريقي بشكل فعال.
كما تحدث عن أهمية إنشاء مناطق حرة ومناطق تبادل تجاري على الحدود الجنوبية، بهدف تنشيط التجارة البينية وتسهيل حركة المبادلات مع دول الجوار الإفريقي، بما يخلق ديناميكية اقتصادية جديدة في المناطق الحدودية.

المعارض والاستثمارات.. أدوات عملية لتوسيع النفوذ الاقتصادي

وأشار العربي غويني إلى أن الجزائر تعتمد على مجموعة من الأدوات العملية لتعزيز حضورها في إفريقيا، من بينها تنظيم المعارض التجارية الدائمة والموسمية، والمشاركة في التظاهرات الاقتصادية الإفريقية والدولية، ما يسمح بفتح قنوات تواصل مباشرة مع المتعاملين الاقتصاديين في القارة.

وأوضح أن هذه المعارض لم تعد مجرد فضاءات للترويج، بل تحولت إلى منصات لعقد صفقات وشراكات وتبادل الخبرات، ما ساهم في رفع حجم المبادلات التجارية بين الجزائر وعدد من الدول الإفريقية.

كما لفت إلى تشجيع الاستثمارات الجزائرية داخل عدد من الدول الإفريقية، خاصة في قطاعات البناء والطاقة والصناعة الصيدلانية والخدمات، وهو ما يعكس تحول الجزائر من مصدر للسلع إلى فاعل اقتصادي واستثماري داخل القارة.

الصناعة الجزائرية تطرق الأسواق الإفريقية

وأوضح الخبير الاقتصادي أن عددا من القطاعات الصناعية الجزائرية أصبحت تمتلك قدرة تنافسية حقيقية داخل الأسواق الإفريقية، خاصة مع تحسن جودة المنتجات الوطنية وتطور أدوات الإنتاج.

وأشار إلى أن قطاع مواد البناء يمثل أحد أبرز القطاعات التصديرية، حيث أصبحت الجزائر تصدر الإسمنت والسيراميك والحديد ومختلف مواد البناء نحو عدة دول إفريقية، إضافة إلى أسواق خارج القارة.

كما تحدث عن تطور الصناعة الصيدلانية الجزائرية، التي باتت تغطي جزءا كبيرا من حاجيات السوق المحلية، مع قدرة متزايدة على التوسع نحو الأسواق الإفريقية التي تعرف طلبا متناميا على الأدوية والمستلزمات الطبية.

وأضاف أن تجربة الجزائر في مجالات السكن وتحلية المياه والبنى التحتية تمثل رصيدا مهما يمكن توظيفه داخل القارة الإفريقية، خاصة في الدول التي تحتاج إلى خبرات تقنية ومشاريع كبرى جاهزة للتنفيذ.

الشراكات الإفريقية.. نحو دبلوماسية اقتصادية فعالة

وفي سياق متصل، أبرز المتحدث أهمية الاتفاقيات والشراكات التي تربط الجزائر بعدد من الدول الإفريقية، مشيرا إلى أن هذه الاتفاقيات لا تقتصر على التبادل التجاري فقط، بل تشمل مجالات الطاقة والتكوين والنقل والاستثمار ونقل التكنولوجيا.

واعتبر أن هذا التوجه يعكس صعود ما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية الاقتصادية”، التي تقوم على بناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والتكامل بدل المنافسة غير المتوازنة.

منطقة التجارة الحرة الإفريقية.. فرصة تاريخية

وأكد العربي غويني أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل فرصة استراتيجية كبرى للجزائر، لما توفره من إمكانات واسعة لتوسيع الصادرات وتعزيز حضور المؤسسات الوطنية داخل أسواق القارة.

وأوضح أن هذه المنطقة تفتح المجال أمام سوق ضخمة تضم مئات الملايين من المستهلكين، ما يفرض على المؤسسات الجزائرية رفع تنافسيتها وتحسين جودة منتجاتها.

تحديات قائمة تتطلب معالجة هيكلية

ورغم الديناميكية الإيجابية، أشار الخبير الاقتصادي إلى وجود عدد من التحديات التي ما تزال تؤثر على وتيرة الاندماج الإفريقي، من بينها ضعف التمويل البنكي الموجه للتصدير، وصعوبات النقل، وتعقيد بعض الإجراءات الإدارية والجمركية.

كما شدد على ضرورة تطوير آليات التأمين على الصادرات، وتعزيز المرافقة اللوجستية للمؤسسات، وتوسيع الحضور البنكي والدبلوماسي الجزائري داخل القارة.

نحو تموقع اقتصادي إقليمي متقدم

وختم العربي غويني بالتأكيد على أن الجزائر تمتلك اليوم كل المقومات للتحول إلى قوة اقتصادية إقليمية داخل إفريقيا، بفضل مواردها الطبيعية، وقاعدتها الصناعية، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي.

وأوضح أن نجاح هذا الرهان مرتبط باستمرار الإصلاحات الاقتصادية، وتحسين مناخ الاستثمار، ودعم الإنتاج المحلي، وتعزيز الاندماج الإفريقي، بما يسمح ببناء اقتصاد متنوع ومستدام.

وأضاف أن التوجه نحو العمق الإفريقي يُعدّ مسارا استراتيجيا يهدف إلى تعزيز مكانة الجزائر الاقتصادية داخل القارة، ورفع صادراتها خارج المحروقات، بما يواكب التحولات العالمية نحو التكتلات الاقتصادية الكبرى.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي